الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الرقيب السياسي يدفع الروائي إلى الاحتماء بالماضي

  • قضى الكاتب العماني يونس الأخزمي فترات من حياته في المناطق الصحراوية المطلّة على بحر العرب، الأمر الذي ساهم في تشكيل مخيلته ولغته الأدبية الحاضرة بقوة في روايته الأخيرة “برّ الحكمان” الصادرة مؤخراً عن دار سؤال في لبنان، والتي تقف على صراع الإنسان أمام قوى الطبيعة وصراع الإرادة أمام حتمية التغيّر. “العرب” توقفت معه في حوار حول روايته وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2017/06/19، العدد: 10668، ص(15)]

الكتابة أكبر من مجرد التوثيق

تأتي رواية “بر الحكمان- ثلاثية بحر العرب” للكاتب العماني يونس الأخزمي بعد رواية “الصوت” عام 2012، وبعد أربع مجموعات قصصية: “النذير” 1992، ثم “حبس النورس” 1996، ثم “حمّى آيار” 1999، وأخيراً “نقوش” 2007. ويعكف حالياً على بعض المراجعات النهائية لمشاريع سردية قادمة، فبين يديه رواية “كهف آدم”، بالإضافة إلى الجزء الثاني من “ثلاثية بحر العرب”.

بدو على البحر

تعود أحداث “برّ الحكمان”، وهي الجزء الأول من ثلاثية بحر العرب، إلى القرن الماضي، حيث تدور أحداثها في “المنطقة الوسطى” في بلدة محوت العمانية. وعن اختيار هذا الزمن وهذه المنطقة يحدثنا ضيفنا قائلا “دوافع الكتابة عن تلك المنطقة كثيرة، فبالكاد أتذكر أنني قرأت عملا أدبيا تجري أحداثه في تلك المنطقة الفريدة من نوعها، حيث تلتقي الصحراء بالبحر، وحيث تلثم سفينة الصحراء مياه البحر وتعبر على متن نظيرتها، العبارة، من شط إلى آخر، وحيث وجود حياة تتسم بالصعوبة البالغة لبشر قرروا، مخيّرين وليسوا مجبرين، تحدي قسوة البحر الهائج، ووحشية الرمال. تلك حياة يصعب تصورها ويصعب تخيّل لماذا قرر البدوي الذي يعشق الترحال في الأصل أن يحارب ويجابه كل ما حوله من ظروف تستطيع أن تقضي عليه في لحظة”.

دخول عناصر حديثة على حياة البدوي يجعله خائفا مما قد تجلبه حياة {التمدن} من ويلات وكوارث لم يكن يدركها

ويتابع الأحزمي “من واقع عملي في بدايات التسعينات من القرن المنقضي وأيضا في السنوات الخمس الأولى من القرن الحالي كانت لي زيارات عديدة إلى المنطقة، قضيت فيها ليالي طويلة. عشت هناك وتعرفت من خلالها على الكثير من العادات الجميلة. لكن فكرة الكتابة عن المنطقة لم تواتني إلا وأنا في العام 1999. فبدأت الكتابة في الجزء الذي سيكون الثاني من الثلاثية، لكن لاعتبارات معيّنة عدتُ لأكتب الجزء الأول “برّ الحكمان” في عام 2012، ثم توقفت لأسباب لها علاقة بضغوطات العمل لأعاود الكتابة منذ 2014 ولتستمر كتابة برّ الحكمان نحو عامين. وبكل تأكيد استفدت من كل ما هو مكتوب وموثق وشفهي عن المنطقة”.

وبحسب الأخزمي فإنه لن يكون لبلدة مبخوت ولا لأولاده وجود في الأجزاء القادمة من الثلاثية، بل سيكون الجزء الثاني تطورا للأحداث المتلازمة مع خلع تلك القرى عباءة الحياة البدوية القديمة ودخولها ببطء نحو حياة أكثر تطورا من النواحي المدنية والعمرانية هي الحاضرة. وعن ذلك يقول الأخزمي “ستسلط الضوء على دخول عناصر حديثة على حياة البدوي تجعله خائفا مما قد تجلبه حياة ‘التمدن’ من ويلات وكوارث لم يكن يدركها. إذن الأحداث ستتطور وستغزو الصحراء وحياة سكانها أمور جديدة لم يألفوها من قبل ستجبرهم على التصادم معها أحيانا أو القبول بها في أحيانٍ أخرى.

الثلاثية في جزئها الثالث، على سبيل المثال، ستستشرف شكل المستقبل، وما ستكون عليه الصحراء وسكانها بعد كل موجات التطوّر العمراني الهائل التي تشهدها المنطقة. قبل ثلاثين عاماً لم أكن أنا ولا غيري نتصور أن تنبت وسط تلك الصحراء مدينة حديثة بكتلها الخرسانية العالية والهائلة عند أطراف البحر، بينما لا تزال القرى الصغيرة تسكن على بعد أمتار منها. عليك أن تتخيّل بنايات مكونة من عشرات الطوابق وفنادق وأندية ليلية وعمّالا آسيويين في جانب، وفي الجانب الآخر راعية تهشّ على غنمها وبدويا يستخرج المياه من بئر وحيدة في الوادي ويرفع رأسه غير قادر على استيعاب ما يحدث قدّامه”.

تكشف خاتمة الرواية عن الرغبة في الخروج من عباءة الأب. ورغم أن هذا الخروج ارتداد ماضوي لا ينسجم مع طبيعة تقدّم ونمو الحياة وتطورها الحتمي إلا أن الماضي المتمثّل في “مبخوت” كان أكثر حداثة من الحاضر المتمثّل في ابنه “سليّم”. هذه الخاتمة المفتوحة جعلتني أسأل ضيفي عن ذلك، ليجيب قائلا “قد يكون ذلك صحيحاً من وجهة نظر ما ولكن الأمر في الرواية ليس كذلك، فهو ليس خروجاً عن عباءة الأب بقدر ما هو انكشاف لهشاشة عظام المدن التي تبني قوتها وتستمدها من الرجل الواحد القوي المهاب، القائد، الذي يمتلك من الصفات ما يمكنه من أن يقود بلدته إلى ما يريد من واقع ثقله وقدراته الشخصية والمادية. لكن ذلك سيتداعى حتماً إن لم يجد من يستطيع أن يحمل اللواء بعده ممن هو بمثل صفاته”.

ثلاثية بحر العرب

يُعدّ يونس الأخزمي أحد روّاد الكتابة السردية في سلطنة عُمان وهو عضو مؤسس لجمعية الكتاب والأُدباء، ورئيس سابق لأسرة كتّاب القصة في عُمان. ورغم شعوره بمسؤوليته الثقافية حيال الذاكرة الشفهية العائمة إلا أنه يرى أن الكتابة أكبر من مجرد التوثيق المتعارف عليه، فهناك –حسب قراءته- كتب بحثية عديدة تناولت حياة البدوي من عدّة جوانب. لكنه يجزم بأنه لم يُكتب عن تفاصيل حياة البدوي.

يقودنا الحديث إلى مفهوم “الزمن الواقعي” وكيف أنه ربما لم يعد كاشفاً لهذا يرتد الروائي لسبر أغوار الماضي هرباً من الرقيب السياسي المهيمن على مفاصل حرية التعبير. لكن الأخزمي يشدد على أنه لم يكن يهرب، بل هي رواية تستلهم الكثير من التاريخ والعلوم المختلفة. ربما احتوت على بعض الإسقاطات التي لها طابع ربما يصفه البعض بـ”السياسي” ولكن حتماً لا يخلو أي عمل أدبي من ذلك.

من هو المثقف؟

على المستوى الشخصي يؤكد ضيفنا أن في الكتابة الأدبية والفنية لا يزال يكتب ما يريد وينشر ما يريد. يقول “في السابق نشرت حتى في الصحف الرسمية نصوصاً جريئة إلى حدٍ كبير، ولم يسألني أحد عدا الأصدقاء ‘كيف تجرأت على نشر مثل تلك القصة؟‘، من يقرأ قصة ‘قدّام باب الوالي‘ يعرف ما الذي أحكيه هنا. لكنّ هناك أمورا لا تخصني، وفي الواقع لا تشغلني بتاتا، وقد لا أفهمها. العظيم نجيب محفوظ لا أذكر له أن تطاول على الديانات أو على الذات الإلهية مثلا. فما هو الإبداع وأين هي حرية التعبير في ذلك؟ أما انتقاد حكومة أو وزرائها أو ما شابه ذلك فعندنا في عمان حدّث ولا حرج، فحتى الرضيع ينتقد”.

ويتابع في الشأن نفسه “ثمة أمر مهم أيضاً، من هو المثقف؟ أنا أعتبر نفسي مثقفاً إلى حد ما لأسباب عديدة، منها لأني قرأت الكثير من الكتب العلمية والأدبية والإنسانية، ولأني اشتغلت وتدرجت في وظيفتي، وكافحت، وكنت أحد ممثلي الحكومة في عام 2011 أمام الباحثين عن عمل وناقل لطلباتهم ورغباتهم. مررت بلحظات صعبة تعلمت منها الكثير. لأني ربّ أسرة أجلس مع أولادي، أستمع لهم وأقرأ معهم وأناقشهم نقاشا مفتوحا. لأني سافرت كثيرا والتقيت بأطياف كثيرة من البشر والأدمغة ليسوا بالضرورة أدباء أو كتابا. التقيت بعلماء لهم أسماؤهم وحضورهم في شتى أصناف العلوم. لأني مستمع جيد ومؤمن بالنقد والتغيير. لأني أعشق الموسيقى وأتلذذ بالطرب والجمل الموسيقية الرائعة. لأني أركب البحر وأصيد الأسماك. لأني أمارس الرياضة باستمرار وألعب كرة القدم. لهذه الأمور ولأمور أخرى يطول الحديث عنها أصفُ نفسي بأني مثقف، أجيد التعامل مع الحياة وظروفها ومستجداتها. أن تقرأ وتكتب ولا تنعجن بالحياة ولا تعيش تفاصيلها كأي إنسان عادي لا يحق لك أن تصف نفسك مثقفا”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر