الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

بصيرة نقدية

الناقد في غرب العالم العربي، تهيمن عليه الفكرة إلى درجةٍ تصرفه عن التفكير في ما عداها، بحيث يعسر عليه تذليلها للغة المتداولة.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2018/01/10، العدد: 10865، ص(15)]

يبدو أن الكتابة النقدية بمعنى ما، قبل أن تتصل بالمعارف والمفاهيم، هي قدرة على استعمال الكفاءات الوصفية والتحليلية والجمالية للغة، فبمتابعة بسيطة للخطاب النقدي في الحقول الإبداعية المختلفة يمكن وضع اليد على حجم التفاوت الحاصل بين الأصوات النقدية ونوعية الخطابات المتداولة استنادا إلى قاعدة “اللغة”، وهو تفاوت بدأت تتضح ملامحه -في الآونة الأخيرة تحديدا- بعد إدراك الخطورة التي باتت تشكلها اللغة النقدية في إشاعة الوعي النقدي أو انحساره؛ إدراك لم يكن سائدا في مرحلة سابقة، حيث شكل المضمون المعرفي، ومطامح “العلمية” المبالغ فيها، غاية وحيدة للناقد، ولم يعد لأسباب “التبيين” و”التأثير”، ووسائطهما القائمة على التشغيل الجمالي “للغة”، مكانة في عرف الناقد.

أتذكر في هذا السياق ملاحظة للناقد السعودي عبدالله الغذامي أدلى بها في محاضرة له بكلية الآداب بالرباط سنة 1999، مفادها أن الناقد في غرب العالم العربي، تهيمن عليه الفكرة إلى درجةٍ تصرفه عن التفكير في ما عداها، بحيث يعسر عليه تذليلها للغة المتداولة، وترجمتها في صيغ قولية بسيطة، فيغرق في الشرح، ويسرف في التجريد، وسرعان ما يعسر التواصل مع مقصوده، بله استمتاع به.

والحق أن هذه الملاحظة، على تزيّدها، لا تخلو من وجاهة، مردّها إلى كون الكثير مما كتب من تحليلات نقدية، لم يكن يلتفت إلى عمق المأزق الذي تمثله اللغة، وكان الهاجس منحصرا في التواصل مع منافذ الحداثة الغربية، واستلهام مفاهيمها، واستثمارها على نحو صحيح. وهو الجهد الذي أثمر دراسات على قدر كبير من الأهمية، بيد أن تأثيرها انحصر في دائرة ضيقة من المختصين، دون أن يمتد إلى الجمهور الثقافي الواسع، سوى مع مطلع القرن الحالي، حيث ستتحول اللغة النقدية إلى رهان أساسي، بعدما تقابلت لسنوات طويلة سمات التقعير والغموض في كتابات أكاديميين بنزوع إلى التعميم والاستطراد والثرثرة في مراجعات صحافيين.

المسألة إذن أخطر مما يمكن أن يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، بل لا ينبغي أن يصرفنا تهكمنا الدارج على سطحية العبارة النقدية في الصحافة، عما كرسته من علاقة مثالية مع قارئها، بل إننا إذا تجاوزنا التبسيط الفكري الغالب على لغة النقد الصحافي، فإنه تستوقفنا كتابات قوية بقدرتها على تحويل الفكرة النقدية إلى سبيكة لغوية مشرقة، عميقة، وسهلة المأخذ، لا يمكن أن أنسى في هذا السياق كتابات طه حسين نفسها التي نجّمت عبر منابر صحافية مختلفة، لسنوات طويلة، قبل أن تلتئم في كتب، من “حديث الأربعاء” إلى “خصام ونقد”، حيث تحوّلت اللغة النقدية إلى دائرة غواية تناظر في قوتها سحر النص الإبداعي، كما أضحت أساليب “التحليل” و”التقييم” و”التذوق” مدخلا إلى عملية تشكيل لفظي توازي في عمقها النص الإبداعي ذاته.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر