الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الشاعرة والتشكيلية دارين أحمد: القصائد مديح للعبث

  • مجبرين يغادرون أوطانهم ولكنهم يبقونها في قلوبهم وفي إنتاجاتهم، هكذا هم المبدعون الحقيقيون الذين لا يسقطون طفولاتهم وبيئاتهم الأولى أينما كانوا. “العرب” استضافت الشاعرة والفنانة التشكيلية السورية المقيمة بألمانيا دارين أحمد وكان لنا حوار معها حول الوطن والإبداع.

العرب آرام [نُشر في 2016/09/09، العدد: 10391، ص(15)]

كل إنسان رسام بالفطرة

تقيم الفنانة والشاعرة السورية دارين أحمد في مدينة برلين الألمانية، هي ابنة قرية عين الكروم في ريف حماة، كانت حلب إحدى محطاتها، حيث درست في جامعتها، كما كانت دمشق آخر مدينة سورية أقامت فيها، المدينة التي أحبت، والتي كانت تود البقاء فيها، لولا أن أصبحت الإقامة فيها شبه مستحيلة. كتبت الشعر وعملت في مجلة “معابر” الثقافية ودار النشر التابعة لها، كما اتجهت نحو الفن التشكيلي بخطى واثقة ومتميزة، حيث أقامت معرضا مؤخرا في بون الألمانية، وبعده أقامت معرضا آخر في لندن.

مديح عبثي

تتحدث الشاعرة إلى “العرب” متذكرة طفولتها “كانت لدينا مكتبة صغيرة تضم العديد من الكتب أذكر منها: أعمال محمود درويش الكاملة في ذلك الوقت، وروايتين لغادة السمان، وأعمال ماركس وإنجلس التي قرأتها كلها في صيف انتقالي من الصف العاشر، لم أفهم منها الكثير، لكني قرأتها بمتعة حقيقية، أتذكر أيضا كتاب رسالة الغفران، ومجموعة ظبية خميس الشعرية؛ السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر، وديوان بعينيك ضعت لصقر عليشة، ومجموعة مجلات فلسفية وكتب لا أذكرها الآن. لكن الكتاب الذي دفعني إلى الكتابة هو رواية غادة السمان “ليل الغرباء”، فكان أول ما كتبته هو قصة تدور في أجواء غادة السمان وكنت في المرحلة الإعدادية على ما أظن، ثم لاحقا لا أذكر أني كتبت شيئا، إلى أن انتقلت إلى حلب للدراسة حيث كتبت الكثير من النصوص لكنني أقمت لها محرقة جليلة قبل انتقالي إلى دمشق مع بدء نشري لأول قصائدي في موقع معابر”.

تتحدث ضيفتنا عن الشعر، الذي تعرّفه أو تصفه بأنه عشق الزائل، الفاني، والتغني به ورثائه، وتعتبر أنه بسبب طبيعة الشعر الزائلة، فإن علاقته بالسعادة علاقة غريبة، لكنها من جانب آخر تقر بصحة ما يؤخذ على ما تكتبه بأنه مظلم ومرهق فكريا.

تقول ضيفتنا “للقصيدة التي أكتبها لون السواد، بسبب ما ذكرت عن مفهومي للشعر بأنه مديح الزائل العبثي من جهة، ولأنه شعر يتجذر في اللاوعي وما يلقيه للوعي من جزئيات من جهة أخرى، لذلك هو شعر يرتبط بالعتمة والشبحية والظلال وهو مرهق فكريا بالتأكيد، إذ كيف يمكن أن تضع حلما في منطق أرسطي سائد”.

القصيدة الحديثة في موقع ممتاز اليوم، وهناك قصائد مذهلة لشعراء شباب تطرق بقسوة كل مسكوت عنه

في عام 2002 أو 2003 تعرفت دارين أحمد على موقع “معابر” ومؤسِّسيه الأساسيين: أكرم أنطاكي وديمتري أفييرينوس، والعديد من الأصدقاء الآخرين، وانضمت إليهم، ثم في 2007 أسسوا دار نشر معابر التي نشرت العديد من الكتب المهمة المتوفرة جميعها على الإنترنت، تتحدث أحمد عن تلك التجربة قائلة “بسبب ظروف كثيرة أولها الكارثة التي حلت بنا جميعا كسوريين لم نحقق ما كنا نأمله تماما، المجلة مازالت مستمرة إنما بتواتر أقل ودار النشر كذلك”.

أما حول موضوع النشر الورقي فتقول الشاعرة “في ما يخصني أنا لم أصدر أي مجموعة شعرية رغم وجود مسودات لعدة مجموعات شعرية، ولرواية، لكن بصراحة ليست لدي موهبة تنسيق مجموعة شعرية جيدة لذلك أؤجل الأمر من عام إلى عام، كما أني أشعر بالاكتفاء بالنشر على الفيسبوك مثلا، لكن في المقابل وبسبب المتعة الكبيرة في أن أحمل مجموعة شعرية ورقية لشاعر أحبه مثل مجموعة ‘منفى وقصائد أخرى‘ لسان جون بيرس، والتي أضعها في حقيبتي منذ سنتين تقريبا، فقد أعمل على طباعة مجموعة شعرية لقارئ محتمل يحب ما أكتبه”.

أما عن الشعراء الذين كان لهم أثر على تجربتها تقرّ ضيفتنا بأن الشاعر الذي تعتقد أنه أثر فيها شعريا وبشكل مستمر هو سان جون بيرس، وهذا لا ينفي الأثر الذي تخلقه كل قصيدة جيدة أيًّا كان الشاعر أو الشاعرة، كما تقول.

وتضيف “يؤثر في تجربتي الشعرية يونغ، وأونامونو، وغاستون باشلار. يمكن أن أذكر أيضا مقالا لبسراب نيكولسكو عن مستويات الواقع ومستويات التعقيد قرأته منذ عشر سنوات أو أكثر، ولكن أثره في تعزيز اتجاهي الشعري كان حاسما”.

الثقافة وآفاقها

تعرب دارين أحمد عن ثقتها وتفاؤلها بالشعر وبالفضاء الذي منحه العالم الافتراضي، تقول “القصيدة الحديثة في موقع ممتاز اليوم، وهناك قصائد مذهلة لشعراء شباب تطرق بقسوة كل مسكوت عنه، ولا تجامل أي نوع من الجماليات المختلقة أو الأدبية المتفق عليها، وهي قصائد تستمد جماليتها من صدقها وألم أو شفافية كاتبتها أو كاتبها، ويبقى في رأيي التجريب والنشر ضروريين للوصول إلى القصيدة الأفضل”.

وتضيف الشاعرة “هناك بعض الاستسهال والسرد المبالغ فيه والإغراق في الشخصانية والأنانية الصغيرة، إلا أن كل هذا خطوات على الطريق لمن أراد أن يكمل أو لمن لم يرد ولكن طاقة الشعر تدفعه إلى ذلك”.

المثقف عليه أن يقف إلى جانب المهزوم، وأن يقف ضد المنظومة التي تقسم الناس إلى منتصرين ومهزومين

أما المثقف، فعليه برأيها أن يقف في صف المهزوم لأنه مهزوم مثله، وعليه في مستوى أعمق أن يقف ضد المنظومة الفكرية التي تقسم الناس إلى منتصرين ومهزومين، وتستطرد “المثقف العربي غائب بشكل عام لعدم وجود مؤسسات ثقافية وسياسية واجتماعية داعمة له وللحرية التي يحتاجها ليحقق إبداعه. هذا لا يعني انتفاء وجود مثقفين مهمين، ولكن كما تلاحظ فإنهم آثروا الصمت في السنين الأخيرة مما سمي الربيع العربي، مثل المفكر جورج طرابيشي مثلا وليس حصرا، وهذا الصمت هو علامة النفي الذي تعرض له المثقف والحرية التي لا يمكنه الوجود دونها”.

كما تعتبر أحمد أن كل نظام استبدادي في دول العالم الثالث يقوم بحبس الفرد في حاجاته المعيشية اليومية بحيث يصعب عليه المشاركة في إنتاج الجمال الفني والثقافي العالمي، لكن أيضا تفعل دول العالم المتحضر أشياء مشابهة حيث يبدو مفاجئا أن يشارك سوري الآن مثلا في مناقشة مشكلات العالم الأكثر جذرية والتي يتم إغفالها والقفز فوقها مثل مساءلة النظام العالمي بمجمله عن كل الكوارث البشرية والبيئية والأخلاقية التي تنهش حاضرنا، حسب قولها.

وعن تجربتها في الفن التشكيلي تقول الشاعرة والفنانة “الرسم سابق للغة، والحروف رسوم تم الاتفاق على معان محددة لها. كل إنسان رسام بالفطرة ويكفي أن نتذكر ماذا نفعل، أو ماذا تفعل أيدينا في لحظات السهو ما إن تضع قلما فيها. خيالي ممتلئ بلوحات تبحث عن طرق للخروج منه، وهو ما ركزت عليه خلال العامين الماضيين. وقد شاركت مؤخرا في معرض بعنوان ‘نقطة تلاشي‘ وهو أول معرض أشارك به مع ثلاثة رسامين سوريين ومصور فوتوغرافي، في المعهد الثقافي الفرنسي في مدينة بون بألمانيا. سعدت كثيرا بهذه التجربة التي قادتني إلى المعرض الثاني في نهاية شهر يوليو في السفارة الألمانية في لندن، وهو معرض مشترك مع الفنانة البريطانية فرانسيس بلين بعنوان وجهان”.

أما حول الربيع العربي أو ما بقي منه، تقول “الربيع العربي أول ما أنتجه الصدمات الثقافية بمفكرين اصطفوا طائفيا أو حاولوا إلباس الاصطفاف الطائفي لبوسا ثقافية عبر تقسيم الاستبداد إلى مقبول ومرفوض، وتقسيم الحرية إلى مسموح بها قليلا ومرغوب فيها كليا ومحرمة تماما”، وتضيف “من الغريب أن يتم التأكيد على الحرية السياسية مثلا والتغاضي عن الحرية الدينية والجسدية وغيرهما من الحريات التي يمنعها الاستبداد الديني المُستخدم سياسيا. ومن الغريب أن يتم التعامي عن التلاصق بين الاستبداد السياسي والديني واتكاء كلّ منهما على الآخر”.

و تختم ضيفتنا “من الواضح أن العنف – والمصالح التي تقف خلفه – انتصر في الربيع العربي وانهزم كل شيء آخر، حتى الآن على الأقل”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر