السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

وساطات متضاربة تعقد تسوية الأزمة الليبية

  • كلما تلوح بوادر تسوية في الفرقاء الليبيين، تظهر تعقيدات جديدة تعيد الأزمة إلى المربع الأول. مرد هذه الانتكاسات تعقيدات الداخل وتعدد القوى الخارجية الفاعلة في الأزمة، وأثر ذلك على جهود مبعوثي الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سياسية تكون منطلقا لدفع البلاد نحو الاستقرار وإنهاء الفوضى فيها. ولا يبدو أن الأمر سهل التحقق في ظل تواصل الصراع بين حكومتين إحداهما في العاصمة طرابلس (غرب)، وهي الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، المعترف بها دوليا، والأخرى في مدينة البيضاء (شرق)، وهي الحكومة المؤقتة الموالية لقائد الجيش المنبثق عن برلمان طبرق خليفة حفتر. وتدعم كل جهة أطراف دولية مختلفة وتسعى بدورها إلى تغليب الطرف الليبي الموالي لها.

العرب د. خالد حنفي علي [نُشر في 2017/09/14، العدد: 10751، ص(6)]

متفقان ولكن...

القاهرة - بين برازافيل ولندن، تتسارع جهود القوى الإقليمية والدولية لدفع الفرقاء الليبيين إلى إنفاذ اتفاق الصخيرات المتعثر منذ توقيعه في ديسمبر 2015، عبر إحداث توافق بين رئيس حكومة الوفاق فايز السراج والمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني، المسيطر على موازين القوى الميدانية في شرق البلاد وجنوبها.

لكن بات تداخل مبادرات السلام المطروحة وتعدد الجهات الإقليمية والدولية التي تدلو بدلوها في هذا المسار يعيقان التوصل إلى تسوية للأزمة ويعطلان عمل المبعوث الدولي، فكما قال غسان سلامة، أحدث مبعوث أممي يستلم الملف الليبي، “كثرة الطباخين تفسد الطبخة”، خصوصا وأن مصالح “الطباخين” ورؤاهم متضاربة في ما يتعلق بتسوية الأزمة في ليبيا.

وأكّد سلامة في لقاء مع صحيفة “لا ستامبا” الإيطالية أن السياسات المتضاربة تعرقل الجهود الرامية إلى توحيد ليبيا، وأضاف أن هناك 6 أو 7 عمليات مختلفة مطروحة أمام الليبيين في الوقت الراهن.

ذات الموقف عبّر عنه موسى فكي، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محذّرا خلال اجتماع اللجنة الأفريقية الرابعة حول ليبيا في برازافيل بالكونغو يوم 9 سبتمبر من أن تضارب أجندات وأطروحات المتدخلين يضر بتسوية الأزمة.

من هنا، جاء اقتراح عقد مؤتمرا في لندن، يحضره وزراء خارجية الإمارات ومصر وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى جانب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة.

ويدفع المؤتمر باتجاه توحيد مسارات الوساطة في يد المبعوث الأممي لتسوية الأزمة الليبية.

لكن ليس ما ذهب إليه سلامة وفكي وحده السبب في عدم التوصل إلى إقناع أطراف الصراع بتطبيق اتفاق الصخيرات أو تعديلاته المقترحة منذ أكثر من عام ونصف العام، فهناك معضلات أخرى أكثر عمقا تحد من فعالية الوساطات، سواء تعددت دون تنسيق أم أخذت مسارا أمميا موحدا.

تكمن المعضلة الأساسية في مدى قدرة جهود الوساطة في ليبيا على التوصيف الدقيق لطبيعة الأزمة، من حيث القضايا والفاعلين والمحركات في هذا البلد، ومن ثم طرح مقترحات ملائمة تلبي الحد الأدنى لاحتياجات الأطراف المتنافسة، كي لا يتحول اتفاق التسوية إلى مدخل لنشوب صراعات أخرى مستقبلية.

انطلقت مقاربة اتفاق الصخيرات، الذي مهد لحواراته المبعوث الأممي الأسبق برناردينو ليون، وأشرف على توقيعه خليفته المبعوث الأممي السابق مارتن كوبلر في تسوية الأزمة في صيف 2014، من نقطة إنهاء الانقسام بين حكومتين وبرلمانين، خلّف كل منهما ظهيرا عسكريا وحلفاء سياسيين في الشرق والغرب، ومحاولة كل حكومة اجتذاب محاور متنازعة في الجنوب.

ذهبت الجهود الأممية آنذاك إلى توحيد السلطة في ليبيا عبر توزيع مناصب ومؤسسات الدولة بين الفرقاء الليبيين وفق رؤية لم تخل من محاصصة سياسية ومناطقية.

تعقيدات الداخل وتعدد القوى العسكرية وحسابات الخارج عوامل أساسية تعوق التوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا

خلّف ذلك مشكلات مزمنة لا تزال ماثلة، منها، شلل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، واتهامات للسراج بالانفراد بالسلطة مثل قراره بتقسيم ليبيا إلى مناطق عسكرية في يونيو الماضي على أساس أن اتفاق الصخيرات أناط تلك الصلاحية بذلك المجلس مجتمعا (كقائد أعلى للقوات المسلحة) وليس منفردا لرئيسه.

تعامل اتفاق الصخيرات مع الأوضاع الأمنية الأكثر أهمية في توصيف معضلة ليبيا بسبب انتشار الميليشيات المسلحة بقدر من الغموض في الترتيبات الأمنية وربما دون إدراك لتحرك وليس ثبات موازين القوى الميدانية.

ولم يمنع إقرار مجلس النواب للاتفاق في يناير 2016، من رفضه المادة الثامنة من باب الأحكام الإضافية في الاتفاق، والتي نقلت صلاحيات المناصب الأمنية لمجلس رئاسة الوزراء. وصادرت تلك المادة على جهود الجيش الوطني الليبي في مكافحة الإرهاب في شرق ليبيا، وازداد الاتفاق تأزما مع رفض مجلس النواب منح الثقة لحكومة الوفاق التي دخلت طرابلس في مارس 2016 في حماية ميليشيات مسلحة ودعم أممي وغربي، ما خلف هوة عدم الثقة لم تسمح بأي تنفيذ لاتفاق التسوية.

فائض القوة

في الوقت الذي اتجهت فيه أطراف الأزمة الليبية إلى تكريس الأمر الواقع دون الاهتمام كثيرا بنصوص الصخيرات، بدت مشكلة “فائض القوة” لديها عائقا أمام فعالية أي وساطة، لأن الأطراف لم تصل بعد إلى حالة من الإنهاك تدفعها إلى قبول الاتفاق، حتى بما يحويه من إشكاليات.

بالتوازي مع ذلك، امتلك الجيش الوطني الليبي دعما داخليا وإقليميا لمكافحة الإرهاب أثمر إجمالا تغيير موازين القوى لصالحه في الشرق ثم الوسط (الهلال النفطي) والجنوب خلال العامين الماضيين، والتحول مؤخرا إلى الضغط العسكري على درنة، فضلا عن التهديد بدخول العاصمة طرابلس.

في المقابل، فإن هشاشة حكومة الوفاق وعدم امتلاك قوة أمنية في غربي ليبيا توازي مركزية الجيش الوطني في الشرق، دفعاها إلى الحصول على الدعم الناقص من القوى الغربية الكبرى.

بخلاف ما تحوزه حكومة السراج من اعتراف أممي، تلقت ميليشيات موالية لها “البنيان المرصوص”، دعما جويا أميركيا في معركة تطهير سرت من تنظيم الدولة الإسلامية نهاية العام الماضي، إلى جانب مساندة قوى أوروبية، خاصة إيطاليا للسراج، كجزء من تأمين مصالحها في الغاز والحد من الهجرة عبر البحر المتوسط.

اتجهت بعض القوى الغربية في وساطاتها إلى بناء توافق بين ما سماه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “الشرعيتين” السياسية (السراج) والعسكرية (حفتر) لإنفاذ الصخيرات.

وإثر اجتماع باريس بين السراج وحفتر في 25 يوليو الماضي، خرجت الأطراف الليبية بتوافق على نقاط لتسوية الأزمة؛ من أبرزها وقف إطلاق النار والمصالحة الوطنية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في العام 2018 ونزع سلاح الميليشيات.

أعطى ذلك التطور انطباعا بأن الأزمة في طريقها إلى التسوية، خاصة أن هذه المقترحات تم التوافق عليها من قبل في اجتماعات سابقة في القاهرة (فبراير ومارس الماضيين) وفي أبوظبي (مايو الماضي)، لكن الأجواء توترت بعد دخول سفينتين عسكريتين إيطاليتين في مياه طرابلس مطلع الشهر الماضي، ما دفع الجيش الوطني الليبي إلى التهديد باستهدافهما.

ضرورة اتفاق اللاعبين الدوليين قبل تفاهم الفرقاء في الداخل

هدأت الأوضاع نسبيا بعد زيارة حفتر إلى موسكو في منتصف شهر أغسطس الماضي، ثم لقائه مع وزير داخلية إيطاليا ماركو مينيتي في سبتمبر الجاري في بنغازي، لكن ذلك لم يسد الهوة وعدم الثقة بين الفرقاء الليبيين.

وكشف اجتماع برازافيل الأخير (أغسطس 2017) عن اتساعها مجددا، عندما تمسك السراج بأن مجلس النواب عرقل التسوية، لأنه لم يدرج اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري، في المقابل اتهمه عقيلة صالح رئيس المجلس بالفشل، والعمل بحكومة غير ممنوحة الثقة، والاستعانة بالميليشيات.

عكس ذلك الانقسام في طياته معضلات تفصيلية لم تنل حظها من النضوج الكافي في جهود الوساطات الأخيرة، فعلى الرغم من أن ثمة توافقا على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في العام القادم، لكن السؤال الصعب هنا: هل بالإمكان حدوث تلك الانتخابات دون إقرار الدستور أو قانون انتخابي منظم لها عبر مجلس النواب، كي يتحول ذلك المقترح إلى واقع عملي؟

تتفق الوساطات على اختلاف مستوياتها على استيعاب المشير خليفة حفتر في تعديلات الشق الأمني بالصخيرات، لكن بالمقابل لم يتم حسم كيفية حدوث ذلك: هل ستكون تبعية القائد العام للجيش الليبي لمجلس النواب الليبي، كما تفضل بعض قوى الشرق، أم سيكون ذلك المنصب تحت قيادة مدنية للسلطة التنفيذية، كما يتمسك السراج؟

عندما شدد اتفاق باريس على نزع سلاح الميليشيات ودمج المقاتلين، استند على المادة 33 من اتفاق الصخيرات التي تلزم حكومة الوفاق بتفعيل المؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الجيش مع إمكان التحاق عناصر جديدة قادرة على تعزيز قدراته. لكن المشكلة تتعلق بتعريف من هو الجيش النظامي الليبي الذي سيتم تفعيله، ويفترض أن تنطوي تحته بقية الميليشيات المسلحة، خاصة مع وجود قوى عسكرية في طرابلس ترفض قيادة حفتر للجيش الوطني الذي يعده مجلس نواب المؤسسة العسكرية الرسمية.

تغدو التفاصيل أيضا أكثر تعقيدا أمام الوساطات في قضايا أخرى، مثل الإرهاب، فظاهريا يبدو هنالك اتفاق حول مكافحة هذه الظاهرة بين السراج وحفتر، بحكم ما تنص عليه المادة الـ35 من اتفاق الصخيرات من أن الترتيبات الأمنية المؤقتة لا تقيد حكومة الوفاق في مكافحة التنظيمات الإرهابية المصنفة، وفقا لقرارات مجلس الأمن، ومن بينها: داعش، أنصار الشريعة (تم حل نفسه)، والقاعدة. اكن تثير تلك المادة معضلات حول تنظيمات دينية مسلحة تختلف أطراف ليبية حول تصنيفها إرهابية، منها: مجلس شورى درنة الذي يعده الجيش الوطني تنظيما إرهابيا.

مفسدو التسوية

تبرز خلف هذه التحديات مشكلة “مفسدو التسوية” في ليبيا، أي أولئك غير الراضين عن مخرجات هذه الجهود من مقترحات والمعرقلين لتنفيذ أي مقترح للتسوية، بسبب انقسام التحالفات الداخلية في هذا البلد. لا يزال مثلا الأعضاء الداعمون لحكومة الوفاق في مجلس النواب يقاطعون جلسات مجلس النواب، وبالمثل، فإن حكومة الإنقاذ السابقة والميليشيات الموالية لها تشكل حجر عثرة أمام حكومة الوفاق في طرابلس.

لذلك، وحتى إذا اتفقت القوى الإقليمية والدولية على توحيد مسارات الوساطة في شخص المبعوث الأممي غسان سلامة، فإن المشكلة الأخرى تتعلق بمدى قدرته على إحداث اختراق حقيقي في الداخل. صحيح أن سلامة أبدى انفتاحا تجاه أطراف الأزمة، خاصة استيعاب حفتر، بخلاف أنه يملك خلفية عن الأزمات العربية، بحكم كونه وزيرا لبنانيا سابقا، وعمل لدى الأمم المتحدة في العراق، بما يجعله أكثر حساسية وقبولا في البيئة الليبية.

العامل الأكثر حسما في بلوغ أي وساطة مبتغاها في ليبيا، فيتعلق بمدى قبول البنية المجتمعية في هذا البلد لأي اتفاق تسوية، لأن الصراع الليبي ليس مجرد نزاع فوقي سلطوي

لكن خصوصية الوضع في ليبيا تحتاج إلى امتلاك هذا الوسيط الأممي لقوة تمزج بين الحوافز والروادع لدفع الأطراف إلى قبول مقترحاته لإنفاذ الصخيرات، وهو أمر قد يلجأ فيه إلى طلب دعم وتوافق اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين بدورهم تتباين مواقفهم، ومصالحهم تجاه الأزمة، قبل توافق الفرقاء في الداخل.

أما العامل الأكثر حسما في بلوغ أي وساطة مبتغاها في ليبيا، فيتعلق بمدى قبول البنية المجتمعية في هذا البلد لأي اتفاق تسوية، لأن الصراع الليبي ليس مجرد نزاع فوقي سلطوي، لكنه بالأساس تحتي قاعدي، بسبب غلبة العوامل القبلية والمناطقية على التفاعلات السياسية، فالبنى الاجتماعية الليبية في المناطق المختلفة للبلاد واجهت أزمات حادة لم تندمل جراحها من ثأر قبلي وتهجير ونازحين وتهميش ونزاع على الموارد والهوية في مرحلة ما بعد القذافي.

لم تضع الوساطات المتعددة إطارا عاما لمجابهة تلك الأزمات المجتمعية ضمن مشروع شامل للمصالحة، وإنما ظل التعامل معها في الواقع جزئيا، كما حال اتفاق المصالحة بين مدينتي تاورغاء ومصراتة والذي لا يزال يواجه عراقيل في تنفيذه منذ توقيعه في يونيو الماضي، أو خضع لتدخلات خارجية توظف المصالحات القبلية، ضمن محاور الصراع الداخلي كما حال تدخلات قطر وإيطاليا في العامين الماضيين.

مع أن الوساطة الأممية سعت لتوسيع مسارات الحوار الليبي لتشمل الأحزاب والبلديات والمجتمع المدني والمرأة وغيرها إبان فترة برناندينو ليون، فإن ذلك كان بغرض الضغط والتحفيز، وليس إشراك تلك الفواعل ضمن قضايا وضمانات الصخيرات، وهو أمر لم يتم علاجه في مرحلة مارتن كوبلر، وإن كان البعض يعول على غسان سلامة لبناء رؤية متكاملة لتفعيل المستويات السلطوية والقاعدية للأزمة، بما يمكن من بناء قابلية مجتمعية لأي تسوية سياسية حول السلطة ومؤسساتها في ليبيا.

باحث في الشؤون الأفريقية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر