الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

من يدفع نحو إسقاط الحكومة وخلق فراغ أمني وسياسي في تونس

  • المتطلع إلى “ثورة” شعبية أخرى في تونس على غرار ما حدث عشية 14 يناير 2011 إما حالم، وسيبقى كذلك، وإما هو لا يعرف تونس والتونسيين أساسا. وليس مرد ذلك أن التونسيين فشلوا في انتفاضتهم أو أنهم يئسوا من التغيير، بل لأنهم يضعون مصلحة البلاد أولا، ولأنهم يعلمون أن ما ساعد على سقوط النظام يوم 14 يناير لم يعد موجودا وأن هناك أخطارا تحدق بهم ودواعش على الحدود مع ليبيا يترصّدون أي فوضى ليدخلوا إلى البلاد. ثار التونسيون ضد الفساد لكن الفساد تضاعف، ثاروا ضد الغلاء لكن الوضع ازداد سوءا، طالبوا بالعمل لكن نسبة البطالة إلى ارتفاع، ويضاف إلى ذلك كله التهديد الإرهابي وثقافات جديدة طرأت على المجتمع وحرية تحولت إلى فوضى. لقد كشف فايسبوك، وسيلة التواصل الاجتماعي الأشهر في تونس، والذي كان فاعلا رئيسيا خلال أحداث 14 يناير، أن أغلب التونسيين اليوم أكثر وعيا من نخبتهم السياسية، وهم يدعون إلى التهدئة ويؤكدون أن الاضطرابات التي تشهدها بعض المناطق والمحافظات “الساخنة، على خلفية الترفيع في أسعار بعض المواد، ليست سوى مزاد فتح بين الأحزاب والقوى السياسية استعدادا للانتخابات البلدية، الأمر الذي يضر بالبلاد والتونسيين ويعيق التقدم نحو مرحلة الاستقرار وتحسين الاقتصاد وما لذلك من مردود إيجابي على حياة التونسيين، وهو ولئن حصل فإن ذلك يعني “موت” تلك الطبقة السياسية المستفيدة من استمرار حالة التأزم.

العرب مختار الدبابي [نُشر في 2018/01/10، العدد: 10865، ص(6)]

من حق المواطن أن يعبر عن رأيه ومن واجب الأمن أن يحميه ويحمي البلاد في آن

تونس – لا يختلف التونسيون بمن في ذلك الرئيس الباجي قائد السبسي على أن الزيادات الأخيرة في الأسعار تضع البلاد في وضع صعب، لكن ما يختلفون فيه هو الاحتجاج على هذا الوضع.

التحالف الحكومي بشقيه؛ حركة النهضة ونداء تونس، يدفع نحو التهدئة واعتبار تلك الزيادات قدرا مقضيا في وضع صعب هو نتيجة سبع سنوات من الثورة التي ارتبطت في الواقع بفوضى سياسية واقتصادية وإنتاجية أفضت إلى انسداد الأفق.

ربما يسعى التحالف الحاكم إلى تبرئة نفسه بتعميم الأزمة وتحميل المسؤولية أمن أن الطبقة السياسية، تحالفا ومعارضة، كانت مشغولة بالمناكفة وتسجيل النقاط بما في ذلك خلال حديثها عن الأزمة الاقتصادية المتشابكة والمعقدة.

لا بد أن نعترف بأن الأزمة الحالية هي نتاج لتجربة سبع سنوات من تنزيل أفكار وبرامج نخبة مغتربة عن الواقع كانت قبل الثورة على الهامش إما كمعارضة راديكالية، وإما كمعارضة وسطية، وإما من الذين كانوا يمثلون طابورا احتياطيا لمنظومة الحكم السابقة خاصة من الإدارة، والذين حالت الظروف وشبكة العلاقات دونهم والصعود إلى الواجهة.

فقد وجد هؤلاء جميعا الطريق معبدة أمامهم إلى السلطة، هكذا بشكل مفاجئ بعد أن استمرؤوا الوقوف على الربوة واكتفوا لعقود بإصدار بيانات التنديد بسلوكيات النظام السابق وسجله في حقوق الإنسان، وكانت نصوصهم، على محدوديتها، تحرص على خلق بديل افتراضي غارق في الكتب القديمة.

وبالنتيجة، فإن الطبقة السياسية الجديدة التجأت إلى الإدارة وسلمتها مقاليد المؤسسات المختلفة، وتركت الحرية الكاملة أمامها لتعالج الأزمات الهيكلية المتراكمة منذ الثمانينات. واكتفى السياسيون بتوظيف أنصارهم وأقاربهم وإضافة أعباء مالية كبرى على إدارة مغرقة في الفساد.

وما يظهر في الصورة أن حركة النهضة أغرقت الإدارة بأنصارها من بوابة العفو التشريعي العام، أو من بوابة التعيينات خلال فترة حكم الترويكا (2012 /2013)، لكن ما يتضح أكثر أن الحكومات المتعاقبة، وتحت ضغط الشعبوية والرغبة في كسب ثقة الشارع عمدت إلى توظيف عشرات الآلاف في الإدارة، كما أقرت زيادات في الأجور وترقيات وعلاوات لفائدة القطاعات ذات النفوذ مثل قوات الأمن أو قطاعات التعليم والمالية، وبضغط من الاتحاد العام التونسي للشغل.

من الواضح أن مجموعات صغيرة استمرأت لعبة الهروب إلى الأمام، والدعوة إلى خلط الأوراق، على أمل أن تكون الناجي الوحيد ما بعد الفوضى

إن ما يجري الآن من احتجاجات على رفع الأسعار بشكل متسارع دون مراعاة المقدرة الشرائية للمواطنين سواء من الفئات الفقيرة والمهمشة، أو من الطبقة الوسطى ذاتها التي يمكن تصنيفها ضمن طبقة محدودي الدخل، يعود بالأساس إلى عملية استنزاف ممنهجة لميزانية الدولة وحرف اهتمامها من توفير مناخ إيجابي للاستثمار يساهم في خلق مواطن شغل جدية لفائدة طبقة من الفقراء والعاطلين عن العمل تضخم حجمها منذ 2011، وخاصة بين خريجي الجامعات، إلى مهمة وحيدة، وهي إرضاء طلبات القطاعات النافذة والتي تتصدرها نقابات قطاعية لا تهتم سوى بمراكمة المكاسب والاستفادة من ضعف الحكومة أيما استفادة.

أعتقد أن مختلف الأطراف ساهمت بشكل أو بآخر في استضعاف الدولة وإجبارها على الاستدانة من كل اتجاه لنيل رضا القطاعات النافذة، وللمفارقة أن هذه اللوبيات بدأت تتمرد على من وقفوا إلى جانبها وضخموا أدوارها مثل ما يجري حاليا بين اتحاد الشغل والنقابات المحلية لقطاع المالية.

ولا بد من الإشارة إلى أن الدولة التي تم استضعافها ودفعها دفعا إلى أحضان المؤسسات المالية الدولية، لم تكن لتنفذ برنامج الإصلاح الهيكلي المؤجل تنفيذه من 1986 وما قبلها، لو لم تتول الطبقة السياسية الجديدة بمختلف مسمياتها خلق المناخ الملائم للمديونية، وهو موقف سيحسب ضدها خاصة أن الرئيس السابق زين العابدين بن علي رفض تنفيذ أوامر صندوق النقد الدولي حول الإصلاح الهيكلي بشكل كامل، وعمد إلى تنفيذ جزئي على مراحل متباعدة.

ويقول الكثير من التونسيين إن الطبقة الجديدة، لا تمتلك أي رؤية أو مقاربة خارج دائرة المعارك الكلامية، وإنها سلمت البلاد للفساد بشكل ممنهج، وبعض قياداتها، موالاة ومعارضة، صاروا وكلاء لقوى نافذة في دائرة الفساد، وأنهم حصلوا مقابل التسهيل لأنشطتها على امتيازات وعلاوات كبيرة لهم ولعائلاتهم.

وليس هناك من شك في أن الاحتجاجات الحالية لا تقف عند التظاهر ضد قانون المالية الجديد الذي يقر زيادات في الأسعار لمواد حيوية، وإنما هي احتجاجات على نتاج تجربة سياسية تفرز أزمات اقتصادية متراكمة، وتوصد باب الأمل في الخروج من نفق المديونية وارتهان الاقتصاد التونسي للقروض الخارجية بالرغم من أن الأحزاب، يمنيها ويسارها، كانت خلال سنوات المعارضة وفي السنوات الأولى لما بعد الثورة، تعد بالدفع نحو فك هذا الارتباط.

والسؤال التي يطرح بقوة هنا: ما الذي يدفع أحزابا شريكة في منظومة ما بعد الثورة إلى الاحتجاج والدعوة إلى إسقاط الحكومة، وفتح البلاد على المجهول؟

ومن الواضح أن مجموعات صغيرة استمرأت لعبة الهروب إلى الأمام، والدعوة إلى خلط الأوراق، على أمل أن تكون الناجي الوحيد ما بعد الفوضى. لكن الاحتجاجات الليلية، التي ترتبط دائما بالسعي لاستهداف قوات الأمن وجرها إلى مربع رد الفعل، ما قد يتسبب في سقوط قتلى وجرحى واعتقال العشرات، تقود البلاد إلى وضع لا أحد يمكن أن يتنبأ به خاصة في ضوء تقارير رسمية عن تحفز تنظيمات متشددة لاستغلال الفرصة للدفع نحو مواجهة جديدة مع الدولة بعد أن خسرت معاركها الأخيرة معها.

من الواضح أن مجموعات صغيرة استمرأت لعبة الهروب إلى الأمام، والدعوة إلى خلط الأوراق، على أمل أن تكون الناجي الوحيد ما بعد الفوضى

ورغم الانتقال الديمقراطي والدعوات إلى بناء أمن جمهوري يرتبط بالدولة وليس بالأفراد، ما تزال بعض الأحزاب تعامل رجال الأمن على أنهم أعداء افتراضيين، وهو ما يفسر الاستهداف الممنهج ضدهم خلال المسيرات. فقد ذكر الناطق الرسمي باسم الأمن الوطني العميد وليد حكيمة أن “11 عنصرا من الأمن أصيبوا برشق الحجارة والمقذوفات وقنابل المولوتوف فيما تضررت أربع آليات للشرطة” خلال الصدامات الليلية.

ربما يسعى حزب العمال التونسي بزعامة حمة الهمامي إلى الدفع باتجاه احتجاجات جديدة تحسن وضعه كحزب خسر حظوظه سابقا في أن يكون شريكا مؤثرا في السلطة، ويعيد رص صفوفه بسبب خلافات حول تقييم وضع الجبهة الشعبية. والأمر نفسه ينطبق على الرئيس الانتقالي السابق منصف المرزوقي الذي ينتظم أنصار حزبه في الاحتجاجات كونه المستفيد الأبرز من فشل التحالف الحاكم الحالي، وخاصة من جمهور النهضة الغاضب على التنازلات التي قدمها راشد الغنوشي ورفاقه منذ 2014 وإلى الآن.

وأيا كانت حسابات الهمامي والمرزوقي وغيرهما من الغاضبين على تحالف النهضة والنداء فإن الرغبة في إسقاط الحكومة عن طريق مظاهرات ليلية في مناطق متعددة من تونس وبشكل متزامن ستعني آليا فتح الباب أمام فوضى أمنية واسعة لا تقدر عليها ليس الحكومة فقط، ولكن السلطات الأمنية التي كابدت لسنوات لأجل السيطرة على الوضع الأمني والحد من تحركات المجموعات الإرهابية التي كانت تعمد دائما إلى تنفيذ عملياتها بالليل.

إن أسلوب المفاجأة والصدمة الذي تم اعتماده لخلق مناخ أمني معقد أفضى إلى الإطاحة بنظام بن علي لا يمكن إعادة استنساخه في هذه اللحظة لأن الوضع مختلف بشكل كامل. ذلك أن احتجاجات 2010 و2011 التي دفعت بن علي إلى الهروب تم فيها استنزاف قوات الأمن عبر تحركات مشروعة لمتظاهرين مطالبين بالحق في الشغل، وعبر تحركات فجئية مربكة لعصابات متخصصة في السرقة والخطف والحرق.

ولا يمكن الزعم بأن الحديث عن تحركات إرهابية في هذه الفترة هدفه التخويف والتخوين والمطالبة بوقف الاحتجاجات المشروعة، فهناك تقارير دولية متعددة وتصريحات لخبراء عن انتقال الدواعش الذين تم طردهم من سوريا والعراق إلى ليبيا، وأن شمال أفريقيا سيكون فضاء لأنشطة هذه الجماعات، وأن تونس، الخاصرة الرخوة بعد ليبيا، قد تشهد مواجهة جديدة مع هؤلاء.

ولم يكن صدفة أن يتحول وزير الداخلية التونسي لطفي إبراهيم إلى الجزائر، وبعد عودته يتجه رئيس الحكومة يوسف الشاهد لزيارة مقار أمنية تراقب الحدود مع ليبيا والجزائر. فهل من المنطقي أن يترك الشاهد الاحتجاجات في المدن ويذهب في زيارة إلى أقصى نقطة في جنوب البلاد لو لم تكن هناك دواع أمنية عاجلة؟

تحتاج الأحزاب التي تشترك في بناء الديمقراطية، وتسجل مواقفها بصوت عال في البرلمان، وتحصل على أعلى نسبة مشاركة في وسائل الإعلام المملوك للدولة، إلى أن تلتزم بالحفاظ على هذه الديمقراطية التي فتحت أمامها أبواب التواصل مع الناس، وأن تتحرك تحت سقفها، وأن تتظاهر بشكل علني بدل خيار السرية الذي عاشت فيه لعقود.

فمن يمكنه أن يتحمل نتيجة هذه الدعوات المطالبة بإسقاط الحكومة التي جاءت بها الانتخابات، وخلق فراغ أمني وسياسي يجعل البلاد في يد المجهول؟

ولا شك أن المخاوف من الانسياق نحو المجهول تدفع الحكومة، ومن ورائها النداء والنهضة، إلى مراجعة أكيدة وسريعة لخيار الزيادة في الأسعار والتفكير في بدائل أكثر عملية لتحصيل موارد جديدة للدولة وعدم تحميل الفئات محدود الدخل فشل خيارات المنظومة السياسية ككل.

كاتب من تونس

مختار الدبابي

:: مقالات أخرى لـ مختار الدبابي

مختار الدبابي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر