الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

ظلال القناصة

اللبنانيون غير مستعدين 'لفتح الدفاتر القديمة' حتى بعد مرور أكثر من أربعين عاما على الحرب، وإن طال هذا التعتيم على فظاعات ما حدث ستستمر الحرب مشتعلة تحت رمادها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2018/01/12، العدد: 10867، ص(17)]

كل منا له ظلّ قناص، وكل قناص هو والد لظله، قد تكون هذه الخلاصة من أهم ما تعلمته خلال الحرب اللبنانية، خلاصة تتجسّم أمامي من فترة إلى فترة لتؤكّد لي أن ما من أحد بريء من ظله، ومن كونه قناصا ينال من ذاته، وهو يصوّب بندقيته إلى رأس الآخر، مجهولة كانت أم معروفة هويته. كما أدركت أن في هذا التخالط تمرّسنا على كيف ينال الواحد منا من الآخر، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة السماح الرضية.

حضرت إلى ذهني تلك الأفكار بعد أن انتهيت من زيارة معرض “أضواء مراوغة” الذي أقيم في”بيت بيروت” منذ مدة قصيرة، زيارة كنت قد أقسمت بأن لا أقوم بها إلى “بيت بيروت” بعد حضوري إليه للمرة الأولى في تلك الليلة المشؤومة التي تم فيها افتتاحه، حينها لم يكن قد تمّ تحويل “البيت الأصفر” إلى متحف لذاكرة بيروت.

لم أكن أتوقع ليلتها أن هذا البيت المسكون بالأشباح الدافئة للضحايا ورائحة القناصين النتنة سيتحوّل في ليلة الافتتاح إلى همروجة ترفيهية تُكللها خطابات طنانة لرجال من عالم السياسة النتن، ومن هؤلاء من كانت له أو لوالده اليد الطولى في القتل والدمار.

لم أبق طول مدة الافتتاح، فقد أصابني الإعياء ووجدت نفسي أتخايل خروج شبح ما من أحد الجدران ليقتلنا جميعا، كنوع من تعبير أصدق مما رأيت عن “الوحدة الوطنية”.

ليلتها، من ضمن ما احتضنه هذا المكان، الذي بالكاد قادر على احتضان ذاته، عرض مسرحي للممثل رفيق علي أحمد الذي أطل ملثّما بشخصية قناص، ووصلات غنائية لنانسي عجرم ولمايا دياب.

لا أخفي أنني تلذّذت لبعض الوقت بالتناقض “الذابح” الذي كان يجتاح المكان، ثم خرجت مُلملمة شظايا ذاتي.

في لبنان طويت صفحة 17 عاما من القتال وتم إعلان عفو جماعي عن جميع الجرائم المرتكبة في الحرب، كوسيلة لوضع حد للعنف المستمر.

لا يزال لبنان يعيش فصول العفو السريالي الذي أوصل أبطال الحرب إلى الحكم ليمارسوا معاني المحبة في ما بينهم وتجاه الشعب وعلى وجوههم ترتسم ابتسامة السماح الرضية، فكانت الممارسة، ولا تزال عصرية ومُبتكرة، ولكن وفق منطق السنوات الخوالي.

أراد “بيت بيروت” أن يكون أول متحف لتوثيق الحرب، لكن هل نجح؟ إلى جانب بعض “حفلات الكوكتيل” الخاصة التي كانت تقام قبل الافتتاح الرسمي “للبيت” لم يكن لهذا المكان التوجه الثقافي الواضح وعزا البعض ذلك إلى “التقاتل” ما بين الفرقاء السياسيين اللبنانيين حول كيفية التعاطي مع الحرب وما يترتّب على ذلك من تسمية الأشياء بأسمائها، وما الغريب في ذلك والكل يعتبر ذاته بطلا في عينيه وفي عيون جماعته؟

في هذا السياق صرّحت المهندسة المعمارية منى حلاق بأن “أفضل ما يمكن تقديمه حاليا، هو استضافة ‘بيت بيروت’ لقصص شخصية لضحايا العنف وللمقاتلين القدامى، لأن اللبنانيين ليسوا مستعدين بعد لمواجهة ما حدث”.

اللبنانيون غير مستعدين “لفتح الدفاتر القديمة” حتى بعد مرور أكثر من أربعين عاما على الحرب، وإن طال هذا التعتيم على فظاعات ما حدث ستستمر الحرب مشتعلة تحت رمادها، أما بالنسبة لي سيظل هذا المبنى الوحش الحجري الذي انطلقت منه رصاصة قاتلة إلى رأس صبي يافع في الثالثة عشرة من عمره، كنا قد تعاهدنا أنا وإياه أن نغني أغنيتنا المفضّلة عند بلوغنا الخمسين من عمرنا، وفي نفس المكان الذي التقينا فيه، حيث أورق صيف 79 الحب الأول في براءة حديقتنا.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر