الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

دبلوم ربط الحذاء

سواء انتهى زمن دبلوم ربط الأحذية أم لا، فإن هذا الدبلوم ترسخ في الوعي الجماعي والذاكرة الجماعية للهولنديين، وترسخت معه شحنة الأحاسيس والنوستالجيا التي ميزت عصره.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2018/01/11، العدد: 10866، ص(21)]

أول شهادة أو دبلوم يتحصل عليه الطفل في هولندا هو دبلوم ربط أشرطة الحذاء. ويحصل الطفل على هذا الدبلوم في عمر خمس أو ست سنوات، أي في الفصل الأول الابتدائي بعد أن يجري اختبارا أمام معلمته يثبت خلاله أنه قادر على ربط أشرطة حذائه بمفرده. ورغم أن دبلوم غلق الجاكيت يليه مباشرة بعد أشهر قليلة، إلا أن دبلوم أشرطة الحذاء يبقى الأهم في مسيرة الطفل لأنه أول شهادة يحصل عليها في حياته.

هو عبارة عن دبلوم من الورق المقوى من حجم “A4”، مرسوم عليه حذاء بأشرطة ملونة ومكتوب عليه “الآن أستطيع أن أربط حذائي بنفسي، ثم اسم الطالب وفصله وتوقيع المعلمة وختم المدرسة”.

بعض العائلات تحتفظ بهذه الشهادة إلى الأبد، نظرا للقيمة الرمزية لها، وتتمثل هذه القيمة في أنها تنبه الطفل إلى مفهوم جديد يدخل حياته وهو أن مرحلة “التعليم الرسمي” قد بدأت فعليا، وأن سلسلة من الشهادات الطويلة لا تزال أمامه وعليه أن يحصل عليها الواحدة تلو الأخرى، منها شهادة غلق الجاكيت، ودبلوم السباحة في الفصل الخامس، ودبلوم سياقة الدراجة الهوائية النظري والتطبيقي الذي يجب أن يحصل عليه في الفصل السابع الابتدائي على أقصى حد.

يبدو الأمر ملتبسا لوهلة، ولأحدهم أن يقول ما دخل هذه الشهادات في التعليم؟ فالأطفال يذهبون للمدرسة ليتعلموا القراءة والكتابة والحساب!

ميزة التعليم الغربي أنه يحدث نفسه باستمرار ليتماشى مع متطلبات العصر واحتياجات الإنسان في زمن العولمة والإنترنت وتقدم التكنولوجيا، وهو يعلّم الطفل الحياة بالدرجة الأولى ولا يقتصر على المهارات الفكرية والنظرية، ولا يشبه في ذلك المناهج التقليدية التي تلقاها الآباء والأجداد.

مادة المهارات الجسدية من المواد الرئيسة في التعليم الأساسي وعلامتها فارقة، وهي المادة التي يتلقى من خلالها الطالب كل المهارات الجسدية المطالَب بتعلمها في هذه المرحلة والتي من ضمنها ربط الأشرطة، غلق الجاكيت، طريقة مسك القلم، طريقة الجلوس إلى الطاولة، الذهاب إلى الحمام بمفرده، إلى أن تأتي المهارات الأكثر تعقيدا ومن ضمنها السباحة وهي مادة أساسية يجب أن تختم بدبلوم “A” على الأقل، وسياقة الدراجة الهوائية، وهو أيضا دبلوم أساسي.

من المواد الأساسية الحديثة أيضا مادة: تكوين الشعور الاجتماعي، وهي مادة تهدف لبناء الذكاء الاجتماعي لدى الطفل عبر تدريبه على كيفية التعامل مع الآخرين، والاندماج وسط المجموعة وربط علاقات سليمة وإيجاد آليات التواصل المناسبة وحل المشكلات المترتبة على هذا التواصل.

اليوم يدور جدل في هولندا حول أهمية دبلوم ربط أشرطة الحذاء بعد تطور الصناعات وظهور أحذية عملية للأطفال لا تستغرق وقتا في ارتدائها، مزودة بسلسلة على الجنب أو بشريط لاصق قوي على الجانبين يطبق على بعضه. ويرى بعض منتقدي النظام التعليمي الحالي، أن الأولوية الآن يجب أن تذهب لدبلوم: فتح جهاز الكمبيوتر، ودبلوم الطباعة.

وسواء انتهى زمن دبلوم ربط الأحذية أم لا، فإن هذا الدبلوم ترسخ في الوعي الجماعي والذاكرة الجماعية للهولنديين، وترسخت معه شحنة الأحاسيس والنوستالجيا التي ميزت عصره، وأصبحت تشتق منه اليوم أمثلة في وصف الدراسات العليا التي لم تعد تجد صدى في سوق العمل مثلا فيقال “هذا تخصص ينتهي بدبلوم ربط الحذاء، أو في وصف الشهادات المتأتية من كورسات ودورات لا تفيد الطالب في شيء”.

كاتبة تونسية

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر