الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

'هياء' سجال عن الحب والحياة والفقد والأمل

  • ليست المرأة العربية وحدها من تعاني ويلات العادات والماضي بل الرجل أيضا، ما يخلق منهما ضحيتين للماضي أو شخصيتين متأثرتين به خاصة إن كان مليئا بالندوب. لذا يمكن إصلاح الحاضر من خلال فهم الماضي وخاصة العلاقة الأولى للإنسان العربي أي علاقته بوالديه وصولا إلى تطور مسار بناء شخصيته.

العرب هيثم حسين [نُشر في 2017/08/05، العدد: 10713، ص(17)]

كلانا ضحية ماضيه

تتناول السعودية زينب إبراهيم في روايتها “هياء” الحب والكره والغربة والأمومة والبنوة في إطار وقائع متداخلة، وفي أمكنة وأزمنة مختلفة، وتأثير الظروف على البشر ودفعهم إلى هذه الوجهة أو تلك، وبلورة شخصياتهم بصيغ تصل إلى درجة الصدمة أحياناً، والانقلاب على الأفكار التي كانوا يؤمنون بها في زمن سابق.

بوح الصديقة للصديقة

تقارب زينب إبراهيم في روايتها الصادرة عن دار مدارك، الإمارات، مقاومة جيلين من النساء، الأم والابنة، واختلاف الظروف وتغير الأحوال، وكيف وجدتا أنفسهما في مهب خسارات متعددة متجددة. راويتها هياء تفسح المجال لأمها شيختها كي تبوح بما يعتمل في صدرها، ومن جهة أخرى تصور منيرة وتتوجه إليها كنموذج مختلف للنساء، نموذج المقاومة والتحدي والنضال في وجه المشقات، مع الاحتفاظ بروحها السامية وحضورها الجميل. كما تحضر المرأة الأميركية في صورة روزالين التي تسترجع جمال محطات من طفولتها ونشأتها وتأثير القراءات والسياسات على تركيبتها وبلورة شخصيتها.

تصف الروائية علاقة بطلتها هياء مع نفسها بأنها كانت عدائية لفترة طويلة، وأحست أنها محكومة بالضياع، فكبلها الخوف، رغم إدراكها أن الخوف سيجعلها تخسر كل شيء، وأن الحياة فاجأتها وكشفت لها نفسها في مواقف لم تكن تعي بها ذاتها، ألقت بالمسؤولية على أكتافها وتركتها عارية الصدر. وأنها على حافة أنوثتها مشت فارغة القلب إلا من الفقد والألم، يتلقفها اليتم والكثير من الوحدة السّامة، معترفة بحزن رجل غاب عنها، غير أن خوف الصغيرات بداخلها بدأ يتلاشى بعد أن استنفدت الحزن على والدتها وتجربتها القصيرة في الحب، أنضجتها التجارب وفتحت عينيها على أشياء لم تكن تنتبه لها.

تصف زينب حضور الأم الطاغي وتأثيرها الكبير على شخصيات أبطالها، فأمّ الراوية هياء، هي المضحية التي تلقبها بـ”الشيخة”، وتقول إنها كلما نادتها بالشيخة تحمر وجنتاها وتضحك وكأنها طفلة في الثامنة من عمرها. وأم جمال هي الوافدة التي اختارت المكوث في أرض ابنها رغم خيانة والده لها، وتخليه عنها، وتنكره لها، ثم بقائه في كنف جدته وبحثه التالي عن مصيره ومستقبله.

تقول الراوية هياء إن أمها تحفظ الكثير من الحكايات والأسرار، أحيانا لا يظهر عليها الانفعال ولا الحماس إلا عندما تتحدث عن طفولتها المسلوبة مع والدها القاسي، وموت أمها المبكر، هي دائما تعيد على مسمعها سرد تلك الحكايات ولكن بصياغات مختلفة وكأنها في كل مرة حكايات جديدة. تقول إنّ لدى أمها ملكة عجيبة في سرد الأحداث تشد المتلقي مهما كانت أهمية القصة ضئيلة، ويبدو أنّها ترث تلك الموهبة منها، وتنقلها إلى الكتابة لتروي سيرتها وسيرة نساء من جيلها.

رجل وامرأة ينطلق كل واحد منهما من بؤر مستعرة في ماضيه البعيد، يحاول إسقاط أفكاره على واقعه وإنقاذ ذاته

تكشف لها أمها عن أحزانها المكتومة، تبوح لها بوح الصديقة للصديقة، تقول لها إن موت والدها رغم مرارته وقسوته لم يكن بذلك الرعب الذي اعتقدته، ولا تلك الظلمة التي خافت منها، كما لم يكن نهاية الحياة، وأنها حينما كانت تضطجع وابنتها بحضنها عندما تنطفئ الأنوار، لا تخاف العتمة، ولا تؤرقها الوحدة، وكان يأتيها إحساس بأن وراء كل نهاية مظلمة شيئا مُضيئا، تؤكّد أنّها كانت تلمح ضوءاً يشع من بعيد لا تعرف مصدره.

تستعيد رحلة حياة الأم التي تيتمت باكراً وهي طفلة في السادسة من عمرها، لم تكن تفهم معنى غياب الأم عنها ورحيلها الذي يعني عدم رؤيتها أبداً، وعجزها حينها عن تفسير تعابير وجوه باكية لنسوة لا تعرفهن، ثم زواجها المبكر، وترمّلها المبكر أيضاً إثر موت زوجها المفاجئ، وقولها “الحياة لم تكن عادلة معي أبدًا، ولم تحبني يومًا، فبعد يتم مبكر، وزواج اعتقدته سيدوم، ترملت فجأة، لم أكن مهيأة لذلك أبدًا”.

تعترف لها أمها بأن الحياة في القصائد قمة في التناقض تشبه حياتها المشوشة وغير المنظمة، قفزت من طفلة إلى امرأة ثم أم بشكل متلاحق ولم يعلمها أحد كيف تتعامل مع نفسها وجسدها.. كان الصبر صديقها، تعلمته من مراقبة النجوم وهي متناثرة في صدر السماء، كانت تعدها نجمة نجمة، تعرفها وتسميها، ترسمها على الرمل وتتخيل أمها هناك تبتسم لها.

رجل وامرأة

هناك جمال عبدالعزيز الطالب المبتعث إلى أميركا، يستعيد سيرة حياته ويتمه وغربته بين أبناء جيله في طفولته، وقسوة اليتم التي عاناها، ولامبالاة من حوله به، وإهانة بعضهم له، أو التعامل معه بدونية وانتقاص من قيمته وقدره، وكيف شكل ذلك كله دوافع لإثبات ذاته وتأكيد وجوده وقوته، يدخل في حوارات مطولة مع المرأة الأميركية العجوز روزالين، التي تنحدر من أب ألماني وأم فرنسية.

امرأة خائفة رغم إدراكها أن الخوف سيجعلها تخسر كل شيء

يقول إن حياته التي سحب منها عصب القبول والتسامح كانت سبب إصراره، رغم كل المعوقات وضيق ذات اليد، على السفر وترك جدته وبلده وعمله لإكمال دراسته، ويتذكر أنه في صغره لم يتقبله زملاؤه في المدرسة بسبب لهجته المختلفة قليلاً عنهم، وكانوا يسخرون حتى من اسمه، ورغم أنه ابن جلدتهم إلا أنهم لم يتقبلوه ولم يصدقوه، وبقي ذلك الأجنبي الغريب عنهم وكان بعض المدرسين قساة معه، فلم يرحموا قلة حيلته ولا يتمه ولا فقره. لم يكن له أصدقاء كثيرون أو رفاق مثل غيره، المتعاطفون معه كانوا قلة قليلة، يؤكد لنفسه أنه أصبح رجلاً ناضجاً، تخطى سنوات المراهقة المُرة ولن يسمح لأحد بإهانته بعد اليوم.

بعد أن ينهي جمال دراسته الأكاديمية في أميركا، ويعود إلى بلده بعد سنوات الابتعاث، يفكر بصعوبة العثور على عمل وسط المنافسة وقلة الفرص المتاحة، يرسم مسارات لمستقبله، وإمكانيات التقدم في مجاله، واستغلال دراسته في العمل وتحقيق النجاح الذي يصبو إليه. يتعرف في الطائرة المقلعة إلى الرياض على شخص أميركي يدعى ديريك جونسون من ولاية أريزونا، يستمع لشكواه من نمط حياته الأميركي، وانفصاله عن زوجته ومأساته الشخصية، ولا يغفل عن انتقاد تصرفات الساسة الباحثين عن السلطة والمال ومصالح الشركات الكبرى التي تتحكم في مختلف مجالات الحياة الأميركية.

تقف هياء وجهاً لوجه أمام جمال الذي يتعامل بقسوة مع زوجته أمل التي كانت زميلة هياء، وكانت تسود بينهما مشاعر متناقضة، ويكون سجال عن الحب والحياة والفقد والأمل، ينطلق كل واحد منهما من بؤر مستعرة في ماضيه، يحاول إسقاط أفكاره على واقعه ورسم صورة متخيلة لذاته في مستقبله بعيداً عن هواجس الآخر، في الوقت الذي يكون الغرق في بركة الذكريات والمآسي.

تمر هياء بمتغيرات وأحداث كثيرة، وكذلك جمال، يكون التلاقي والفراق لهما بالمرصاد، ماضيهما المشترك وتعلقهما بأمّيهما وفقدهما لهما من المشتركات بينهما، وكذلك الوداع يكون فخاً لكليهما، تعترف هياء لنفسها بأنّ ندوباً كثيرة في قلبها شوهت مشاعرها لا تنفع معها عمليات التجميل، وتستعير مقولة الشاعر غوته وتقول إنّه كان يبدو على حق عندما قال “روحُ الإنسان تُشبه الماءَ، يأتي من السماء، ويصعد إلى السماء، ثم يعود من جديد إلى الأرض، على نحْوٍ مغايرٍ دوماً”. تشير إلى أنّ الأيام تمضي وهي تخسر كلّ شيء، وتتساءل بأسى “هل حلت علينا أنا وعائلتي لعنة واحدة.. أم لعنات؟”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر