الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

مفاوضات بريكست تتقدم والبريطانيون مازالوا حائرين: نخرج أم لا نخرج

  • كتب المحلل البريطاني فيليب ستيفنز، في صحيفة فاينانشال تايمز، إن بريطانيا قيدت نفسها بخروجها من الاتحاد الأوروبي، وذلك في إطار تعليقه على مفاوضات التجارة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وهي المرحلة الأصعب من مفاوضات البريكست، التي أكدت رئيسة وزراء بريطانيا أنها تمضي قدما، فيما مازال البريطانيون حائرين بين أيهما أفضل البقاء ضمن الاتحاد أو الخروج منه، وهو سؤال تصاعد أكثر مع تراجع أصوات الشعبوية ودخول المراحل الأكثر حساسية وأهمية استعدادا للخروج. وزاد من حيرة البريطانيين ارتفاع أصوات المعارضين والمنتقدين.

العرب  [نُشر في 2018/01/05، العدد: 10860، ص(6)]

أين سيكون موقع بريطانيا بين القوى العالمية

لندن – قطعت مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي شوطا هاما في مفاوضات الخروج إلا أن الجدل لا يزال متواصلا بنفس الزخم بين المعارضين له، والمؤيدين الذين يجادلون بأن عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي تضعف سيادة المملكة المتحدة وخروجها سيحررها من الأنظمة والقواعد الأوروبية والبيروقراطية.

ويصر المعارضون على أن البريكست يعني تعرض الرخاء الاقتصادي للمملكة المتحدة للخطر ويقوض تأثيرها على الشؤون الدولية، بالإضافة إلى العوائق التجارية بينها وبقية دول الاتحاد وخسارة الكثير من الوظائف وتأخر الاستثمارات الواردة إلى المملكة المتحدة وزيادة المخاطر على الشركات الكبيرة والصغرى.

وكتب المحلل البريطاني فيليب ستيفنز، في صحيفة فاينانشال تايمز، قائلا “أنشأت تيريزا ماي، أثناء رسمها للخطوط الحمراء، فخا محكما لبريطانيا بشأن التجارة، فالغرض من صفقات التجارة الحرة هو زيادة الفائدة العائدة على كلا الطرفين، حيث أن إزالة الحواجز الاقتصادية بين الدول تزيد من المنافسة وبالتالي تزيد الإنتاجية ويؤدي ذلك في النهاية إلى رفع مستويات المعيشة.

وفي هذا الصدد، فإن الاتفاق المقترح بين بريطانيا والدول أعضاء الاتحاد الأوروبي لن يكون مريحا بأي شكل من الأشكال، وأيا كانت شروط الاتفاق، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيحد من التجارة بدلا من تحريرها. لذلك يجب التفاوض على حلول مرضية لكلا الطرفين من أجل تحقيق المكاسب لكل منهما بدلا من أن يتكبدا الخسارة الحتمية”.

خطأ تكتيكي

بينما وعدت رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، في رسالة لها بمناسبة العام الجديد، بخروج “ناجح” من الاتحاد الأوروبي وتعزيز اقتصاد بلادها، حثّ نظيرها الأسبق توني بلير حزب العمّال على “الوقوف في وجه” البريكست واصفا غموض موقفه بأنه “خطأ تكتيكي”.

لتتمكن بريطانيا من تحديد دورها الجديد على الساحة العالمية عليها التطلع إلى مقاربة أكثر اندماجا مع الحكومات في العالم وإلى حكومة ناجحة واقتصاد قوي في الداخل

وقال بلير في حوار مع صحيفة الغادريان في عددها الصادر الخميس 1 يناير 2017، إنه يمكن أن يكون هناك استفتاء ثان بعد أن توضّحت الصورة كاملة بالنسبة للبريطانيين، فخلال استفتاء 2016، لم يكن واضحا تماما ماذا يعني البريكست؟ وما هي تكلفته بالضبط؟ مؤكدا أن استفتاء عام 2016 لا يمكن اعتباره مُلزما لأنه لم يتضمن أي تفاصيل لمستقبل بريطانيا في فترة ما بعد البريكست.

ويقرّ الخبراء بأن الموجة الشعبوية التي سادت العالم وصعود اليمين المتطرف خلال العامين الماضيين، أثرت بشكل كبير على نتائج استفتاء الخروج إلى درجة أنها لم تسمح بمراجعة دقيقة وموضوعية لإيجابيات وسلبيات كل حالة، سواء البقاء أو الانفصال، وأيهما أفضل؟

جاء حوار الغارديان مع بلير على خلفية خطاب عاطفي وجهه بلير، عبر معهد توني بلير لتغيير العالم، للحزب ناشده فيه معارضة قرار الحكومة بمغادرة الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أن حزب العمال سيصبح متورطا في إتمام هذه العملية “إذا استمر في التهرب والمراوغة في مواجهة هذه القضية”.

وشدّد بلير، الذي ترأس حزب العمّال منذ عام 1994 ولغاية 2007، على أن البريكست لا يقدم الحل للمشاكل التي تواجه الناخبين العماليين، مشيرا إلى أن النمو الاقتصادي انخفض منذ الاستفتاء. وأدى انخفاض الجنيه الإسترليني بعد استفتاء انفصال بريطانيا إلى دفع التضخم إلى الارتفاع وزاد الضغوط على الأوضاع المالية للكثير من الأسر.

ووصف بلير عام 2018 بأنه “العام الذي سيتحدد فيه مصير بريطانيا”. وانتقد خطط حزب المحافظين بشأن البريكست ووصفها بالمتناقضة والمحيرة، قائلا إنه “من العبث أن يدّعي الوزراء أن المملكة المتحدة يمكن أن تضاعف فوائد سوق الاتحاد الأوروبي الموحد وأيضا الاتحاد الجمركي في الوقت الذي يرفضون فيه اتباع أي من القواعد والقوانين”.

ودعا بلير حزب العمال إلى “أن يكون على رأس خطط السياسة التقدمية”، مشددا على “صحة عضوية الاتحاد الأوروبي كمسألة مبدأ، ولأسباب سياسية واقتصادية عميقة".

سيمون فريزر: بعد البريكست، علينا أن نزيد في الإنفاق العسكري ونشاطنا داخل حلف الناتو في أوروبا والشرق الأوسط فضلا عن زيادة التعاون الاستخباراتي حول الإرهاب

وأضاف متوجها إلى البريطانيين بلهجة حماسية “انتقدوا كل غموض يشوب القضية في كل مؤتمر دستوري، اطرحوا التساؤلات عن سبب ما يقوم به حزب المحافظين من أجل إضعاف بلادنا؟ وهو شيء سوف يحظى فقط بمصداقية إذا قمنا بمعارضة العملية ككل. يجب علينا أيضا أن نتحدى هذه المهزلة التي تترأسها رئيسة وزراء تقود أمتنا في اتجاه لا تستطيع هي الآن حتى التراجع عنه. إذا تركنا الاتحاد الأوروبي، سيصبح حزب المحافظين هو العقل المدبر والحزب الحاكم في كل صغيرة وكبيرة. وإذا استمر حزب العمال في تأييد قرار البريكست وأصر على مغادرة السوق الموحدة، سيصبح بالتالي خادما لإتمام هذه العملية”.

وكتب بلير “فكروا في الأمر بهذه الطريقة. لنفترض أن الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم يريد أن يرتب مباراة مع نظيره الفرنسي. يوجد هناك الكثير من الأشياء التي يجب التفاوض حولها، وهي المكان والتوقيت، وتذاكر الطيران، إلخ. ولكن لنفترض أن الاتحاد الإنكليزي تفاوض مع نظيره الفرنسي بشأن زيادة لاعبي الفريق إلى 15 لاعبا بدلا من 11. سيقوم الاتحاد الفرنسي بالطبع برفض الطلب وسيطلب من نظيره البريطاني بالتوجه إلى اتحاد الرغبي. وهذا هو بالضبط ما تبدو عليه مفاوضات الحكومة”.

ويعلق مراقبون على خطاب بلير مشيرين إلى أن تاريخ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق قد يشكل عائقا أمام الاستماع إلى ما يقول إنه وقفة ضرورية للمراجعة وإحراز أي تقدم بشأن المسألة، فرغم أنه أحد رؤساء الوزراء البريطانيين الأكثر شعبية في التاريخ، وأعيد انتخابه ثلاث مرات، لكن حصيلة حكمه وسمعته أصيبتا بأضرار يتعذر إصلاحها جراء قراره إشراك بلاده في حرب العراق العام 2003.

وأقر بلير بنفسه بأن بعض الأشخاص “يرفضون حرفيا” الاستماع إلى حججه، بيد أنه أكد أن المسألة قضية مصيرية لبريطانيا تحتاج تدخلا من مختلف الشخصيات العامة، وهو موقف يؤيده فيه الباحث البريطاني سيمون فريزر، الذي كتب بدوره ضمن نشرية “وورلد توداي”، الصادرة عن المعهد الملكي البريطاني للسياسات الخارجية “تشاتام هاوس”، مقالا لا يقل حماسة طرح خلاله سؤال “أين سيكون مكان بريطانيا في هذا العالم؟”.

استهل فريزر مقاله بعبارة شهيرة قالها دين أيشسون، وزير الخارجية الأميركي سابقا، في خطاب أمام الأكاديمية العسكرية ويست بوينت، سنة 1962 وهي “لقد خسرت بريطانيا إمبراطورية ولم تجد بعد دورا”. لكن عدد قليل جدا يعرف الفقرة الكاملة التي اقتطفت منها هذه الجملة، والتي يرى فيرزر أن لها أصداء غريبة اليوم بينما تتأهب بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

قال أيشسون “محاولة لعب دور قوة منفصلة (أي دور بمعزل عن أوروبا، دور يعتمد على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، دور يعتمد على كونها رئيسة مجموعة كومنوالث التي لا تملك هيكلة سياسية أو وحدة أو قوة وتربطها علاقة اقتصادية هشة وواهنة بواسطة منطقة الجنيه الإسترليني والامتيازات في السوق البريطانية)، لقد انتهى هذا الدور. بريطانيا العظمى بمحاولتها العمل لوحدها والقيام بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وروسيا تبدو أنها تمارس سياسة ضعيفة بنفس درجة ضعف قوتها العسكرية. حكومة صاحبة الجلالة الآن تحاول (وهو تصرف حكيم في نظري) العودة إلى أوروبا”.

ليعلق سيمون فريزر على هذا الحديث الذي يعود تاريخه إلى سنة 1962 قائلا “أخذنا بنصيحته وانضممنا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية، في شكلها آنذاك، وفي السنوات التالية وجدنا صوتا قويا. والآن بوجود إمكانية أن يسبب البريكست اضطرابا بعيد المدى لدورنا وعلاقاتنا على الصعيد الدولي، يجب البحث مجددا والتفكير بجدية حول نوع البلد الذي نريد أن نكون، وما هو الشيء الممكن؟ وكيف يجب علينا تنظيم علاقاتنا؟”.

بريطانيا عليها التطلع إلى مقاربة أكثر اندماجا مع الحكومات تجاه العالم مثلا السياسات الخاصة بالهجرة والتجارة والتعليم التي تخدم استراتيجية وطنية ودولية متماسكة

السياسة الخارجية

على مدى خمسين عاما ارتكزت السياسة الخارجية البريطانية على ثلاثة أعمدة: العلاقة مع الولايات المتحدة وداخل الناتو والمجموعة العابرة للمتوسط الأشمل، وعضويتها في الاتحاد الأوروبي، وثالثا موقفها القوي في المنظمات الدولية، لكن توجهات البريكست اليوم تشكك في كل عنصر من هذه العناصر. ويقدم فريزر قراءة في مختلف هذه العلاقات، منوها بأنه في العقد القادم ستكون هناك ثلاثة مراكز هيكلية للقوة العالمية، وهي الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.

* الولايات المتحدة: ستبقى أميركا شريكا لا غنى عنه وضامنا لأمن بريطانيا. لكن منذ انتخاب ترامب اختلف البلدان في مسائل كبرى مثل التجارة والمناخ والاتفاق النووي مع إيران. ويقف خطاب ترامب ‘أميركا أولا’ في وجه الزعامة الأميركية لنظام دولي جماعي. وتحتاج المملكة المتحدة إلى إدراك أن أميركا ستكون منشغلة بالصين ولديها أولويات في أماكن مثل كوريا الشمالية حيث ليس لدى بريطانيا أي دور مباشر.

وهنا يقول فريزر “علينا أن نزيد في الإنفاق العسكري ونشاطنا داخل حلف الناتو في أوروبا والشرق الأوسط فضلا عن زيادة التعاون الاستخباراتي حول الإرهاب والدعم للتدريب في أفغانستان والعراق والتعاون حول مقاربات جديدة للردع. كما نحتاج إلى نقاش أعمق حول الاتجاهات المستقبلية وكيف يمكن للغرب، بزعامة أميركية، أن يتأقلم مع التغيرات؟

وتتمثل الأولوية الأخرى في علاقة تجارية قوية، وهو تحد يجب ألا يستهين به البريطانيون، على حد تعبير فريزر، حيث “لا يمكن التفاوض حول هذه المسألة حتى تتوضح علاقتنا التجارية والتنظيمية مع الاتحاد الأوروبي، بما أن ما نفعله مع طرف سيؤثر على ما يمكننا فعله مع الآخر. كما يجب ألا ننتظر امتيازات من بقية الحلفاء إذ أن أميركا مثلا ستراعي ما يخدم مصالحها”.

* الصين والعلاقات الأخرى: الداعمون لبريكست يرون وعودا أكبر في العلاقات على مسافة بعيدة، لكن الكثير من توقعاتهم وهمية، حسب قراءة سيمون فريزر، الذي يرى أنه على الرغم من أنماط النمو المتغيرة ليست هناك إمكانية بأن تتمكن بلدان تجمع البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين) التي تمثل أقل من 10 بالمئة من تجارة المملكة المتحدة من تجاوز الاتحاد الأوروبي الذي يمثل 45 بالمئة.

ويؤكد “في السياسة الخارجية، لا الصين ولا الهند تشاركاننا مصالحنا أو نظرتنا بالشكل نفسه مثل جيراننا الأوروبيين أو الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا واليابان. وسيكون من الجنون النظر إليهما كبديل لعلاقاتنا الأساسية مع الديمقراطيات الغربية. لكن ستكون هناك فرص. على بريطانيا أن تضع نصب عينيها أن تكون بانية جسور سياسية واقتصادية. علينا أن نبحث عن ثغرات في الأعمال في مبادرة الحزام الصينية. وعلينا أن نستغل الامتداد العالمي ‘للمدينة’ ولجامعاتنا وعلومنا وكرة قدمنا والموضة والموسيقى”.

* أوروبا: يؤيد سيمون فريزر ما يذهب إليه توني بلير وغيره من أنصار البقاء ضمن المجموعة الأوروبية، حيث يقول إن “الاتحاد الأوروبي كان مضاعفا قويا لسياستنا الخارجية (حول إيران أو روسيا أو التغير المناخي أو العقوبات ضد سوريا). معا، ننتظر سوقا ضخمة ومجتمعات جذابة وقرابة 500 مليون نسمة. أما بعد البريكست ستظل العلاقة مع الديمقراطيات الأوروبية مركزية بالنسبة إلى سياستنا الخارجية”.

ويضيف “أحيانا نحتقر مجهوداتهم، ومع ذلك فإن فرنسا قوة نووية تنفق تقريبا نفس القدر مثلنا على الدفاع وأكثر على الدبلوماسية، بينما ألمانيا قوة تجارية عالمية أكبر منا. وبصفة جماعية، وعلى الرغم من كل أخطائه يتمتع الاتحاد الأوروبي بنفوذ كبير”.

ماي أنشأت فخا محكما لبريطانيا بشأن التجارة

إصلاح سقف البيت

المملكة المتحدة لديها أوراق قوية يمكنها أن تلعب بها فلا غنى عن قدراتها الدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية وفي مجال المساعدات بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. لكن إيجاد حلول هيكلية وإجرائية لن يكون أمرا بسيطا لأن البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ترى الاتحاد آلية أساسية لمعظم نشاطها الدولي. وهي الآن تجاهد لفهم فكرتنا المتمثلة في “مغادرة الاتحاد الأوروبي لكن عدم مغادرة أوروبا”.

ويؤكد فريزر بذات النبرة المحفزة على رفض البريكست “ستتخذ مواقف يوما بعد يوم، في اجتماعات لن يعود لنا الحق في حضورها. إن التأثير من الخارج أصعب من القيادة من الداخل. علينا بتكثيف التعاون الثنائي والعمل في مجموعات صغيرة مع أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو. لكن المجموعات غير الرسمية كثيرا ما تعتمد على الشخصيات من أجل فاعليتها، وبعد البريكست ستكون علاقاتنا الثنائية أضعف من الناحية الهيكلية. ونتيجة لذلك سنحتاج إلى عرض مقترحات جذابة للطريقة التي نريد بها العمل رسميا مع الاتحاد الأوروبي ككل: عن طريق ربط سياستنا المتعلقة بالعقوبات بسياساتهم، وبالفصل في مشاركتنا في التعاون البوليسي، وبالإبقاء على نشاط التعاون العسكري العملياتي، وبالمشاركة في العمليات العسكرية الأوروبية والتزويد العسكري”.

ويؤكد “لكل هذه الأسباب، يضعف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نفوذنا على جانبي الأطلسي. ستتطلع واشنطن إلى برلين، لأن ألمانيا ستكون الأقوى في أوروبا. وفي رئاسة ماكرون ستستعيد فرنسا نسقها. هل ستملك بريطانيا وهي خارج الاتحاد الأوروبي الحكمة السياسية والثقل الكافي لتصبح الضلع الثالث في مثلث القوة المتكون من الاتحاد الأوروبي وأميركا وبريطانيا؟”.

ويخلص سيمون فريزر مؤكدا على ضرورة إصلاح سقف البيت الداخلي مهما كنت النتيجة، سواء انتهت المفاوضات بالخروج أم حدثت انعطافة ما، ويشير قائلا “تظل أدوات سياستنا الخارجية في الدفاع والدبلوماسية والاستخبارات والمساعدات قوية بالنسبة إلى بلد بحجم بلدنا. لكن الضغوط على ميزانية الدفاع تجعل من الأهمية الشديدة أخذ الخيارات الجيدة والعمل عن قرب مع الحلفاء، في حين أن التخفيضات التي تضر الميزانية الصغيرة لوزارة خارجيتنا دون إحداث فارق حقيقي بالنسبة إلى الإنفاق العمومي تضر بنا. إن إنفاقنا على الدبلوماسية والمساعدات غير متوازن”.

ويتطلب اتباع سياسة خارجية أكثر نجاحا من خارج الاتحاد الأوروبي المزيد من الموارد. لقد صارت وزارة الخارجية فاقدة للسلطة بسبب إعادة تنظيم وايتهول بسبب بريكست، بما في ذلك إحداث وزارة منفصلة للتجارة الدولية. ويؤكد فريزر “منذ أولمبياد لندن حققت بريطانيا نجاحا كبيرا في استعراض القوة الناعمة، لكن الانتقاد اللاذع الناجم عن بريكست ينسف ذلك النجاح، إذ أصبحت مؤسستنا السياسية تحظى باحترام قليل في الخارج، والتبعات الاقتصادية السلبية بدأت تظهر.

وللنجاح في الخارج نحتاج إلى إصلاح سقف بيتنا في الداخل، وذلك يعني إقناع الناس بأن أولئك الأشخاص في مناصب السلطة ملزمون بمساعدتهم على تحقيق حياة أفضل عن طريق سياسة ضرائب عادلة والاستثمار في البنية التحتية والسكن والتعليم. كانت الحاجة إلى معالجة هذه الاهتمامات أحد مصادر عدم الرضا الذي ظهر بقوة في حملة الاستفتاء. ومغادرة الاتحاد الأوروبي ليس الحل، بل هو مجرد إزاحة هائلة للمجهود”.

ولتتمكن بريطانيا من العثور على دور جديد فهي لا تحتاج إلى مجرد إعادة تنظيم أثاث السياسة الخارجية. عليها التطلع إلى مقاربة أكثر اندماجا مع الحكومات تجاه العالم (مثلا السياسات الخاصة بالهجرة والتجارة والتعليم التي تخدم استراتيجية وطنية ودولية متماسكة). وفوق كل شيء تتطلب حكومة ناجحة في الداخل واقتصادا قويا. وهكذا هناك الكثير مما يجب القيام به.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر