الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

احذروا زيف الأخبار

تؤكد كل البحوث الإعلامية ونظريات التلقي بأن الإعلام الأفضل هو إعلام الحقائق الذي يبتعد عن الزيف والتلفيق والتطبيل ودق طبول الحرب، ودفع الناس إلى الصدامات.

العرب صباح ناهي [نُشر في 2018/01/08، العدد: 10863، ص(18)]

ما من أحد أعرفه إلا وأجده متشككاً في ما يُنشر، ويسألني عن مدى مصداقية الخبر الذي سمعه أو قرأه وما هي بواعث نشره بهذه الطريقة أو تلك، وكيف تجري الأمور حقيقة؟

أدركت أن الناس تضع خطوطاً للرجعة في ما يُبث حول أغلب الملفات التي تتداولها الصحافة، بل يسألونك كمختص في علوم الأخبار عما سيحدث، ليقرروا مشاريعهم في الحياة، وكأنك تتحمل عبء تقدير خلفيات الأخبار وصدقيتها.

أعود لمكتبي متأملاً، لأقرأ عن التطور الأكاديمي للأخبار، ولماذا يتشكك متلقو الأخبار مما تبثه الوسائل والوسائط معاً، وكأن الدنيا قد امتلأت بالأخبار الملفقة، حيث يجزم الكثير من الباحثين في علوم الاتصال بأن سطوة فكرة “الخبر السيء هو الخبر الجيد” لوسيلة الاتصال، بجعل الناس تتطير من متابعة الأخبار وتعزف عن سماعها، وتذهب لمحطات “الانترتيمنت”- التسلية، لأن الأخبار ما عادت تسر الناس، بل هي استنزاف مستمر للطمأنينة المجتمعية التي يهددها كل لحظة سيل الأنباء الجارف، والذي يجعلك توشك أن تفكر كل لحظة بما سيؤول إليه وضعك الشخصي.

بعض المدن التي يكتب ويبث وينقل عنها أخبار تكاد أن تحاط بهالة أو مذنب من غبار الأخبار التي تصورها وكأنها تلفظ الموت كل لحظة وكأن أيامها معدودة، وقد انعدمت فيها الحياة، في وقت يخرج ناسها للأسواق، ويحتفلون ويشترون أشجار الميلاد، ويقيمون الأعراس والمآدب، غير مبالين بـ”الفريم” الذي وضعوا فيه.

دون أن تدرك أنك تحت ما يسميه الفقه الإعلامي نظرية تجزئة الواقع (والتي تعمل على تجزئة الواقع بإلقاء الضوء على بعض الأحداث وإهمال البعض الأخر تبعا لسياسة المؤسسة الإعلامية وسوق النشر)، أو تعمد على تبني الشخصنة، وتعليق كل الآثام التي تروّجها، على بعض الزعامات، كما اختزلت دعاية الحلفاء قبيل غزو العراق بشخص الرئيس صدام حسين، لتسوغ الاحتلال والتفسير المنطقي لما يحدث في هذا المتغير، بأنها حملات وإن كان بعضها غير منظمة، أو مخطط لها بعناية.

إن زخم البث الفضائي أو السمعي، ترافقه سحابة بث موجهة إزاء منطقة محددة، هي أقرب للقصف المستمر لتلك المنطقة، وهو قصف لعقول وقلوب المتلقين معاً، الذين تمتلئ مخيلتهم بالأنباء الكفيلة بخلق صورة نمطية معينة، هي خليط من الدعاية والحرب النفسية وغسيل المخ والتسميم السياسي، الذي ينتج تلك الهالة الضبابية المغبرة، التي تمحي الصورة الأصلية، التي يعيشها ذلك الصديق في الطرف الآخر من المدينة أو البلد المنكوب والمستهدف دعائياً وهو الأقرب للحقيقة.

ولكن هل ثمة معايير دولية وأخلاقية تحول دون، ألاّ يحدث ذلك!؟

والإجابة ببساطة، كلا، لأن الأمر يتعلق بمدى الالتزام الذي تفرضه المؤسسات الإعلامية على نفسها طوعاً أو كرهاً، مقرونة بقوانين النشر والبث، التي في الغالب توضع على الرف وقت الأزمات، لأن الأهداف السياسية هي التي تطغى على المشهد، وتلزم الوسيلة بأهداف مموليها، أو سياسة دولتها، أو نمط الأخلاقيات التي اعتمدتها.

هل يستمر الحال على ما هو عليه؟ وتخضع بعض المناطق من العالم لكل هذا الحيف!؟ والإجابة تتضح وتتبلور في ما عمدت إليه، دول شتى ما كانت معنية مباشرة بملفات محددة، مثلاً في الشرق الأوسط، حتى اكتوت بما ينتجه هذا الشرق المحتدم من نثار شظاياه، التي وصلت إليه، أو تعقيد المصالح الذي فرض ضرورة أن تمد ببصرها إلى أسواقه كونه مستهلكا شرهاً وشعوبه المتناحرة قسراً وثقافاته التي تخضع للتحديات، بحكم مسلمة أن العالم تخطى القرية الإلكترونية ليصبح بحجم الكف، وأن انتقال البشر عبر الإنترنت، ألغى مفاهيم السيادة، وقداسة حدود البلدان، فعمدت أن يكون لها منصات تطلق منها رسائلها السياسية والثقافية وتدافع عن أدوارها في الشاشة الصغيرة والكبيرة معاً.

وتؤكد كل البحوث الإعلامية ونظريات التلقي بأن الإعلام الأفضل هو إعلام الحقائق الذي يبتعد عن الزيف والتلفيق والتطبيل ودق طبول الحرب، ودفع الناس إلى الصدامات، ومحاولات تجزئة البلدان وهز ولاءات شعوبها، بل سينعكس حتماً على متبنّيها ومروّجيها، لأن الحقيقة لا تجزأ أبداً، وإن ضاعت أثناء إثارة الغبار الدعائي الترويجي المقنّن، بفعل وعي الناس وامتلاكهم قدرة التمحيص والمقارنة مما جعلهم يحّكمون الأخبار ويفتشون عن مصادرها وبواعثها، ويسقطون الكثير من جملها، ويزدرون النعوت، والتوصيفات المشينة، وراحوا يصنّفون الإعلاميين بين مُنصفين وآخرين مطبّلين، وذهبوا بعيدا ليروا الحقائق من زوايا محايدة لكي يعلموا ماذا سيحدث، بل لماذا يحدث.

كاتب عراقي

صباح ناهي

:: مقالات أخرى لـ صباح ناهي

صباح ناهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر