الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

أزمة تونس في طبقتها السياسية

  • كشفت حالة التوتر السياسي والاجتماعي التي تعيشها تونس بسبب جدل قانون موازنة 2018، عن غياب الوعي لدى الطبقة السياسية في البلاد بضرورات المرحلة الاقتصادية الحرجة التي تمر بها تونس والتي تتطلب وفق حكومة يوسف الشاهد إصلاحات فورية وموجعة، كما كشفت تطورات المشهد السياسي عن بحث الأحزاب عن إعادة تموضع مع اقتراب الاستحقاق المحلي سعيا لكسب تأييد شعبي وبينت أن الرغبة في الحفاظ على المكاسب جعل الطبقة السياسية تقع في شعبوية عمياء تجلت في إعلانها التنصل من الإجراءات الحكومية الأخيرة.

العرب منور مليتي [نُشر في 2018/01/09، العدد: 10864، ص(7)]

الطبقة العامة من الشعب تُحركها المشاعر أكثر من الوعي

تونس - عندما سقط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي قبل ثماني سنوات، إثر انتفاضة شعبية لم يكن أحد يتوقع أنها قادرة فعلا على إنهاء علاقتها بنظام تعوّدت على ممارساته على مدى أكثر من عشرين سنة.

وعندما سقط النظام يوم 14 يناير، كان ذلك إنجازا تاريخيا، تطلّع بعهده التونسيون إلى حياة وردية في دولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بمفهومها السفسطائي الذي تصدره النظريات الغربية دون مراعاة الفوارق الكثيرة بين دولة وأخرى ودون تحذيرات مسبقة من أن هذه الديمقراطية يمكن أن تكون كأسا مسموما.

قطع التونسيون بعد 14 يناير 2011 شوطا هاما في مسار تحقيق "حلمهم" لكن انقطعت بهم الطريق واصطدمت الأحلام بواقع هشاشة القوى السياسية التي كانت آخر المتظاهرين وأول المستفيدين. اليوم، وبعد ثماني سنوات، تحققت بعض المطالب خصوصا تلك المتعلقة بحرية التعبير أساسا، وهي حرية وصلت في بعض الأحيان إلى حد الإفراط وانقلبت إلى ضد.

وفي المقابل، مازال هناك طريق طويل أمام المرحلة الانتقالية كما أن البلد الصغير يواجه عددا من التحديات التي يحذّر مراقبون من أنها قد تتطور إلى الأسوأ، مشيرين إلى أن تراجع التهديدات الإرهابية في سنة 2017، لا يعني أن البلد لم يعد هشّا والتأييد الشعبي لحملة الفساد التي أطلقها رئيس الحكومة في ذات السنة، لا تعني أن البلاد اجتازت مرحلة الظرف الأكثر خطورة في المرحلة الانتقالية، والدليل تبيّنه تصرفات الطبقة السياسية، الحاكمة والمعارضة.

خلال السنوات الماضية فشلت الطبقة السياسية التونسية في صناعة اتجاهات رأي عام واع بأن التجربة التونسية على تعقيداتها وأزماتها تعد تجربة متفردة بالمنطقة.

الطبقة السياسية التونسية تفشل في صناعة اتجاهات رأي عام واع بأن التجربة التونسية على تعقيداتها تعد تجربة متفردة في المنطقة

ويؤكد أخصائيون في العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي، تابعوا عن كثب تطورات الوضع في تونس منذ 14 يناير 2011، على أن أزمة “ربيع” تونس تكمن في غياب الوعي السياسي لدى الطبقة السياسية وغياب ثقافة قادرة على تفهّم الأوضاع العامة وتعقيداتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية حالت دون التوصل لا فقط إلى تحسس الحلول وإنما حال أيضا دون مساندة للحكومة.

ويقول عبدالفتاح الهمامي، أستاذ علم الاستراتيجيات بالجامعة التونسية، إن “الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها تونس ليست أزمة حكومة وإنما هي أزمة هيكلية عامة لم يقع التعامل معها بوعي سياسي عميق”.

ويعتقد الهمامي أن “خطر الأزمة يكمن في أنها تتغذى من طبقة سياسية تعصف بها حالة من الهشاشة العامة والوهن والاستخفاف وحتى الانتهازية”، مشيرا إلى أنها “الطبقة السياسية انزلقت في الشعبوية وتفتقد لرؤية استراتيجية وطنية تراعي ندرة الثروات والإمكانيات المحدودة للبلاد".

عرقلة الحكومة

لا تترك الأطراف السياسية مناسبة أو فرصة إلا وتسعى لاستغلالها، ويساعد الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إلى حد بعيد في شيطنة الكثير من الأحداث وتضخيمها أو تحويل وجهتها وفق ما يخدم مصلحة هذا الطرف السياسي أو ذلك، خصوصا عندما يرتبط بمناسبة انتخابية.

وفي مثال على ذلك مشروع موازنة 2018، فمنذ إعلان الحكومة عن تفاصيل الموزانة، وجدت الطبقة السياسية بشقيها الموالي والمعارض الطرح الاقتصادي المثير للجدل مع إعلان الزيادة في بعض المواد الاستهلاكية بداية العام الجديد، الفرصة سانحة لإعادة تموضع تتسق مع ضرورات الموعد الانتخابي المحلي في مايو القادم.

يوسف الشاهد ممتعض من أحزاب تدعمه سرا وتبطن له سياسة لي الذراع

وأجبرت حكومة يوسف الشاهد على إجراء إصلاحات لإنعاش الاقتصاد المنهك كانت نالت ثقة الكتل البرلمانية غير أنه بمجرد الترفيع في الأسعار لتحسين مداخيل الدولة وإنقاذ القطاع العام من الإفلاس، سارعت الأحزاب إلى النفخ في الاحتجاجات الاجتماعية مطالبة الحكومة بالتراجع عن هكذا إجراء.

وسارعت الأحزاب المعارضة وحتى المشاركة في الحكم والتي منحت كتلها البرلمانية برنامج حكومة الشاهد ثقتها، إلى انتهاز حالة الاحتقان الاجتماعي نتيجة الاستياء من إجراءات الحكومة الاقتصادية “القاسية” وادعت أنها تنتصر للاحتجاجات ودعت الشاهد إلى الإصغاء للشارع متجاهلة حقيقة الأوضاع في البلاد وأن إنعاش الاقتصاد المتردي منذ يناير 2011 يجعل متن هذه الإصلاحات رغم قسوتها ضرورية في ظل محدودية الموارد المالية للدولة وارتفاع نسبة التضخم إلى نحو 6 بالمئة العام 2017 وندرة الثروات من عدة قطاعات التي تضررت كثيرا خلال السنوات السبع الماضية وفي مقدمتها الطاقة والفوسفاط وتراجع عائدات الاستثمار.

وتكاد تجمع كل الأحزاب على محاولة إسقاط برنامج الحكومة وخاصة قانون المالية الذي أثار جدلا واسعا لدى المعارضة والقوى المدنية وفي مقدمتها المركزية النقابية.

ويرى الخبراء تونس اليوم واقعة "بين فكي طبقة سياسية هشة نخرها الوهن وغياب الوعي بإمكانيات البلاد" وفي ظل نزيف الانسحابات من الحكومة وفي مقدمتها انسحاب الحزب الجمهوري وآفاق تونس الليبراليين من جهة أولى، وإعلان النداء لموقف مخاتل من حركة النهضة قابل لتأويلات مختلفة إلى حد التناقض من جهة ثانية، وبناء جبهة معارضة تتكون من عشرة أحزاب لخوض الانتخابات البلدية القادمة من جهة ثالثة، يتخذ الجدل نسقا تصاعديا بشأن مدى وعي الطبقة السياسية بطبيعة الأزمة.

ويشير الخبراء إلى أن الطبقة العامة من الشعب تُحركها المشاعر أكثر من الوعي، مذكرين ببعض الممارسات التي تظلل الرأي العالم وتؤجج الوضع، من ذلك الحديث المفرط لجهات غير متخصصة عن الأموال المنهوبة وثروات الدولة المسروقة من الغاز والنفط دون أي توضيح علمي وموضوعي عن حقيقة هذه الثروات.

وتشير رشيدة السحباني، المتخصصة في علم الاجتماع السياسي، إلى أن “الطبقة السياسية سواء منها المؤتلفة في الحكم أو المعارضة باتت تمثل خطرا على المسار الانتقالي الديمقراطي وعلى عمل الحكومة وحتى على الأوضاع العامة غير المستقرة".

وتضيف أنه “من الصعب الحديث في تونس عن طبقة سياسية كما هو الشأن في الديمقراطيات العريقة التي تتبنى ثقافة حكم وثقافة معارضة متينة. كل ما يمكن الحديث عنه هو أحزاب تطمح إلى الحكم، حتى أنها باتت تضغط على الحكومة بمطالب معقدة ثم لا تستنكف لاحقا في استخدام الشارع لمعارضتها”.

الأطراف السياسية لا تترك مناسبة أو فرصة إلا وتسعى لاستغلالها، ويساعد الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إلى حد بعيد في شيطنة الكثير من الأحداث وتضخيمها

شعبوية حزبية

يستغرب خبراء كيف تساند الطبقة السياسية الاحتجاجات ضد الإصلاحات التي تستوجب بالضرورة تضحيات، وهي تعلم أن حجم عجز الموازنة الذي يقدر حاليا بنسبة 6 بالمئة وأن تلك الإصلاحات تهدف إلى خفضه إلى 4.9 بالمئة، مشددين على أنها طبقة باتت تمارس شعبوية سياسية عمياء.

وقالت مصادر مقربة من رئاسة الحكومة إن “يوسف الشاهد ممتعض من أحزاب ما انفكت تقول له سرا إنها تدعم برنامجه الإصلاحي وتتعهد له بتوفير الحزام السياسي، وهي اليوم تستخدم سياسة لي الذراع بمجرد أن بدأ في تنفيذ البرنامج”.

وشدّدت الدوائر على أن الشاهد “استغرب انتصار النهضة للاحتجاجات في أعقاب تصريحات راشد الغنوشي ورأى فيها لا فقط نوعا من التنصّل من تعهداتها وإنما أيضا نوعا من الخذلان”.

ووصف الهمامي الطبقة السياسية التونسية بـ”الطبقة الواهنة والانتهازية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي بأن أي إصلاحات في أي بلد كان بما فيها الثرية لا يمكن أن تتم دون تفهم الطبقة الوسطى للتضحيات الضرورية".

واعتبر أن “الطبقة، إن جاز القول بأن هناك طبقة سياسية بمعناها الحقيقي، يكمن دورها في توفير الحزام السياسي للحكومة وللإصلاحات كما هو الشأن في الديمقراطيات العريقة وهي تمثل جسرا تواصليا بين السلطة وبين الشعب وتخفف الضغط على الطرفين من خلال سياسات تنتصر للمصلحة العامة لا للمصلحة الحزبية”.

والطبقة السياسية، كما يذهب إلى ذلك غالبية الخبراء والمحللين، “لا تمثل قوة متجانسة تتقاسم ثوابت وطنية مشتركة ولاهي كيان واضح المعالم بل هي لا تتردد في تحويل العملية السياسية إلى فريسة والتقاط المؤاخذات على الحكومة بما فيها المؤاخذات غير المشروعة إلى “سلعة” قابلة للمساومة والابتزاز.

ووصف عبدالمجيد بن صالح، الخبير في التنمية، الطبقة السياسية بـ”الجاحدة لا تنظر سوى إلى نصف الكأس الفارغ”، لافتا إلى أن “تونس تقود جهودا تستوجب الإسناد السياسي لا تأجيج الشارع، إذ توصلت إلى الرفع من نسق النمو إلى 2.2 بالمئة بعد أن كان لا يتجاوز 1.5 بالمئة، إضافة إلى عزمها خوض حرب ضد مكافحة الفساد والتهريب وتوفير التنمية".

ورأى بن صالح أن “الطبقة السياسية لا تجد حرجا في إطلاق النار على الحكومة أو على منافسيها إن اقتضت مصلحتها في ظل افتقادها لسياسة برامجية”.

وخلال السنوات الماضية لم تبدّل الطبقة السياسية التونسية الجهود الكفيلة بإقناع الطيف الشعبي بأن الأزمة لا تكمن فقط في سياسات الحكومات المتعاقبة، وإنما بالأساس لندرة ثرواتها، وهو أمر يتجاوز الجميع.

ويبدو أن الطبقة السياسية باتت تمثل عقبة أمام إصلاحات هيكلية يطالب بها التونسيون، ودعا الهمامي الطبقة السياسية إلى “نسج خيط سياسي برامجي وطني مشترك بين جميع الفاعلين السياسيين بعيدا عن الشعبوية يكون كفيلا بإسناد الإصلاحات والنأي عن منطق التجارة السياسية الذي لا يقود سوى إلى تعميق الأزمة".

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر