الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

ما جدوى الفلسفة

الفلسفة التي لا تعي ذاتها لا تتطور، بل قد تسيء إلى أفعالنا بسبب الأفكار المسبقة والآراء الخاطئة التي تحملها.

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2018/01/11، العدد: 10866، ص(15)]

الفلسفة في بلادنا العربية تكاد تنحصر في ذوي الاختصاص من مفكرين ومدرسين، أو من الطلبة بوصفها مادة مفروضة عليهم، أما عامة القراء فهم عازفون عنها، بدعوى أنها سفسطة لغوية، وبحث في الماورائيات، وتسلية ثقافية عقيم، أي أن الرأي الغالب هو أنها منفصلة عن مشاغل الناس، تبتكر مفاهيم ومصطلحات لا تفيدهم في شيء. ومن ثم لا يرون جدوى فيها ولا في مدّعيها، والحال أنها تمثّل إطارا لفهم العالم وتنظيم الحياة الخاصة، لأنها تقدم الأدوات التي يستطيع الإنسان بواسطتها اكتشاف الحقيقة، واستعمال عقله لتحسين حياته.

لقد نشأت الفلسفة منذ القدم كدراسة للمعنى العميق للوجود وطبيعة الإنسان في علاقته بهذا الوجود، ولم يكن لها من هدف سوى تعلم الكيفية التي يبلغ بها الإنسان السعادة، ومعرفة الحقيقة.

وكلتاهما متلازمتان يكمّل بعضهما بعضا، فلا يكون الإنسان سعيدا إلا في إطار الحقيقة التي هي معيار كل تقييم، باعتبار أن كل معرفة هي معرفة للحقيقة، ولا مكان للخطأ والصواب فيها إلا على ضوء الواقع الذي يحيلان عليه.

وتكتسي الأفكار الفلسفية أهميتها حين تضطرنا الحياة إلى الاختيار، ولكي تكون اختياراتنا حرة، وجب أن تكون دوافعها ووسائل تحقيقها عقلانية، مبنية على ما ساعدتنا الفلسفة على فهمه، وتبين أبعاده. فنظريات الماضي تجيب على تساؤلاتنا وتنير حاضرنا، لا سيما إذا كان أصحابها قد طرحوا الأسئلة التي نطرحها، والتزموا العقلانية التي نلتزم بها.

ثم إن الفلسفة على المنهاج السقراطي، “اعرف نفسك بنفسك”، و”كيف تعرف أنك تعرف”، يمكن أن تساهم في خلق الوعي النقدي، وحتى الفكر المناوئ للثقافة المهيمنة وموضات العصر. وحسب المرء أن يطرح أسئلة جوهرية ويحاول الإجابة عنها بعقلانية كي يكون عمله ذاك نوعا من الفلسفة.

يقول الكندي توماس دوكونينك “أن نختار بين أن نتفلسف أم لا هو نوع من التفلسف، لأن في ذلك عملية بحث. بل إن تقديم الحجج ضد الفلسفة هو تفلسف في حدّ ذاته. فعندما نقدّم الحجج ندّعي امتلاك نصيب من الحقيقة، وإلا فما الداعي حينئذ إلى الحجاج؟”، وفي رأيه أننا نمارس الفلسفة في حياتنا دون أن ندري.

بيد أن الفلسفة التي لا تعي ذاتها لا تتطور، بل قد تسيء إلى أفعالنا بسبب الأفكار المسبقة والآراء الخاطئة التي تحملها. ومن ثمّ وجب تحديد مبادئ عقلانية تؤلف منظومة متناسقة يمكن أن يتبنّاها كل فرد، على ضوئها يصير بوسعه أن يقارن المنظومات في ما بينها والتعرّف على المنظومات التي لا تتناسب مع ما يعتبره الأكثر عقلانية.

كاتب تونسي

أبو بكر العيادي

:: مقالات أخرى لـ أبو بكر العيادي

أبو بكر العيادي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر