الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

رؤية تاريخية إسبانية محايدة حول مسلمي غرناطة

كتاب 'مسلمو مملكة غرناطة' يعد أحد المراجع الهامة التي تتناول فترة سقوط غرناطة، حرص مؤلفه خوليو كارو باروخا على التزام الحياد عند الحديث عن التفاصيل.

العرب  [نُشر في 2017/06/19، العدد: 10668، ص(15)]

مأساة المسلمين في الأندلس بعد سقوطها

القاهرة- حظيت الدراسات الموريسكية باهتمام خاص في العالمين الإسلامي والغربي، نظرًا إلى ارتباطها بمأساة المسلمين في الأندلس بعد سقوطها، وما شهده التاريخ العلمي والفكري والإنساني من تدمير.

وفي هذا السياق، صدر عن المركز القومي المصري للترجمة كتاب “مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492”، لعالم الاجتماع الإسباني خوليو كارو باروخا، وهو من ترجمة جمال عبدالرحمن.

وتأتي أهمية هذا الكتاب من كونه يعد سبّاقا في مجال الدراسات الموريسكية، ومن حرص مؤلفه على التزام الحياد فيه عند الحديث عن التفاصيل الخاصة بسقوط مملكة غرناطة، أهم ممالك المسلمين في الأندلس، وما عاناه سكانها المسلمون آنذاك من تطهير عرقي وديني.

وبحسب الناشر، يمثل هذا الكتاب أحد المراجع التي لا غنى عنها في تاريخ الأندلس بعد سنة 1492، التي شهدت سقوط غرناطة الإسلامية، حيث يتعرض المؤلف لقضية تراث غرناطة الإسلامي، رغم رحيل المسلمين عنها طوعا أو كرها، ويؤكد -تفنيدًا لرأي من ينفي تلك الصلة- أن التراث الإسلامي لم يفارق غرناطة أبدًا، فالوثائق تبين عودة

الكثيرين من أهل غرناطة إلى بيوتهم بعد طردهم منها.

وينقسم الكتاب إلى أربعة مباحث هي: سقوط غرناطة ومعاهدة التسليم، وسياسة الاضطهاد بعد سقوط غرناطة وبداية المقاومة، واستمرار الاضطهاد بعد عهد الملكين الكاثوليكيين، والمقاومة السلبية والتشبث بالعقيدة والثقافة العربية الإسلامية.

ويقول المترجم إن باروخا ألّف هذا الكتاب في وقت لم تكن فيه الدراسات الموريسكية قد حظيت بالاهتمام الذي تحظى به الآن، ما جعله أحد الرواد في هذا المجال، وأن الكثير من الباحثين ساروا على نهجه، إذ يندر أن نجد بحثا عن الموريسكيين يخلو من إشارة إلى كتاب باروخا.

ويضيف أن المؤلف لا يسعى إلى معالجة مشكلة مسلمي الأندلس في مجملها، وإنما يكتفي بدراسة ما حل بأهل غرناطة في إسبانيا قبيل غزو مملكتهم الإسلامية وبعده، ثم ما تعرضوا له في منفاهم الإجباري، ورغم ذلك فإن معظم ما ذكره المؤلف ينطبق على مسلمي الأقاليم الأخرى في إسبانيا، إذ يتمسك المسلمون بدينهم ويبذلون الغالي والنفيس في الذود عنه، ويتحايلون في سبيل استمرار ممارستهم لشعائر الإسلام.

ويشير إلى أن باروخا يحاول في مقدمة الكتاب الاقتراب من مصطلح “نقاء الدم” حتى يمكن للقارئ أن يفهم بعدًا جديدًا للمشكلة الموريسكية، فالموريسكي -حتى لو أصبح مسيحيًا مخلصًا- سيظل ابنا لسلالة غير مسيحية، وبالتالي “غير نقي الدم”، أي سيظل في وضع “أقل شأنًا” في نظر المسيحيين القدامى.

كما يتوقف الكتاب عند قضية التراث الإسلامي لغرناطة رغم رحيل المسلمين عنها، فانتماء التراث الغرناطي بشكل أو بآخر إلى الحضارة العربية الإسلامية كان أمرًا لا يقبل الجدل حتى وقت قريب، لكن هناك من حاول تبسيط المسألة وزعم أن أهل غرناطة المسلمين قد تم ترحيلهم إلى مناطق إسبانية أخرى وتم استبدالهم بمواطنين من الشمال الإسباني.

الكاتب ركز على جانب لم يهتم به أحد، وهو جانب العلاقات الطيبة التي ربطت بين مسلمين ومسيحيين في إسبانيا حتى بعد سقوط غرناطة

ويلفت المترجم إلى أن باروخا يؤكد في هذا الكتاب المرة تلو المرة، أن الأمر لم يكن بهذه البساطة، وأن التراث الإسلامي لم يفارق غرناطة أبدا. ويستدل باروخا على ذلك بالتشابه الواضح بين عادات أهل غرناطة وأهل المغرب العربي في المأكل والملبس والمعاملات والزخرفة.

ويبين المترجم أن المؤلف يشير إلى خطأ المؤرخين الإسبان القدامى، ويذكر أن الظروف السياسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت تحول دون أن يكتب المؤرخون بموضوعية؛ إذ يشير باروخا إلى أن المؤرخين الإسبان قد حذفوا من مذكرة نونييث مولاي كل العبارات التي تهاجم الكنيسة.

ويلفت المترجم النظر إلى أن المؤلف حاول الربط بين الواقع الاجتماعي في شمال أفريقيا ووضع الموريسكيين في إسبانيا. فإذا كان فهم قضية مسلمي غرناطة ضروريّا لفهم تاريخ إسبانيا بكل أبعاده، فإن دراسة “الآخر”، أي المسلم المغاربي، تعد وسيلة ضرورية لفهم تاريخ الموريسكيين، وبالتالي لفهم التاريخ الإسباني بشكل موضوعي.

ويشير إلى أن باروخا ركز على جانب لم يهتم به أحد، وهو جانب العلاقات الطيبة التي ربطت بين مسلمين ومسيحيين في إسبانيا حتى بعد سقوط غرناطة، وكيف أن هذه العلاقات كان لها أثر في تخفيف وطأة الحياة عن المسلمين الذين كانوا يتعرضون لملاحقة محاكم التفتيش، ويستشهد بالرسالة التي بعث بها موريسكي من الجزائر إلى صديق مسيحي في إسبانيا.

ويشرح خوليو كارباروخا في كتابه، كيف أن الطابع الأندلسي يبرز واضحًا على مستوى المعمار في مدن “الأطلسي” وقراه والمناطق الجبلية بالمغرب، وكذلك على مستوى صناعة الملابس والحلي والثياب وصناعة الخزف والزراعة وغيرها.

ويضيف أن الرحالة الذين يأسفون على طرد الموريسكيين يجدون الكثير من الآثار الموريسكية في كل مكان، الأمر الذي يجعلنا نتكلم عن “أسطورة موريسكية” في الأندلس تنتشر بين الناس إلى درجة توغلها في أوساط الشعب.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر