الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

لا أحد يريد كلود سيمون

الأخبار المتوالية واللاهثة التي تداهم الأفراد من كل حدب وصوب أصبحت سببًا في تسارع نبضهم وأفقدتهم استرخاءهم القديم وألقت بهم في أتون المعلومات المتلاطمة.

العرب محمد حياوي [نُشر في 2018/01/07، العدد: 10862، ص(11)]

ما فتئت معايير النشر والقراءة والسلوكيات والطقوس المصاحبة لها تتغير باضطراد، كلّما أوغلنا بالزمان، فذائقة قارئ الخمسينات والستينات من القرن الماضي هي غيرها في عصرنا الحديث، وربما تكون الأسباب معروفة للجميع وأخضعت للمناقشة والدراسة والتحليل في الكثير من الدراسات النقدية التحليلية التي تستقرئ مستقبل القراءة والثقافة عمومًا.

لكن المختلف والمثير للانتباه والاستغراب هذه المرة، هو رؤية الناشرين للأدب واختلاف معايير وأحكام الجوائز الكبرى المخصصة له، مثل نوبل التي مُنحت في العام 1985 للكاتب الفرنسي الشهير كلود سيمون (1913 – 2005)، وهو كاتب لا يختلف إثنان على مكانته وعظمته في عالم الأدب، إذ قالت عنه لجنة نوبل آنذاك إنّه “كاتب أبدع في أسلوب الكولاج والمزج بين الشعر والسرد والرسم وصاغ روايات كشفت عن وعي عميق بالأحداث والقضايا المصيرية التي تواجه الإنسان”.

كلود سيمون هذا، وفي خبر نشرته وكالة الأنباء الهولندية قبل أيّام، رفضت أكثر من عشرين دار نشر مختلفة إعادة نشر روايته “القصر”، التي كتبها في العام 1962، وكانت محل جدل نقديّ طويل ومعقد وقتها، فقد أرسل صديقه الكاتب والناقد الفرنسي سيرج فول مخطوطة الرواية بعد مراجعتها، وحسب الوكالة الهولندية فقد كان الحكم مدمرًا، بعد أن رفض إثنا عشر ناشرًا الفكرة واعتذروا عن نشرها.

بينما لم يكلف السبعة الآخرون أنفسهم حتى عناء الردّ على رسالة سيرج فول، وأوردت الوكالة مقتضبًا لأحد محرري تلك الدور يقول فيه: إن الرواية تضع القارئ في متاهة معقدة للغاية نتيجة للجمل الطويلة التي لا نهاية لها، كما أنّها تفتقد للحبكة الدقيقة ووضوح معالم الشخصيات. وقال سيرج فول معلقًا على هذا الرفض الواسع إنّه يشير بشكل واضح إلى أن معايير النشر اختلفت اختلافًا كبيرًا في زماننا، وباتت الأعمال الأدبية الصعبة والعميقة لا تستهوي الناشرين، الذين هم بدورهم مؤشر على ذائقة الجمهور وتوجهاتها.

ويعد كلود سيمون بالنسبة إلى الكثيرين أحد آباء الرواية الفرنسية الجديدة، وكان معروفًا بسرده المتداخل وجمله الطويلة التي تستغرق في بعض الأحيان صفحات عديدة. وتدور أحداث روايته “القصر” إبان الحرب الأهلية الإسبانية.

وتوفي سيمون عن عمر ناهز الـ91 عامًا، بعد عشرة أعوام بالضبط من تاريخ حصوله على جائزة نوبل، تاركًا إرثًا روائيًا كبيرًا ما زال يثير الجدال والخلاف. ويعتقد الكثير من النقاد، لا سيّما الفرنسيين منهم، أن تأثر سيمون الواضح ببروست وفوكنر لجهة اعتماده مفهوم الزمن كمنصة ثابتة للأحداث وانشغاله ببنيوية العمل السردي المستند إلى الجمل الطويلة والاستطراد وعدم الاهتمام بعلامات التنصيص أو التوقف والقطع، وهو الأمر الذي جعل من رواياته متاهات ثقيلة ومتعبة ويصعب تتبعها أو حتى قراءتها.

ولعل ما يعنينا من درس كلود سيمون هذا، هو اختلاف مزاج القارئ المعاصر واهتمامات الناشر، الذي لا يتردد برفض أيّة أعمال أدبية قد لا يحبّها القارئ ويثقل تسويقها، حتى لو كان كاتبها فائزًا بجائزة نوبل، التي اختلفت معاييرها هي الأخرى، بعد أن مُنحت في سنوات لاحقة لكتّاب شديدي الوضوح والواقعية وتوظيف الخيال الخلاق مثل غابرييل غارسيا ماركيز وغيره.

وتبقى قضية التجريب المبالغ فيه قضية محفوفة بالمخاطر قد تفقد السرد روحه وتجعل من العمل الروائي مخاضة لغوية لا يقوى القارئ المعاصر، الذي تربى على الاختزال والسرعة، على تحملها، كما أن الإيقاع البطيء للأحداث ويوميات الناس وطبيعة العلاقات المسترخية التي كانت شائعة منتصف القرن الماضي، قد اختلفت جذريًا في زماننا، وأصبحت الأخبار المتوالية واللاهثة التي تداهم الأفراد من كل حدب وصوب وبسرعة مهولة سببًا في تسارع نبضهم وأفقدتهم استرخاءهم القديم وألقت بهم في أتون المعلومات المتلاطمة.

كاتب من العراق

محمد حياوي

:: مقالات أخرى لـ محمد حياوي

محمد حياوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر