الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

أحمد نجيب الشابي: تحالف النهضة والنداء فشل

  • لم تكن عودة السياسي والحقوقي التونسي أحمد نجيب الشابي إلى الحياة السياسية بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، إحياء لحلم الشابي بمنصب الرئيس الذي لم يفز به إلى حد الآن، كما تم الترويج له، بل رغبة في مواصلة دربه في عالم السياسة وفق ما اختبره من المزاجين المحلي والإقليمي المتغير منذ سنوات نضاله ضد حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ودفاعه عن ضحايا القمع والاستبداد، كما في سنوات الستينات من القرن الماضي إبان تأسيسه أولى خلايا حزب البعث القومي. وسبق عودة الشابي مراجعة لمشواره السياسي ليتوجها مؤخرا بإطلاقه مبادرة “الحركة الديمقراطية”. وفي لقاء مع “العرب” يقدم الشابي رؤية الحركة معبرا عن أمله في أن تكون بديلا يعيد الثقة للناخب التونسي الذي ينتفض في الشارع غضبا على الغلاء، ويحمّل التحالف بين حركتي النهضة والنداء مسؤولية تدهور الأوضاع وما قاده إليه من جمود المشهد السياسي، نافيا تحالفه مع الإسلاميين وأكّد على اختصار العلاقة السابقة بهم ضمن دوره كحقوقي الذي فرض عليه الدفاع عن جميع شرائح المجتمع قبل ثورة 14 يناير 2011، ثم تحولت العلاقة إلى منافسة حزبية بعد الثورة.

العرب آمنة جبران [نُشر في 2018/01/13، العدد: 10868، ص(6)]

مسيرة سياسية مكتظة بالتعرجات

تونس - تأتي الذكرى الثامنة لثورة 14 يناير 2011 في تونس على وقع أصوات المحتجين الرافضين لإصلاحات الحكومة القاسية للدفع بعجلة الاقتصاد من خلال الترفيع في الأسعار ومضاعفة غلاء المعيشة.

ذكّرت الاحتجاجات وما رافقها من أحداث شغب وتخريب وانتشار أمني وعسكري بجميع المحافظات التونسيين بما جرى قبل ثماني سنوات، بطريقة دفعت البعض إلى التساؤل عما إذا كانت البلاد ستعيش انتفاضة ثانية وإسقاطا آخر للنظام، خصوصا وأن هناك من المعارضة من دعا إلى ذلك، أم أن الأمر تنفيس طبيعي من التونسيين الذين انتفضوا من أجل غلاء المعيشة والبطالة المرتفعة والفساد المستشري فما كان إلا أن تضاعف كل ذلك خلال السنوات الماضية.

يبدو خيار إسقاط الدولة مرة أخرى بعيدا عن الواقع، فيما تميل كفة المشهد السياسي الراهن نحو تراجع موقع الأغلبية الذي تمثله حركتا النهضة والنداء أمام تعزيز حضور الأحزاب المعارضة.

ويميل السياسي والحقوقي التونسي أحمد نجيب الشابي نحو هذه الكفة، مجسدا ذلك من خلال عودته إلى المشهد، بعد غياب ثلاث سنوات، بمبادرة سياسية جديدة، هي خلاصة مراجعة دقيقة لخياراته السياسية السابقة.

واعتبر في لقاء مع “العرب” التحالف بين حركتي النهضة والنداء هو المسؤول تدهور الأوضاع، نافيا تحالفه مع الإسلاميين وأكّد على اختصار العلاقة السابقة بهم ضمن دوره كحقوقي الذي فرض عليه الدفاع عن جميع شرائح المجتمع قبل ثورة 14 يناير 2011، ثم تحولت العلاقة إلى منافسة حزبية بعد الثورة.

كان الشابي من بين السياسيين التونسيين الممضين على الميثاق الوطني سنة 1988. لكنه أعلن سنة 1991 القطيعة مع نظام بن علي معارضا للنهج الأمني في معالجة القضايا السياسية.

وترشّح في 2004 و2009 للانتخابات الرئاسية لكنّ ترشّحاته كانت تواجه بتعديلات دستوريّة تقصيه. ساهم في تأسيس هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات التي وحّدت المعارضة التونسية على قاعدة الدفاع عن الحريات السياسية لجميع التونسيين.

ويرتبط اسم أحمد نجيب الشابي بحزب التجمع الاشتراكي التقدمي، الذي شارك في تأسيسه إثر الانتخابات التشريعية سنة 1981. وحصل الحزب على التأشيرة سنة 1988. وفي سنة 2006، ترك منصب الأمانة العامة للحزب لمية الجريبي. وظل الشابي حاضرا في معترك المشهد السياسي كأحد أبرز أصوات المعارضة في تونس.

وتصدر المظاهرات خلال أحداث 14 يناير 2011، وشارك في انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011، لكن النتائج الضعيفة التي حققها الحزب كانت مفاجِئة له وللتونسيين.

وسنة 2012، اندمج الحزب الديمقراطي التقدمي مع مجموعة أخرى من الأحزاب هي حزب آفاق تونس وحزب الإرادة، وحزب الكرامة، وحركة بلادي، وحزب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعديد من المستقلين، تحت راية الحزب الجمهوري.

انضمّ الشابي إلى أوّل حكومة بعد الثورة واختار تولّي مهمّة وزير التنمية المحلّيّة. وشارك في انتخابات الرئاسة سنة 2014، ويتوقع أن يكون له حضور في انتخابات 2018، خصوصا بعد أن أعلن عودته رسميا إلى المشهد السياسي من خلال مبادرة “الحركة الديمقراطية”.

وعن الأسس التي انبثقت من خلالها مبادرته الجديدة، الحركة الديمقراطية، يقول الشابي لـ”العرب” إنها ذات الأسس التي سار عليها في الماضي فهي حركة وسطية ديمقراطية واجتماعية ووطنية.

على الحكومة التونسية أن تتحمل مسؤوليتها ومراجعة خياراتها الخاطئة وأن تتوخى مع الأطراف السياسية والاجتماعية سياسة الحوار والبحث عن حلول للأزمة الراهنة

المعارضة والمظاهرات

شهدت تونس خلال الأيام الماضية حركات احتجاجية واحتقانا شعبيا كبيرا، كاد يتوسع بشكل خطير لكن هدأت وتيرته منذ ليلة الخميس بشكل نسبي وسط ترقب ما يمكن أن يحدث يوم الأحد 14 يناير.

ويعتبر الشابي أن تلك الاحتجاجات كانت متوقعة وأسبابها كامنة في الواقع التونسي. ومن شأن هذه الاحتجاجات أن تعزز جانبا من القوى السياسية وتضعف الجانب الآخر، وبالتحديد تضعف الجانب الحكومي وتقوي الشق المعارض، لكن المهم حسب الشابي أن “تتصرف قوى المعارضة بحكمة ومسؤولية وألا تكون عنصرا لإشعال النار”.

في المقابل دعا الشابي الحكومة إلى “أن تتحمل مسؤوليتها ومراجعة خياراتها الخاطئة وأن تتوخى مع الأطراف السياسية والاجتماعية سياسة الحوار والبحث عن حلول”.

يعتقد متابعون أن عودة الشابي إلى المشهد السياسي ستعيد التوازن لصالح المعارضة بعد أن تفرّدت بها توليفة الحكم الحالية. ويوضح الشابي دوافع انقطاع نشاطه السياسي بقوله “فعلا اخترت أن أعلق نشاطي السياسي خلال السنوات الثلاث التي تلت انتخابات 2014 وكان ذلك للتأمل من ناحية ولإعطاء فرصة لمن اختارهم الشعب عبر صناديق الاقتراع ليظهروا ما هم قادرون عليه لتنفيذ وعودهم تجاه الناخبين”.

وفند ما راج عن انسحابه من الحياة السياسية بعد خسارته سباق الرئاسة عام 2014 قائلا “لم انسحب من الحياة السياسية بل تدخلت في مناسبتين الأولى في نوفمبر 2015 من خلال رسالة مفتوحة لفت فيها نظر الرئيس الباجي قايد السبسي إلى أن تونس تسير في الطريق الخطأ والثانية في مايو 2017 من خلال رسالة مفتوحة ثانية اعتبرت فيها أن حكومة الشاهد باتت في حكم المنتهي وطلبت منه اتخاذ الإجراءات الضرورية لتصحيح المسار”.

لكن، “بقيت هذه التحذيرات دون مفعول ما جعل تونس تتوغل في الطريق الخطأ ومن تجلياتها ما نعيشه اليوم من ثورة شبابية على كامل التراب الوطني في الذكرى السابعة لثورة يناير 2011، تذكرنا بما كنا شاهدناه من اضطرابات ليلة الثورة”.

في معرض رده على حقيقة تحالفه السابق مع حركة النهضة، أكد الشابي أنه “لم يكن لي أي تحالف مع النهضة منذ قيام الثورة أي منذ سبع سنوات بل إن المنافسة والمعارضة هما عنوان العلاقة بيننا”.

وتابع “كانت المنافسة بمناسبة انتخابات 2011 ثم كانت المعارضة لحكم النهضة منذ ذلك التاريخ وحتى خروجها من الحكم نهاية يناير 2014”.

وأشار إلى أنه “منذ انتخابات خريف عام 2014 أبرمت النهضة تحالفا مع حركة النداء عادت من خلاله إلى الحكم وهو التحالف الذي فشل في إدارة شؤون البلاد وتسبب في كل التدهور الذي تعرفه تونس والذي من نتائجه وتجلياته الاضطرابات التي نعيش على وقعها اليوم في كل مدن البلاد”.

أما بخصوص علاقته بحركة النهضة في إطار حركة 18 أكتوبر 2005، فيقول “كانت تلك حركة حقوقية ضمت جميع الطيف السياسي التونسي من أقصى اليسار إلى اليمين مرورا بالقوى الوسطية التي أنتمي إليها وكانت حركة تقتصر مطالبها على الحريات: حرية التعبير والصحافة، حرية التنظيم، وإخلاء السجون من المعتقلين من خلال قانون العفو العام. وتلاشت هذه الحركة سنتين قبل الثورة في مايو 2008 ولم تتحول إلى تحالف سياسي”.

ولا يعتقد الشابي أن هناك تغييرا في علاقة النداء بالنهضة بعد إعلان النداء فك ارتباطه بحليفته في الحكم بل يرى في الأمر “مناورة، لأن حركة نداء تونس لم يعد بإمكانها الحكم دون مساندة النهضة ولا يمكن لأي قانون أن يمر في مجلس النواب وخاصة القوانين التي تبادر بها حركة النداء دون الحصول على تأييد كتلة النهضة”.

ويتابع “علاقة النداء والنهضة الجوهرية هي علاقة تقاسم السلطة والنفوذ وليست علاقة تحالف، هذه حقيقة العلاقة القائمة بينهما وهذا هو سبب الأزمة بالبلاد”. ويؤكد أن “المنظومة القائمة على تحالف النهضة والنداء فشلت وقد استوفت الجزء الأعظم من عهدتها”، مستندا في هذا الحكم على “توجهات حركة النهضة وتقييم أدائها في الحكم على مدى السنوات السبع الماضية”.

على قوى المعارضة أن تتصرف بمسؤولية وألا تكون من مشعلي النار

تغير الخارطة السياسية

يعتقد متابعون للشأن التونسي أن من شأن مخاصمة حركة النهضة سياسيا وإزاحتها من الحكم، كما دعا الشابي في أحدث تصريحات صحافية له، أن تهدد المسار الانتقالي السلمي بالبلاد والتجربة الديمقراطية التي تحظى باحترام وبإشادة دوليَّيْن.

لكن الشابي يفند هذه التوقعات قائلا “لا يمكن أن تهدد الديمقراطية السلم، كان من المفروض أن تكون النهضة اليوم في صف المعارضة، غير أنه جرى عكس ذلك وتحالف الباجي قايد السبسي معها عنوان الجمود السياسي في تونس اليوم”.

ويضيف “عودة النهضة من خلال صناديق الاقتراع إلى موقع المعارضة هي جزء من الحياة الديمقراطية وهي مسألة صحية بمعنى أن حركة النهضة اختبرت في الماضي علاقة القوة مع السلطة واستخلصت نتائج بأن ذلك لا يمكن أن يكون إلا مدمرا بالنسبة إليها”.

ويؤكد أنه “لا يخشى إطلاقا أن تكون النهضة في موقع المعارضة لأنها تدرك أن الخروج عن الوسائل السلمية والوسائل الديمقراطية ستدفع ثمنه غاليا”. ويتابع “هكذا هي الحياة الديمقراطية الصحية وهي التي أعمل من أجلها لذلك أتمنى أن تعطي الانتخابات القادمة الأغلبية لقوة التغيير الديمقراطي الاجتماعي”.

وبحسب الشابي فإن “تغير الخارطة السياسية في اتجاه ظهور أغلبية ديمقراطية واجتماعية وسطية تحكم تونس وأن تتموقع النهضة كقوة محافظة في صف المعارضة فهذا لا يهدد الاستقرار بل سيكون عنوانا للتقدم”.

ويردف قائلا “سيستفيق الشعب التونسي في خريف 2018 على حقيقة أنه دخل سنة الانتخابات وهي سنة المحاسبة على أساس الأداء الذي تم في السنوات الماضية. نحن الآن دخلنا مرحلة التغيير وعلى التونسيين أن يتهيأوا لإحداث التغيير والمبادرة التي أطلقتها وهي الحركة الديمقراطية التي تهدف إلى المشاركة من موقع متقدم في بناء قوة التغيير”.

ويعلق على فحوى مبادرته الجديدة قائلا “نحن نراهن على كسب ثقة الناخب التونسي، والثابت أننا لم نشارك في الأخطاء التي أحدثت ردة الفعل الحالية بل كنا دائما في موقع نقد واعتراض على هذه الأخطاء بشكل علني معروف”.

وتابع “نحن أيادينا بيضاء ومواقفنا السياسية ثابتة وكل ما قلناه أكدته الأحداث، وهذا رصيد ثقة ننطلق به في مبادرة الحركة الديمقراطية وخرجنا برؤية نعتقد أنها تحمل عناصر خلاص البلاد من أزمتها”.

أكبر عقبة في وجه السياسيين اليوم هي حالة الإحباط التي ينتج عنها عزوف الناخب عن المشاركة في الحياة السياسية وهذا الإحباط مرده أزمة الثقة في القيادات

ويرى أن “أكبر عقبة في وجه السياسيين اليوم هي حالة الإحباط التي ينتج عنها عزوف الناخب عن المشاركة في الحياة السياسية وهذا الإحباط مرده أزمة الثقة في القيادات”. ويشير إلى أن “كسر حالة الإحباط وإعادة ثقة التونسيين في السياسيين هما رهان الحركة”.

ويتطرق الشابي إلى هزيمته في انتخابات عام 2014 وإلى ما راج عن هوسه باعتلاء كرسي الرئاسة قائلا “أود أن استحضر التاريخ وأذكر أني كنت في مقدمة المقاومين للاستبداد ولم يكن هناك أدنى أمل ظاهر في أنه بإمكاننا أن نهزم الاستبداد وكانت هزيمته مفاجئة لنا كتونسيين كما تفاجأ العالم بأسره بثورة يناير 2011”.

ويتابع “لذلك أفق النضال من أجل الحرية لم يكن مرتبطا بالوصول إلى منصب الرئاسة، وكنت ترشحت مرتين عام 2004 و2009 في مواجهة مع الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وكان الترشح في إطار الأعمال الاحتجاجية التي كنا نقوم بها ضد النظام، لم نكن نعتقد أن هناك آليات ديمقراطية تتيح لنا الوصول إلى الرئاسة”.

ويقول الشابي إن “انتخابات 2014 كانت محسومة مسبقا لصالح السبسي حيث كان مقنعا منذ الوهلة الأولى بمبادرته حركة النداء”.

ويضيف “لسنا ضد أن يصل أي تونسي إلى الحكم، لكن ما ساءني هو أن تقوم حملة الرئاسة على المناورة وإخفاء الحقائق والحقيقة ليست تخليص التونسيين من حكم النهضة، وإنما هي إعادتها إلى الشباك بعد أن أخرجها التونسيون من الباب”.

وختم بقوله “الرئاسة حق من حقوق كل التونسيين وأتمنى أن يكون الأكفأ على رأس الدولة في المرحلة القادمة، والكفاءة تشترط نظافة اليد والمقدرة السياسية، لأنه ما أساء إلى التونسيين في هذه المرحلة هو شكهم في نظافة يد السياسيين من جهة وفشلهم وعدم مقدرتهم على إدارة الشأن العام وبالتالي المرحلة هي مرحلة اختيار ونتمنى أن يقع اختيار الأفضل”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر