الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

فينغر العتيق

اليوم لم يعد أمام فينغر العنيد والمحافظ على كل شيء عتيق سوى حليّن فقط، إما السير مرة أخرى على خطى فيرغسون، أو التخلي نهائيا عن كل عاداته القديمة ويصبح أكثر مرونة في التعامل مع متطلبات العصر الراهن.

العرب مراد البرهومي [نُشر في 2018/01/07، العدد: 10862، ص(23)]

حقق المدرب الشهير أرسين فينغر الأسبوع الماضي إنجازا تاريخيا وحطم رقما قياسيا كان بحوزة أسطورة مانشستر يونايتد السابق المدرب أليكس فيرغسون، حيث بات أكثر مدرب يقود فريقه في منافسات الدوري الإنكليزي الممتاز برصيد تجاوز به فيرغسون الذي أشرف على اليونايتد في 810 مباراة.

إنجاز سيخلّده التاريخ، ومن الصعب أن ينجح أي مدرب على المدى القريب، أو ربما البعيد أيضا، في أن يصل إلى رقم فينغر بما أن الأخير ما زال أمامه الكثير من المباريات التي سيقود خلالها الأرسنال في الدوري الممتاز.

هو إنجاز سيدعم مسيرة المدرب الفرنسي البالغ من العمر 68 سنة، فهذا المدرب “العجوز” يقود “المدفعية” للسنة الثانية والعشرين دون توقف، وتحديدا منذ سنة 1996، حقّق خلالها بعض الإنجازات وحطّم عدة أرقام قياسية ودوّن مجدا لم يسبق أن حقّقه أي مدرب آخر مع الأرسنال.

فينغر قاد الأرسنال للحصول على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز في ثلاث مناسبات، وفاز بكأس إنكلترا سبع مرات وكأس الدرع الخيري في سبع مناسبات أيضا، والأكثر من ذلك أن فينغر توّج مع الفريق بلقب الدوري الممتاز سنة 2004 دون أن يتلقى معه أي خسارة، وهو إنجاز لم يحقّقه أي مدرب آخر إلى اليوم.

مع المدرب فينغر ضمن الأرسنال المشاركة في دوري أبطال أوروبا خلال 19 موسما متتاليا، وهو إنجاز غير مسبوق أيضا في تاريخ النادي، فحقّ له أن يكون أحد أبرز أساطير النادي وأكثرهم تأثيرا في المسيرة التاريخية لأرسنال.

لقد سار هذا المدرب الفرنسي على خطى فيرغسون الذي بقي زمنا طويلا مع مانشستر يونايتد قبل أن يقرّر الاعتزال، وظل محافظا على مركزه بعد أن رفض في سنواته الأولى مع الفريق اللندني عدة عروض لتدريب فرق كبيرة أخرى على غرار ريال مدريد، وأصرّ على أن يبقى رمزا للوفاء والاستمرارية، فمن طبع فينغر عدم ميله للتغيير، والدليل على ذلك أن تجربته الفرنسية الناجحة قبل القدوم إلى إنكلترا استمرت طيلة سبعة مواسم متتالية مع موناكو.

استمرت هذه “الزيجة” الناجحة بين الطرفين لسببين اثنين، أولهما، أن الفريق حقّق نجاحا باهرا في السنوات الأولى، وثانيهما “الفلسفة” التدريبية لهذا المدرب الذي يميل في المقام الأول إلى اكتشاف اللاعبين الشبان ومنحهم ثقته المطلقة، وهو ما مكّن الفريق من الاستفادة بشكل كبير للغاية من لاعبين صغار السن لم يكلفوا خزينة النادي أموالا طائلة.

نجح فينغر في النصف الأول من تجربته المستمرة مع “الغانرز”، ونال اعتراف الجميع بفكره التدريبي الجيّد الذي خوّل له مقارعة السير أليكس فيرغسون، فنجاحه في بثّ روح الشباب صلب الفريق وأسلوبه التدريبي الذي يركّز أساسا على إيلاء الجانب الهجومي الأولوية القصوى، قاده إلى تحسين صورة النادي الذي برز معه أوروبيا، وتمكّن من الوصول إلى نهائي دوري الأبطال ذات مرة.

واصل فينغر السير على هذا الدرب، لم يغيّر شيئا وظلّ وفيا لأسلوبه القديم والعتيق حتى وإن كانت النتائج غير مرضية دوما، حافظ هذا الفني على كل شيء ولم يتغيّر في الفريق سوى الأسماء، فمع رحيل عدد من اللاعبين بسبب تقدّمهم في السن، كان أرسين يأتي بلاعبين شبّان ويمنحهم الثقة الكاملة، لكنه لم يغيّر أفكاره ولم يواكب التطوّر الملحوظ في الأساليب الفنية والتدريبية الجديدة، فتلقى الصفعة تلو الأخرى، غير أنه لم يستوعب الدرس.

لقد تناسى فينغر الذي حافظ على فكره التدريبي التقليدي العتيق أنّ الأساليب التدريبية القديمة لم تعد تجدي نفعا في هذه الحقبة، لم يعد اليوم من الممكن المراهنة على روح الشباب فحسب أو التركيز المطلق على الهجوم وتجاهل تأمين الجوانب الدفاعية.

خلال منتصف العشرية الأولى من هذه الألفية الثالثة، قدم مدرب متحمّس وتولى تدريب تشيلسي، ساد الاعتقاد لدى فينغر أنه سيهزم منافسه “بالضربة القاضية”، لكن حصل العكس ونجح ذلك المدرب الشاب، جوزيه مورينهو، في قيادة تشيلسي إلى هزم الجميع بمن في ذلك فينغر وحاز لقب الدوري. وتواصل صراع المدرّبين على امتداد أغلب السنوات الأخيرة، وفي المجمل عاد التفوّق للمدرب الشاب على حساب المدرب “العتيق”.

خلال المواسم القليلة الماضية تعالت أصوات أحباء أرسنال المعارضين لمواصلة فينغر الإشراف على فريقهم، فالسنوات السبع العجاف صبغت أجواء النادي، وحان وقت التغيير، لكن الإدارة رفضت التغيير وآثرت السير على إيقاع هذا المدرب بأسلوبه القديم.

جاء بعد مورينهو مدربون جدد يتّقدون حماسا، وحل ركب الإيطالي أنطونيو كونتي الذي قاد في الموسم الماضي نادي تشيلسي للحصول على اللقب، والسبب في ذلك يعود إلى أن هذا المدرب متشبّع بالفكر التكتيكي الإيطالي المرتكز على تأمين الجوانب الدفاعية، فحقّق النجاح في غفلة من فينغر العتيق.

في هذا الموسم بدأ الإسباني بيب غوارديولا يحصد ثمار فكره التدريبي المتطوّر المعاصر الذي سيؤهله، ربما، مع فريقه مانشستر سيتي للسير بسرعة “جنونية” نحو اللقب وسط ذهول فينغر المترنّح.

واليوم لم يعد أمام فينغر العنيد والمحافظ على كل شيء عتيق سوى حليّن فقط، إما السير مرة أخرى على خطى فيرغسون، أو التخلي نهائيا عن كل عاداته القديمة ويصبح أكثر مرونة في التعامل مع متطلبات العصر الراهن، أما البقاء على الربوة وانتظار ثمرة “طائرة”، فإنه سيكون بالضرورة عملا عبثيا لا يقوم به سوى أصحاب الفكر المتكلّس والقديم.

كاتب صحافي تونسي

مراد البرهومي

:: مقالات أخرى لـ مراد البرهومي

مراد البرهومي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر