الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

ظمأى على حافة البئر

كان الحفّارون عندما يظمأون يرسلون واحدا منهم لجلب سطل مياه عذبة، وينتظرون في فترة استراحة، وكلما يَلوح في الأفق الشخص الآتي بالسقاية، متبخترا كأنه جلب لأصحابه شرط الحياة والديمومة.

العرب عدلي صادق [نُشر في 2018/01/07، العدد: 10862، ص(24)]

كان أبوالعبد، قبل الزج به في السجن، يعمل حفّارا للآبار، علما وأنه تقلّد في خواتيم مرحلة الحفر وبمحاذاتها مهمة قيادية في قطاع غزة. ولعل الإشارة إلى مكان أداء المهمة تكفي لمعرفة نوعها.

ربما من باب التكتم، ظل الرجل يُحدّثنا عن شقاء الحفر وصولا إلى مخزون المياه الجوفية، أكثر بكثير من حديثه عن شقاء ومفارقات عمله الطارئ. ولم تخلُ الحكايات من فقرات شيّقة، تُستعاد كلما جاءنا مستمعون جُدد.

يبدأ الحفر بالرفوش والفؤوس. يتوغل الحفّارون في الأرض، ببطء وصبر. لم تكن هناك آلات. ففي السياق النازل، تُرفع الرمال والحجارة، بالقفاف والحِبال، في عمل دائب. وكان الهدف البعيد هو الوصول إلى ما يسمّيه أبوالعبد “الفَجْرة”، أي قشرة الصخر السميكة التي تغطي مخزون المياه، كما في الأراضي الجافة وغير الرطبة.

لا يَعرف الحفّارون متى وإلى أي عمق يصلون. لكنهم عندما يصلوا، وتَحُل البهجة، سرعان ما تَطرُق الفؤوس قشرة الصخر، بحماسة وسعادة، لكي تتفجر المياه الحبيسة، صاعدة إلى أعلى. يبدأ التدفق شبيها بخيوط النوافير الصغيرة التي تزدان بها المنازل الهانئة، ثم يتغالظ، ليبدأ انتشال الحفّارين بالحبال، وآخرهم أبوالعبد.

قبلها، يكون البناؤون قد التحقوا بالحفّارين لإحاطة البئر المحفورة بالطوب والأحجار، حفاظا على جوانبها من الانهيار. فمن يظفر بالنعمة، عليه أن يحميها، وأن يحتاط لزوالها.

لا نعلم ما الذي جعل الرجل، يميل إلى نظم الشعر، دونما علم بالنحو أو اعتياد على الفُصحى. لعل شُح المستمعين وبطء حراك الناس في السجن قد أصاباه بالضجر، فجعلاه يحفر لنفسه قصائد من أبيات يحاول في كل منها تخليق القافية، قرينة الوزن، على أن ينسجم النَظم، في مقاطع صوتية مُنظمة. لعل الحب الذي تكتم عليه، طليقا وحبيسا، قد ذهب به إلى الشعر، ليتبدى الغرام من خلال الوضوح السمعي للقصائد، بملمحها الكاشف. فعندما يستمع السجين إلى النطق بالحُكم بالحبس المؤبد، يتحول غرامه إلى ذكرى، وبلغة الشعر، تصبح القصائد نعوشا، وتُستذكر محاسن الموتى، ولا أهمية عندئذ للنحو.

كنا، أيامها، بصدد آبار صديقنا وشقاءات حفرها. وكان الحفّارون عندما يظمأون يرسلون واحدا منهم لجلب سطل مياه عذبة، وينتظرون في فترة استراحة، وكلما يَلوح في الأفق الشخص الآتي بالسقاية، متبخترا كأنه جلب لأصحابه شرط الحياة والديمومة؛ كان المنتظرون على حافة البئر، يتهللون كمن أطفأوا ظمأهم قبل أن يشربوا. اليوم، باتت غزة كلها، بئرا ليست لها “فَجْرة”. الرمل كثير والعمر قصير، ولا سطل يطفئ الظمأ.

عدلي صادق

:: مقالات أخرى لـ عدلي صادق

عدلي صادق

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر