الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

شارع المكتبات

لقد كانت أياما طيّبة، أتاحت لنا الانفتاح على المعرفة ومنحتنا فرص القراءة والاطلاع والحوار.

العرب حميد سعيد [نُشر في 2018/01/13، العدد: 10868، ص(14)]

منذ أيام، فتحت صندوق البريد الخاص بي، حيث أقيم في أحد أحياء عمّان، ومن عادتي أن أراجعه كل أسبوع، فأجد ما يصلني من ظروف بريدية، تضم كتابا أو مجلة، يبعث بها أصدقاء من أكثر من بلد وفي أكثر من مدينة، وقبل أن أغادر دائرة البريد، قلّبت ما وصلني في ذلك اليوم، فوجدت عنوان الصديق المرسل هو مدينة الحلة – شارع المكتبات.

أما مدينة الحلة، فهي مدينتي التي ولدت فيها وعشت فيها طفولتي وصباي وشبابي، وحين غادرتها إلى بغداد للدراسة الجامعية ومن ثم العمل، لم أنقطع عنها، إذْ كنت أقضي فيها أيام العطل والأعياد، حتى اضطررت إلى مغادرة العراق في خريف العام 2003.

لكن ما إن قرأت هذا العنوان، مدينة الحلة – شارع المكتبات، وهو العنوان الذي اختاره الشاعر شكر حاجم الصالحي، وراسلني عليه، حتى أعادني إلى زمن صار بعيدا، بما ظل من ذاكرتي منه، وما ظل يتفاعل في مخيّلتي.

كان هذا الشارع على امتداد عقود من الزمن، هو الشارع الرئيس في المدينة، غير أن بداية علاقتي به كانت مع بدايات خمسينات القرن الماضي، حيث كنت أمرّ به في الطريق إلى مدرسة الحلة المتوسطة، أربع مرات في اليوم الواحد، وأمر به كذلك في الذهاب والإياب، كلما ذهبت إلى سينما الفرات مع أقراني من أقاربي وأصدقائي.

في هذا التاريخ، كان في هذا الشارع خمس مكتبات، تضم واحدة منها، وهي المكتبة العصرية، مطبعة، يطبع فيها ما تحتاجه المدينة من إعلانات وبطاقات مناسبات وما إلى ذلك من شؤون عملية، وكان معظم هذه المكتبات يوزع الصحف المحلية والمجلات العربية، وتجد فيها الكتب التي تصدر في بغداد والقاهرة وبيروت ودمشق، ومن أكثرها اهتماما بالكتب الجديدة، مكتبة المعارف ومكتبة الفرات ومكتبة الفيحاء التي تغير اسمها بعد 14 يوليو 1958، إلى مكتبة الجمهورية.

أما مكتبة الرشاد، فهي أكثر اهتماما، بالقرطاسية وبيع وتصليح الأقلام الحديثة، واسم شارع المكتبات أطلقه عليه المواطنون، ولم يطلق عليه من قبل أي جهة رسمية.

ومما أود أن أقف عنده في معرض استذكار هذا الشارع، أن مدينة لم تكن كبيرة أيامذاك، وفي مرحلة زمنية مبكرة فيها هذا العدد من المكتبات، ويعرض كل منها أحدث الكتب الأدبية والعلمية والفكرية، ودواوين الشعر والروايات الموضوعة والمترجمة الصادرة في عدد من العواصم العربية، وكذلك المجلات مثل الرسالة والثقافة ومن ثم الآداب والأديب وجميع الأسبوعيات المصرية واللبنانية.

أما حين تصل الصحف من بغداد، وهي كثيرة، ولكل منها قرّاؤها، يزدحم الشارع وتزدحم واجهات المكتبات بهم، مع أن هناك أكثر من موزع لهذه الصحف يوصلها إلى المشتركين وغير المشتركين في الأماكن غير القريبة من شارع المكتبات، وكان الأكثر شهرة بينهم اسمه عباس، وهو شاب أخرس ونشيط وعلى معرفة بالصحف وتوجهاتها السياسية، وبقرائها وتوجهاتهم أيضا.

في أواسط الخمسينات، بدأت علاقتي ببعض أصحاب هذه المكتبات والعاملين فيها، إذ صرت أحرص على اقتناء الصحف من دون أن تكون لي صحيفة مفضّلة، وكنت أعرف يوم صدور الصفحة الثقافية لهذه الصحيفة أو تلك، فأقتنيها، ومعظمها صفحات أسبوعية، كما صرت أقتني المجلات الأدبية وبعض الكتب، ولأنني لم أكن قادرا على اقتناء كل ما أود قراءته، فقد صرت أتبادل الكتب مع عدد من أصدقاء تلك المرحلة، ثم صار أصحاب المكتبات يسمحون لي ولأصدقائي باقتناء الكتاب الذي نريد لندفع ثمنه في ما بعد.

لقد كانت أياما طيّبة، أتاحت لنا الانفتاح على المعرفة ومنحتنا فرص القراءة والاطلاع والحوار.

لذا من بعيد حيث أقيم الآن، أحيي شارع المكتبات كما عرفته، وأيامه المجيدة كما عشتها.

كاتب عراقي

حميد سعيد

:: مقالات أخرى لـ حميد سعيد

حميد سعيد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر