الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

حزب الاستقلال المغربي: كرونولجيا خسارة سباق الأمانة العامة

المؤتمر السابع عشر لحزب الاستقلال والنقاشات والصراعات التي عرفها قد أثار جدلا واسعا داخل المشهد السياسي المغربي تجاوز موضوع الحزب والخلافات التي عرفها، إلى طرح مشاكل العمل الحزبي المغربي من زاوية استقلاليته ومصداقيته ومستقبله.

العرب حسن السوسي [نُشر في 2017/10/10، العدد: 10777، ص(9)]

انتهى الشوط الأخير من المؤتمر السابع عشر لحزب الاستقلال المغربي مساء السبت السابع من أكتوبر الجاري، بالإعلان عن نتائج السباق الانتخابي حول أمانته العامة، حيث فاز نزار بركة على حميد شباط بأغلبية ساحقة، ليتم بذلك طي صفحة ولاية هذا الأخير بشكل نهائي، بعد أن كان الطموح قد راوده ربما في التجديد له لولاية ثانية من خمسة أعوام.

وفي الواقع، لم تترك النتائج النهائية للتصويت أمام حميد شباط أي هامش مقبول للطعن فيها، رغم أن هذا هو ما كان يعول عليه عندما رفض الاستجابة لمناشدات عدد كبير من قيادات حزب الاستقلال للانسحاب من السباق حول الأمانة العامة.

وقد كان واضحا أن تخلي عدد من القيادات عن دعمه في الشهور الأولى قبل انعقاد المؤتمر، قد حسم في طبيعة النتائج النهائية، وهذا ما دفع بالعديد من الملاحظين إلى اعتبار موقف الأمين العام السابق نوعا من المغامرة الخطيرة، بل ونوعا من الانتحار السياسي.

وبالفعل فإن عدم حصوله إلا على 234 صوتا مقابل حصول نزار بركة على 924 صوتا، يؤكد أن هزيمة شباط في هذا الاستحقاق هزيمة مطلقة، وبالتالي فإن كل محاولة لإعادتها إلى ما كان يعتبره شباط الجهة المتحكمة أو التي ترغب في التحكم في الأحزاب وتقويض استقلالها التنظيمي والسياسي، لن تجد في هذه النتائج ما يدعمها، إلا إذا اعتبر أن كل هذه الأغلبية الساحقة من أعضاء المجلس الوطني الذين صوتوا للأمين العام الجديد تأتمر بأوامر تلك الجهة التي ما فتئ شباط يتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية للحزب.

وهذا عين العبث في تحليل نتائج لا تقبل التأويل، علاوة على كونه طعنا في مصداقية أغلبية أعضاء برلمان الحزب الذين شاركوا في عملية انتخاب الأمين العام السبت الماضي.

فليس هناك مهرب إذن من استخلاص العبر الضرورية من طبيعة السلوك الذي نهجه حميد شباط في فترة قيادته لحزب الاستقلال، حيث راكم من الأخطاء السياسية ما لم يعد ممكنا التعايش معه بالنسبة للأغلبية الساحقة للحزب التي اكتشفت أن الأمين العام السابق قد انخرط في تكتيكات فاشلة وخاصة عندما انسحب من حكومة عبدالإله بن كيران لينخرط في تحالفات لم يلبث أن انقلب عليها بعد ما عاين احتفاظ حزب العدالة والتنمية على مرتبة الحزب الأول في الانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر من العام الماضي.

لقد رأى الكثيرون في هذه المواقف المتقلبة دون مبرر موضوعي أن شباط حول كل سياساته على رأس الحزب إلى سياسات تخدم أجندته الخاصة متمثلة في محاولة الاحتفاظ بأمانة الحزب العامة بأي طريقة كانت وأن أجندة الحزب التي كان ينبغي أن تكون لها الأولوية قد تراجعت إلى الخلف تماما.

ويمكن اعتبار النتيجة الهزيلة التي كانت من نصيب شباط في انتخابات الأمانة العامة نوعا من العقاب السياسي الحزبي للرجل الذي شغل الساحة السياسية المغربية بخرجاته الإعلامية والسياسية غير الموفقة في نظر مختلف خصومه قبل أن يكرسها المؤتمر الحزبي الذي أبعده عن منصب الأمين العام.

والملاحظ أن انعقاد المؤتمر السابع عشر لحزب الاستقلال المغربي، والنقاشات والصراعات التي عرفها قد أثار جدلا واسعا داخل المشهد السياسي المغربي تجاوز موضوع الحزب والخلافات التي عرفها، إلى طرح مشاكل العمل الحزبي المغربي برمته، من زاوية استقلاليته أو مصداقيته أو مستقبله.

ورغم أن مثل هذا الجدل قد أثير من قبل بمناسبة عقد المؤتمر العاشر للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وقبل ذلك، فإن ما ميزه بخصوص مؤتمر حزب الاستقلال هو مناخه العام والأسئلة الكبرى التي ظلت تخيم عليه، لا سيما بعـد خطاب العرش الأخير الذي انتقد فيه الملك المغربي محمد السادس واقع العمل السياسي الحزبي على هامش إثارة موضوع الإدارة العمومية والاختلالات التي تعرفها على مختلف المستويات.

ذلك أن الخطاب الملكي قد فرض عددا من التأويلات غير المتقاربة لدى عدد من قيادات الأحزاب السياسية التي تبحث فيه كل منها عن كل ما يعزز موقفها السلبي من القيادة المتنفذة، ومحـاولة إخراجها من دائرة القرار التنظيمي بدعوى أن الخطاب الملكي موجه إليها أساسا، بل وحصرا، دون غيرها، وبالتالي، فما عليها إلا استخلاص العبر وفسح المجال أمام قيادات جديدة تعيد إلى العمل الحزبي حيويته إنقاذا للسياسة التي عرفت تراجعا كبيرا داخل مختلف الأوساط الاجتماعية، وخاصة داخل فئة الشباب التي هجرت العمل السياسي بشكل يثير القلق حول مستقبل فكرة الانتماء والالتزام على هذا المستوى.

وعلى هذا الأساس، تمحور الجدل المرافق لانعقاد المؤتمر الأخير لحزب الاستقلال حول طبيعة القيادة أولا، واستقلالية القرار الحزبي ثانيا، وطبيعة البرنامج وإن بشكل محتشم ثالثا.

وليس ليغير من هذا الأمر انزلاق الجدل السياسي إلى نوع من الصراع بين الأشخاص، ومحاولة تصفية الحسابات بينهم.

وقد كان هناك ما يشبه إجماعا حول تشخيص يفيد أن واقع حزب الاستقلال الراهن هو واقع أزمة، وكل أزمة هي، بأحد المعاني، مفترق طرق بين التطور الضروري الذي يواجه صعوبات كثيرة، وبين التراجع والتقهقر الذي يكفي لتدشينه مجرد اتخاذ اختيار خاطئ في مجال الاختيار السياسي كما في مجال الزعامات.

ولعل ما ذهب إليه الأستاذ محمد الخليفة، أحد قادة حزب الاستقلال التاريخيين، من أن الحزب ليس في مفترق طرق في الواقع، بل هو في فترة الموت يكشف عن طبيعة الأزمة الحالية التي لا تعود بالنسبة إليه إلى الأحداث الأخيرة، وإنما إلى فترة اختيار حميد شباط أمينا عاما للحزب من قبل الجهة التي تريد اليوم الاستغناء عنه وتعيين نزار بركة على رأس حزب الاستقلال، وهما معا وجهان لعملة واحدة كما قال محمد الخليفة في آخر مقابلة له مع “الأيام”.

غير أن مثل هذه التصريحات أصبحت العملة الرائجة لدى الكثير من السياسيين المغاربة، ولدى بعض المحللين الذين لديهم مواقف سلبية من أحزاب الحركة الوطنية تارة، ومن بعض الشخصيـات القيادية فيها تارة أخرى.

ونظرا لسياق إطلاق مثل هذه التصريحات فإنه ينبغي النظر إليها بالنسبية الضرورية التي يقتضيها الموقف، خاصة أن هناك من لم يتوقف يوما عن الحديث عن الموت البطيء، أو الوشيك، لأحزاب الحركة الوطنية المغربية منذ السبعينات من القرن الماضي دون أن تموت، حتى وإن وجب الاعتراف أنها أصبحت ضعيفة بشكل ملموس، بموازاة تراجع الاهتمام العام بالعمل السياسي في المغرب وخارجه، كما هو واقع في مختلف أنحاء العالم.

ومهما يكن من أمر فإن ما لا شك فيه أن لجوء حميـد شباط إلى استخدام لغة الضحية تارة، ولغة التبجح بأنه الوحيد الحريص على استقلالية حزب الاستقلال، بل والهجوم السياسي المنظم على كل من يعارض سياساته داخل وخارج الحزب تارة أخرى، لم يكن منتجا على صعيد استقطاب أغلبيـة الاستقلاليين خاصة عندما ركز دعايته في التعرض إلى خصومه بأنهم ليسوا غير أدوات تم تسخيرها للسيطرة على الحزب. والحال، أن عددا من منتقدي قيادة حميد شباط لحزب الاستقلال المغربي يعتبرون أنفسهم أحرص ما يكونون على الدفاع عن الحزب، غير أنهم يجدون أنفسهم محشورين ضمن خانـة أعداء الحزب تارة، ومسخرين من قبل هؤلاء تـارة أخرى.

وهـذا أسلوب رأى فيه الكثيرون إشارات قوية إلى فقدان الأمين العام المرشح لولاية ثانية التوازن الضروري لتحمل المسؤولية، الأمر الذي رجح كفة نزار بركة في هذا الاستحقاق الانتخابي الهام بالنسبة لمستقبل حزب الاستقلال.

فهل أحسن الاستقلاليون اتخاذ القرار؟ المهم هو أنهم قد اختاروا وأمامهم ولاية كاملة لتقييم طبيعة هذا الاختيار.

كاتب مغربي

حسن السوسي

:: مقالات أخرى لـ حسن السوسي

حسن السوسي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر