الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

ألعاب الموت

اللعبة الإلكترونية التهمت ضحاياها بالجملة وغرست أنياب الحوت الأزرق في جسد أطفال همهم إنهاء اللعبة دون الشعور بخطرها، يغوصون في أعماقها على أمل أن تمنحهم الجنة هدية لأهلهم نظير أن يكونوا هم قربانا للنار وللانتحار.

العرب فاتن معتوق [نُشر في 2018/01/09، العدد: 10864، ص(21)]

في صغرنا تعلمنا بساطة الحياة، استمتعنا ولعبنا ولهونا، وكانت كل دقيقة تمر نعيشها بحلوها ومرها لا يشغل عقولنا سوى اللعب والمرح مع الأصدقاء وأبناء الجيران.

كنا نلهو بألعاب نتشارك فيها متعة الحياة نركض ونختبئ دون كلل أو ملل، كانت لُعبنا الجميلة يدوية الصنع نصنعها ونحن فخورون برؤيتها كاملة نستمتع بها ونضعها بجانبنا عند النوم لنصحو على رؤيتها في صباح جديد.

ألعابنا صنعت منا جيلا مكافحا يعمل بجد ويسعى دوما إلى التقدم دون أن يفقد الأمل بقلب صبور وبعقل سليم. كبرنا وكبرت أحلامنا، وبقيت لُعبنا مصدر فرحتنا كلما تذكرناها.

كنا نطمح أن نورّث أبناءنا ما تعلمناه وما لعبناه، ولكن كنا نصطدم دائما بعبارات مثل "هذه ألعاب قديمة"، "زماننا غير زمانكم"، "ههههه" قهقهة السخرية.

جمل أصبحت تتردد على ألسنة أطفالنا، نفس العبارات ونفس الكلمات، لقد نشأوا على الإنترنت والبلاي ستيشن، تكنولوجيا جديدة جعلت عقولهم جامدة، غرست في نفوسهم الخمول، همهم الوحيد الضغط على الزر.

تكنولوجيا العصر، خنقت أطفالنا وشتت عقولهم وشلت حركتهم وأصبحت تتحكم فيهم وبهم، وهذا هو الخطر، الذي لا يمكن صده.

فالمواقع اليوم باتت تشكل وتظهر دون رقابة، فيديوهات وألعاب غيرت تفكير أبنائنا، وتصرفاتهم، كلها تدخل في خانة العنف والرعب والتعدي على القيم الإنسانية، آخرها لعبة الحوت الأزرق.

لعبة على شبكة الإنترنت تتكون من تحديات لمدة 50 يوما وفي كل تحد يطلب من اللاعب القيام بعمل ما كرسم حوت على يده بأداة حادة أو الاستماع إلى موسيقى تضعه في حالة نفسية كئيبة وغيرها من التحديات إلى أن يصل التحدي الأخير حيث يطلب منه الانتحار.

هذه اللعبة الإلكترونية التهمت ضحاياها بالجملة وغرست أنياب الحوت الأزرق في جسد أطفال همهم إنهاء اللعبة دون الشعور بخطرها، يغوصون في أعماقها على أمل أن تمنحهم الجنة هدية لأهلهم نظير أن يكونوا هم قربانا للنار وللانتحار.

“الحوت الأزرق” لعبة تعتمد على المعلومات الشخصية وتستغلها في انتهاك الخصوصية للاعب حتى تتمكن من غسل دماغه وتنويمه مغناطيسيا وشحنه بالأفكار السلبية، مثل الضياع والكراهية وبث الإحساس بعدم جدواهم في داخلهم.

خولة طفلة جزائرية كانت إحدى ضحايا اللعبة تركت رسالتها الأخيرة ولم تدرك أن الحوت الأزرق لعبة ذات بعد أيديولوجي تدفع نحو المجهول بالإغواء والإغراء. وغيرها من أطفال مدن دول عربية؛ جدة بالسعودية وتونس والمغرب… والقائمة تطول.

وقد سارع مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحذير الأولياء حول خطورة هذه اللعبة ودعوتهم إلى مراقبة استخدام أبنائهم لشبكة الإنترنت، ولكن هل تكفي هذه التحذيرات لحماية الأطفال؟

لماذا لا تتدخل شركات الإنترنت في وضع حد لهذه اللعبة القاتلة، وحظرها من طرف شركة غوغل من أجل تفادي تأثيرها على حياة الأطفال وسلوكهم.

ولكن يبقى عدم ترك الأطفال طويلا أمام الكمبيوتر أو الأجهزة النقالة والبحث عن بدائل مفيدة لهم كمشاركتهم في أنشطة اجتماعية ورياضية وثقافية وعدم إحساسهم بالملل قد تكون من العوامل التي وجب توخيها لتجنب أي خطر يتعرضون له من الشبكة العنكبوتية.

فكثرة استخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية تجعلهم يميلون إلى العزلة والانقطاع عن العالم للبحث عن عالم آخر يستطيعون من خلاله إبراز شخصيتهم وأفكارهم.

والألعاب الإلكترونية بصفة عامة، أصبحت شائعة ومنتشرة بين الأطفال والمراهقين وهذا الانتشار جعل خطرها يزداد أكثر فأكثر، ويهدد حياة كل براءة استسلمت لها لتدق ناقوس الخطر، إلى أين يا ترى؟

صحافية من تونس

فاتن معتوق

:: مقالات أخرى لـ فاتن معتوق

:: اختيارات المحرر