الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

مصر تحتاج إلى العرب لقيادة اليونسكو مركز ضمير العالم

  • تلقب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو بـ"ضمير العالم"، لما لها من دور محوري في ترسيخ قيم الحوار الثقافي والحفاظ على التراث العالمي. وتجري في أكتوبر القادم انتخابات اليونسكو، والتي تبدو حظوظ العرب كبيرة فيها، خاصة من خلال المرشحة المصرية مشيرة خطاب، التي نجحت في تحقيق دعم العديد من الدول، لكن يبقى من الضروري الدعم العربي للمرشحة المصرية في هذه الانتخابات لتحقيق تواجد ثقافي عالمي للعرب يمكنهم من مواجهة الظلامية والتطرف اللذين ينخران مجتمعاتهم، حيث أن هذا المنصب سيحقق للعرب والعالم مناخا ثقافيا أفضل.

العرب شريف الشافعي [نُشر في 2017/07/17، العدد: 10694، ص(15)]

فوزي هو تتويج لكل العرب

تتأجج معركة انتخابات اليونسكو “منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة” يومًا بعد يوم مع اقتراب موعد الحسم في أكتوبر المقبل، وفي ظل تزايد فرص أكثر من مرشح يبقى من الصعوبة بمكان التكهن باسم خليفة البلغارية إيرينا بوكوفا في الانتخابات التي ستجرى على مقعد المدير العام للمنظمة، بحضور أعضاء المكتب التنفيذي.

تلقي تجربة إخفاق المرشح المصري فاروق حسني في عام 2009 بظلالها على المشهد، خصوصًا في ما يتعلق بحظوظ السفيرة مشيرة خطاب، الساعية إلى تجاوز أخطاء الماضي والسياسات السابقة الفاشلة، أملًا في تتويج مصر على رأس قائمة المرشحين التسعة هذا العام، والفوز بالولاية التي تمتد لأربع سنوات يمكن بعدها الترشح لمدة ثانية وأخيرة.

تشرذم عربي

يخوض المعركة تسعة متنافسين، منهم أربعة عرب: مشيرة خطاب (مصر)، فيرا خوري لاكويه (لبنان)، صالح الحسناوي (العراق)، حمد الكواري (قطر)، بالإضافة إلى: كيان تانغ (الصين)، فام سان شاو (فيتنام)، جوان ألفونسو فونتسوريا (غواتيمالا)، بولاد بلبل أوغلو (أذربيجان).

جاء تحرك فرنسا المثير للجدل قبيل إغلاق باب الترشّح بفترة وجيزة، والدفع بوزيرة ثقافتها أودريه أزولاي ذات الأصول الأمازيغية المغربية، ليعقّد الحسابات أكثر، في ضوء ما يتردد عن علاقة أودريه بجماعات ضغط يهودية، الأمر الذي دفع مثقفين مصريين إلى توجيه بيان احتجاجي للحكومة الفرنسية لسحب ترشيح أودريه، ولم يسفر البيان عن رد بعد.

هل اللوبي اليهودي ورقة حاسمة إلى هذا الحد في معركة اليونسكو، أم “شمّاعة” لتعليق الأخطاء في حالة الإخفاق؟ يطرح السؤال نفسه بقوة في هذا التوقيت، مع تركيز الإعلام المصري على ترشيح أودريه أزولاي فقط بوصفها ابنة أندري أزولاي المغربي الأصل والوجه اللامع في الطائفة اليهودية بالمغرب، وكم من اتهامات أكيلتْ له حول علاقته باللوبي العالمي.

وفق هذا التصور، فإن الجماعات اليهودية تدعم فوز أودريه من أجل فرض الهيمنة على اليونسكو، ومنعها من اتخاذ قرارات في صالح العرب، من قبيل مناهضة الاحتلال الإسرائيلي، ومناصرة التراث العربي، وما إلى ذلك.

مجموعة من المثقفين أصدرت بيانا استنكاريا أعلنت فيه احتجاجها على ما وصفته بالخطوة الاستفزازية لترشيح فرنسا وزيرة الثقافة

يعكس هذا الطرح المقولات المجانية المشابهة التي رددها فاروق حسني وزير الثقافة المصري الأسبق ومناصروه عقب الإخفاق في الجولة الخامسة عام 2009، التي حسمت صراع اليونسكو لصالح منافسته البلغارية إيرينا بوكوفا، بعد تعادلهما في الجولة الرابعة.

فاروق حسني أرجع هزيمته في ذلك الوقت إلى أمرين، الأول عدم حصوله على السند الأفريقي اللائق “أفريقيا لم تمنحني أي صوت، فالأمر سياسي بحت”، وهذا ما تسعى المرشحة المصرية الحالية إلى تفاديه، بجولاتها الأفريقية، التي أسفرت عن نتائج ملموسة، منها تأييد الاتحاد الأفريقي. أما المبرر الثاني للهزيمة فهو الأصابع المجهولة التي تتدخل في اللحظات الحاسمة لفرض إرادتها على الجميع، ومن مقولات حسني آنذاك “المنافسة مسيّسة، الخيانة تم طبخها في نيويورك في اجتماع المجموعة الأوروبية، التلاعب غير المحترم أصاب العالم بصدمة، تكتلات غربية ضد العالم الإسلامي والعربي، إلخ”.

لم تكن مقولات حسني، على مجانيتها وعدم فعاليتها في إدارة المعركة، نابعة من فراغ أيضًا، إذ واجهت الرجل في رحلته اتهامات من منظمات يهودية، بسبب تصريح سابق له في البرلمان المصري بخصوص وجود كتب إسرائيلية بمكتبة الإسكندرية، حيث قال آنذاك “لو أن هناك كتبًا إسرائيلية في مكتبة مصرية لقمت بحرقها”. ورغم توضيحه واعتذاره، فإن التصريح تم استغلاله في الحشد ضده.

عدم اتفاق العرب على مرشح واحد يزيد أيضًا الأمور ضبابية في درب المرشحة المصرية، صاحبة الخبرات والتحركات والتربيطات، عربيًّا وأفريقيًّا وآسيويًّا، إذ يبقى في الحلبة ثلاثة عرب غيرها؛ هم: فيرا خوري لاكويه من لبنان، وصالح الحسناوي من العراق، وحمد الكواري من قطر.

اللبنانية فيرا خوري لاكويه، لها باع طويل في أروقة اليونسكو لفترة تتجاوز عشرين عامًا، وإلى جانب خبرتها الدبلوماسية، تقدم فيرا ذاتها كابنة لمنظمة اليونسكو، إذ تولت من المناصب والمهام ما يشجعها على الترشح لإدارة المنظمة.

لاكويه، أستاذة العلوم السياسية في جامعة السوربون، رأست خلال مسيرتها: الجمعية العامة الاستثنائية لحماية التراث العالمي، واجتماع الخبراء الدوليين الحكوميين للتوصية الخاصة بالمناظر الحضارية، والدورة السابعة والعشرين للجنة التراث العالمي، والوفد الخاص باللجنة الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، واللجنة الثقافية التابعة للمجموعة الفرنكوفونية باليونسكو، ومجموعة سفراء الكومنولث.

'مصر تستحق اليونسكو'، تنظم فعاليات فنية وثقافية للتعريف بأهمية فوز مصر برئاسة اليونسكو

في حين تزيد فرصة اللبنانية فيرا خوري لاكويه في المنافسة، يبدو العراقي صالح الحسناوي؛ وزير الصحة السابق وعضو لجنة الصحة والبيئة في البرلمان، أقل حظوظًا، نظرًا إلى أن الطبيب السياسي أقل إسهامًا في ميدان العمل الدبلوماسي الدولي، في القضايا التي تعنى بها اليونسكو، وإن كانت له إسهامات لافتة في حقله التخصصي كطبيب، وفي تطوير الصحة النفسية بالعراق، الأمر الذي أدى إلى تقديره من جانب منظمة الصحة العالمية، والكلية الملكية البريطانية، كما نال جائزة شنغهاي العالمية لقادة العالم المشرقين.

أما القطري حمد الكواري فتتضاءل فرصته، أو تكاد تتبدد، في ظل أزمة المقاطعة التي اتخذتها دول عربية إزاء الدوحة، والاتهامات الموجهة إلى قطر بتصدير الإرهاب ورعايته وتمويله، ولا يمكنه النجاة من المأزق القطري، كونه محسوبًا على الحكومة القطرية بسياساتها المشبوهة، خصوصًا الإعلامية من خلال فضائية “الجزيرة”، إذ شغل الكواري منصب وزير الثقافة والفنون والتراث، كما عمل وزيرًا للإعلام والثقافة.

وانطلاقًا من توصيف الكواري بـ”بوق الحكومة القطرية” أعلنت دول خليجية، منها السعودية والإمارات والبحرين، صراحة دعمها للمرشحة المصرية، ورفضها مساندة أي امتداد قطري في المنظمات والهيئات الدولية.

خارج مربع التنافس العربي ليست الفرنسية اليهودية أودريه أزولاي وحدها القادرة على منافسة المصرية مشيرة خطاب، إذ تعلو بقوة كذلك أسهم الصيني كيان تانغ الذي شغل مناصب مرموقة باليونسكو، منها المدير العام المساعد للتربية، كما يبقى متمسكًا بحظوظه بدرجة أقل كل من:

فام سان شاو من فيتنام، وجوان ألفونسو فونتسوريا من غواتيمالا، وبولاد بلبل أوغلو من أذربيجان.

الصيني كيان تانغ، تدعمه في معركة اليونسكو خبراته السابقة في مجالات تعزيز السلام والتنمية البشرية المستدامة وتحسين جودة التعليم والرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة ومحو الأمية لدى الكبار والمساواة بين الجنسين، على وجه الخصوص، وقد جرى تعيينه مديرًا عامًّا مساعدًا للتربية في 2010، وتقلد مناصب رفيعة المستوى باليونسكو، وأخرى في بلاده، في مجالات التربية والتعليم والعلوم والتكنولوجيا.

حملات مصرية

وسط هذه الأجواء الملتهبة، والخطوط المتشابكة، ينطلق رهان الحكومة المصرية على مرشحتها من معطيات شخصية تخص الدكتورة مشيرة خطاب، خبيرة الاقتصاد والعلوم السياسية والعمل الدبلوماسي، وناشطة حقوق الإنسان، ووزيرة الدولة للأسرة والسكان السابقة، وثاني سيدة تتولى منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية، والسفيرة السابقة في تشيكوسلوفاكيا وجنوب أفريقيا.

الاتجاه العالمي إلى تقليد النساء النابهات مناصب قيادية في المؤسسات والمنظمات الدولية يدعم ترشيح مشيرة خطاب كذلك، كونها من العربيات القليلات اللاتي حققن نجاحات في مجالات مختلفة تعنى بها اليونسكو، مثل العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والسكان، والتعليم، ومجابهة العنصرية والتمييز والاتجار بالبشر والعنف ضد المرأة، وغيرها.

الاتجاه العالمي إلى تقليد النساء النابهات مناصب قيادية في المؤسسات والمنظمات الدولية يدعم ترشيح مشيرة خطاب كونها من العربيات القليلات اللاتي حققن نجاحات في مجالات مختلفة تعنى بها اليونسكو

تدرك خطاب مقوماتها الفردية والعملية، وتعي مقدرات بلدها المقترن منذ فجر التاريخ بالحضارة المشعة والثقل الثقافي، ومن ثم تقدم ذاتها منذ الخطوة الأولى على طريق اليونسكو بوصفها مرشحة الدولة المصرية وليست مرشحة الحكومة فقط، وترى أن تغيرات العالم تفرض أن يكون الهدف الأساسي لليونسكو هو بناء السلام لدى البشرية من خلال التعليم والثقافة، للوصول إلى نبذ التطرف ونشر السماحة وتحرير الأفكار.

“مصر تستحق اليونسكو”، حملة أطلقها متطوعون من المثقفين والسياسيين والسفراء والشخصيات العامة، لدعم مشيرة خطاب عربيًّا وأفريقيًّا وعالميًّا ضمن تلك التوجهات والمحددات التي انطلقت منها المرشحة.

“التحركات تبدو إيجابية، والأمور تسير إلى الأفضل”، هكذا يرى محمد الصناديلي المتحدث باسم الحملة في بيان حصلت “العرب” عليه، مشيرًا إلى ما وصفه بـ”نجاح لقاء مشيرة خطاب منذ فترة قريبة مع مندوبي الدول الأعضاء في اليونسكو”.

وفق البيان، فإن من ملامح ذلك التفوق المصري في المنافسة “اتفاق دول الاتحاد الأفريقي على ترشيح السفيرة مشيرة خطاب، بالإضافة إلى عدد من الدول العربية، منها السعودية والإمارات والبحرين والسودان”.

وفي حين تدعو حملة “مصر تستحق اليونسكو” إلى محاولة الاتفاق على مرشح عربي واحد من بين المتنافسين العرب، بغية أن يسفر ذلك عن اختيار مشيرة خطاب، فإن الواقع يؤكد تمسك كل دولة بمرشحها حتى هذه اللحظة.

ويمكن ملاحظة حالة من النشاط للمرشحة المصرية وداعميها خلال الأسابيع القليلة الماضية، آخرها الجولة الآسيوية لخطاب في ماليزيا وبنغلاديش وغيرهما في يوليو الجاري، وقبلها جولات أفريقية وعربية، تمخضت عن حصولها على تأييد دول عدة، أبرزها المجر وصربيا بالإضافة إلى الإمارات والبحرين والسعودية والسودان ودول الاتحاد الأفريقي وغيرها من الدول التي أعلنت تأييدها لخطاب في بيانات رسمية.

ويعمل المجلس الاستشاري لحملة السفيرة مشيرة خطاب، برئاسة السفير محمد العرابي وزير الخارجية المصري الأسبق، على انتزاع تأييد المزيد من الدول، وفي هذا الإطار يقوم أعضاء المجلس، ومنهم الكاتب محمد سلماوي أمين عام اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، والعالم الأثري زاهي حواس، وآخرون، بجهود وجولات خارجية متلاحقة، آخرها جولة زاهي حواس في أميركا اللاتينية خلال يوليو الجاري، حيث التقى رئيس بيرو وغيرها من الدول.

العراقي صالح الحسناوي يبدو أقل حظوظًا، نظرًا إلى أن الطبيب السياسي أقل إسهامًا في ميدان العمل الدبلوماسي الدولي، في القضايا التي تعنى بها اليونسكو

بيان احتجاجي دون رد

بعنوان “بيان من المثقفين العرب إلى الرئيس المنتخب إيمانويل ماكرون حول ترشح فرنسا لليونسكو”، أصدرت مجموعة من المثقفين بيانًا استنكاريًّا أعلنت فيه احتجاجها على ما وصفته بالخطوة الاستفزازية من الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند بترشيحه وزيرة الثقافة أودريه أزولاي لليونسكو. ودعا الموقعون، وعلى رأسهم الكاتب محمد سلماوي الذي سلم البيان للسفير الفرنسي بالقاهرة، الرئيس ماكرون وحكومته إلى سحب المرشحة الفرنسية.

واستند الموقعون في مطلبهم إلى أن فرنسا لم تحترم المتفق عليه دوليًّا بشأن عدم استئثار دولة واحدة برئاسة أكثر من منظمة دولية كبرى في الوقت نفسه، ضمانًا لتكافؤ الفرص، وتحقيقًا للتداول الديمقراطي.

وفي حين اهتمت بعض وسائل الإعلام الفرنسية بنشر البيان لم يصدر أي رد فرنسي رسمي عليه، الأمر الذي يطرح تساؤلًا عن كونه مجرد بيان لتوضيح الموقف وإبراء الذمة، أم إجراء قد يقود لاحقًا إلى تغييرات عملية على أرض المنافسة؟

وقال محمد الصناديلي، المتحدث باسم حملة “مصر تستحق اليونسكو”، لـ”العرب”: “حملتنا تدعم بيان المثقفين الاحتجاجي، إزاء الخرق الفرنسي الواضح لمبدأ تكافؤ الفرص، بما قد يهدد فرصة مرشحة مصر في الفوز بالمنصب”.

وذكر الصناديلي أن بيان المثقفين هو خطوة لدعم فرصة مصر في الفوز، بخاصة بعد تأييد الاتحاد الأفريقي وبعض دول الخليج العربي لمصر وتضاؤل فرصة المرشح القطري في المنافسة، إذ صارت المرشحة المصرية الآن “أكثر المرشحين عن المنطقة العربية ودول الشرق الأوسط توافقًا”، على حد قوله.

وانطلاقًا من أن الأعراف تقتضي تداول المناصب الدولية طبقًا للتوزيع الجغرافي العالمي، دعا الصناديلي باريس إلى التراجع عن قرار الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند بترشيح وزيرة الثقافة الفرنسية لليونسكو.

وأعلنت حملة “مصر تستحق اليونسكو”، تنظيمها عددًا من الفعاليات الفنية والثقافية خلال الأسابيع المقبلة للتعريف بأهمية فوز مصر برئاسة اليونسكو، وذلك بمشاركة فنانين ومثقفين ومهتمين.

وأوضح الصناديلي لـ”العرب” أنه جارٍ حاليًّا التنسيق مع وزارات الثقافة والسياحة والآثار وهيئة الاستعلامات والهيئة الوطنية للإعلام لدعم هذه الفعاليات في عدد من مدن ومحافظات مصر، بخاصة المحافظات التي توجد فيها الآثار المصرية بكثافة، بهدف “حشد تأييد شعبي للمعركة المصيرية، ولكي يشعر العالم بأنها قضية مهمة وحيوية، وأن مصر لديها رغبة حقيقية في قيادة مركز ضمير العالم، والحفاظ على ميراث الإنسانية”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر