الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

كتابة القصيدة عمل شاق وليس ترفيها

  • عاش الشاعر إبراهيم مبارك موزعا بين اليمن بلده الأم وبين السعودية بلد إقامته، وهو مسكون بالغربة العميقة التي تتعدّى المعنى التقليدي لتتشكّل كحياة يومية تبتكر نصها الخاص على الدوام، وكأن غربة الشعر وغربة الشاعر تتشكّلان وعيا منفردا في زمن الحرب والهويات المتناحرة. “العرب” كان لها معه هذا اللقاء حول تجربته الشعرية وهموم ثقافية أخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2017/11/15، العدد: 10813، ص(15)]

وظيفة الشعر إنتاج الأسئلة

أصدر الشاعر اليمني إبراهيم مبارك عام 2014 عن نادي جازان الأدبي بالتعاون مع الدار العربية للعلوم “ناشرون” بلبنان مجموعته الشعرية الأولى حاملة عنوان “يقيس الأزقة بالذكريات”. ويعكف حالياً على مجموعته الشعرية الجديدة التي لا يدري متى سيقرر دفعها إلى الطباعة، فالشاعر المتردد في داخله يسوّف له الأمر على الدوام.

يقول مبارك في بداية حديثه لـ”العرب” إن “غربة الشاعر أكبر مأزق قد يواجهه في ظل الوضع الراهن فكلما أوغل في ذاته ابتعد عن الآخر وهمومه وكلما ذهب صوب الآخر اغترب عن نفسه خاصة أن القضايا الحالية في الشرق الأوسط تفرض على المبدع حضوره الواعي إنسانا مبدعا بصفته جزءا من الآخرين، وبالتالي فقد انعكس هذا على تجربة الشاعر العربي الذي نهشت الحرب جزءا من ماضيه أو حياته الراهنة أو مستقبله فتجد أن أكثر النصوص الحالية لا يفوح منها غير شميم البارود، فتخلي الشاعر عن غربته الروحية هو نوع من الهزيمة الاختيارية يظل يتجرع هزيمتها بصمت في بقية حياته”.

مناخات الشعر

عن مناخات اشتغاله الشعري القادم يؤمن إبراهيم أن لكل شاعر مختبره الشعري الخاص به، ولكنها تشترك كلها في مهمة واحدة، وهي إنتاج الأسئلة وهذه -حسب رأيه- أكبر مهام الشعر.

يقول ضيفنا “عن مناخاتي الشعرية القادمة هي محاولات تتماس مع القلق القديم والمعيش في الوقت ذاته للإنسان، الذي كلما تقدم به الزمن ازداد حيرة وتوجسا، ذلك القلق لا يزال ملازما لي في فضاءات الكتابة التي تقف موقف المتسائل حينا والمحاكم حينا آخر، متكئا على الذاكرة كنوع من الاستعادة التخييلية والأرشفة لماض شخصيّ يلتقي مع تجارب وحيوات مختلفة ومتعددة، تتوازى وتتقاطع مع المكون الثقافي للذاكرة الجمعية كوجهة نظر إنسانية بحتة، تجربة تظل تحت مجهر التجريب اليومي المسكون بالتفاصيل الصغيرة، محاولا الخروج بها إلى الفضاءات الشعرية مع الحفاظ على الخيط الرفيع الذي يفصل الشعري عن العادي في عملية عاطفية معقدة”.

وفي سؤال عن الهموم التي تشغل الشاعر العربي وفق إطار الزمن والجيل الذي يعيش فيه الشعراء الشباب يجيب مبارك بأن “الكثير من الهموم تحاصر الجيل الجديد من الشعراء العرب، وأبرز هذه الهموم اثنان؛ الأول على المستوى الشخصي، وهو ما يتعلق بالتجربة أو المشروع الخاص لدى الشاعر وكيفية تطويره بالانكفاء والعمل المتواصل كل حسب طريقته الخاصة، بينما نحا شعراء آخرون صوب همّ آخر متوجهين إلى مواقع التواصل والكتابة بشكل يومي كما لو كان توقيعا للحضور ولإثبات شيء ما، فتخرج نصوصهم مشوهة هي أشبه بالإجهاض الكتابي منها بالنصوص الإبداعية المكتملة”.

الشعر يقف إلى جانب كافة الفنون لمقاومة القبح في عالم جعلت منه الحروب فيلما بالأسود والأبيض وصورة غير محمضة

ويتابع “أما الهمّ الثاني فهو ما يلتقي فيه معظم الشعراء وهو الانتصار للجمال في معركته ضد القبح بكل صوره فكلهم يقفون في خندق واحد ولكن الأمر مختلف تماما عن المعارك الدامية إذ موقف الشعراء هو موقف المقاومة بالفن لكل ما هو غير إنساني. الشعر يقف إلى جانب كافة الفنون لمقاومة القبح في عالم جعلت منه الحروب فيلما بالأسود والأبيض أو كصورة غير محمضة، من همومه كذلك الخروج بالشعر من النمطية السائدة التي ظلت تتحكم في ذائقة المتلقي العادي الذي لا يزال متعلقا بالمعلقات داخل كعبة الإرث القديم، وكأنه لم يجد ما يحمل وجدانياته ومآسيه الحالية غير الرجوع إلى الماضي ليستقي منه واقعه المعاصر بكل مستجداته وتحولاته المتسارعة”.

يرى مبارك أن الكثير من المبدعين تراجعت علاقتهم بالمؤسسة الثقافية الرسمية، ويؤكد على أن هذه العلاقة فشلت ممّا أدى -حسب قوله- إلى إنشاء الصالونات الأدبية.

يقول “مع المتغيرات التقنية توجه المبدعون إلى السوشيال ميديا، فكان الخيار الأفضل ليخرجوا بالشعر من النخبوية والأطر والمقصات الصحافية والصالات إلى المتلقي العادي وكأنهم يقولون: إن الشعر ليس تنظيما سريا. وبهذا كسروا سياج الرتابة وكتبوا القصيدة الحديثة في فضاء رحب يتسع لجميع الشعراء، فكتبوا قصيدة النثر في أعلى مستوياتها محققين حضورا عربيا ومحليا لافتا. شعراء كتبوا قصيدة النثر بكامل المسؤولية الإبداعية ورموا حجرا في بركة الشعر إذ تمكنوا من إزعاج المياه الراكدة في ذائقة المتلقي وبالرغم من ضعف الصوت النسوي في التجربة الحديثة لأسباب لا علاقة لها بالعملية الإبداعية بقدر ما لها من علاقة بالمكون الاجتماعي، وبالرغم من كثرة النقاد وتراجع الحركة النقدية إلا أن المبدع السعودي لا يزال يتقدم بطريقة مغايرة ومختلفة”.

عمل شاق

غربة روحية

في معرض الحديث حول تأثره بالتجارب العربية والسعودية في تشكيل وعيه الأول بالشعر يؤكد مبارك أن “تأثر الشاعر لا يقتصر على كل ما هو شعري مكتوب فحسب، بل هناك أيضا الأعمال السردية التي تدعم تجربته، والكثير من الشعراء ينهلون من العوالم السردية إضافة إلى التغذية البصرية والسمعية أكثر من الشعر باعتبار كل ذلك عالما موازيا خاصة في تعاطيه مع التفاصيل الصغيرة والمهملة، فلا يمكن تحييد وعزل شراكة الشعر عن باقي الفنون كالسينما والموسيقى والفن التشكيلي والرسم والنحت، من ثمّ يأتي الشاعر في دور ‘المكثف‘ ليختزل كل ذلك في نص قد لا يتجاوز السطر وهذا أقرب وصف للشاعر مما يجعل دوره أكثر صعوبة وتصبح كتابة القصيدة عملا إبداعيا شاقا وليس ترفيها”.

وضمن هذا السياق يرى إبراهيم أنه لا يوجد شاعر لم يتأثر بتجربة شعرية ما، أيّا كان حجمه ومستواه الإبداعي الذي وصل إليه لكنه لا يستطيع كذلك حصرها لكثرة النماذج واختلافها وتمايزاتها عن بعضها.

يقول “تأثري بالتجارب العربية كان أكثر وضوحا من تجربة الشعر السعودي رغم الالتصاق البيئي وتكويني الاجتماعي ولكن ثمة تجارب سعودية لشعراء شكلت نوعا من الوعي الخاص بالقصيدة بدءا من الشعر الكلاسيكي وانتهاء بالشعر الحديث كالشاعر والناقد محمد العلي ومحمد الثبيتي وعلي الدميني ومحمد حبيبي وإبراهيم زولي وعلي الحازمي، ولكن الأهم من التأثر بالتجارب الشعرية هو التأثر بالوعي الشعري وهذا هو الذي يصنع الشاعر ويضع تجربته على المحك وهذا باعتباره مدماك التجربة الحقيقي الذي له الدور الكبير في التحولات لدى الشاعر فلا تستطيع أن تكتب قصيدة مستوفية شروطها الفنية إذا كنت تكتب بلا وعي وهذا يعتمد على النماذج التي يرتكز عليها المبدع”.

في ختام حوارنا يقف ضيفنا متسائلا باستغراب عمّا إذا كان المثقف العربي الحالي يجهل أو يتجاهل دوره التاريخي والجدلي بدءا من المصطلح وانتهاء بالممارسة العملية وذلك من خلال مواقفه، خاصة في خضم المنعطفات الكبيرة الراهنة مكتفيا بالتنظير من برجه الذي قد ينهار به خلال أصغر حريق.

يقول إبراهيم مبارك “باعتقادي أن البحث بات مضنيا عن المثقف الحقيقي وقد اتضح ذلك عندما اختلطت أوراقه وتساقطت في وحل التخبط في ما يسمى بالربيع العربي، وعاش حالة من ‘الشيزوفرينيا‘ حينما تتضارب المصالح العامة مع المصالح الشخصية لدى بعضهم فتجد للمثقف آراء متعددة في القضية الواحدة، وبهذا تحوّل إلى مخلوق غامض وغير واضح ليس في رؤيته فقط بل وغير واضح الملامح للعيان. أضيف على ذلك أن ما أنجزه المبدع العربي في المجالات الفنية كوجهة نظر إبداعية مستقلة أيّا كان توجهها يفوق مهنية وشجاعة المثقف الذي أدّى دورا عائما ليفقد بعد ذلك من خلاله ثقة الشعوب وارتباطه الوثيق بها”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر