الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الاسم وظله

إذا كان الكاتب، في حالة الأسماء المتشابهة، لم يختر اسمه البيولوجي، فإن الأخطر من ذلك هو أن تتشابه عناوين الكتب.

العرب حسن الوزاني [نُشر في 2018/01/06، العدد: 10861، ص(15)]

لم يستطع الشاعرُ المغربي عبدالمجيد بن جلون أن يخفي خيبة أمله وهو يفاجأ بصورة الطاهر بن جلون تعلو خبر تكريمه من طرف مؤسسة ثقافية، وهو الذي ظل، خلال عقود، يقاوم بصمت سلطة أكبر لاسم كاتب آخر، ليس غير عبدالمجيد بن جلون، أحد مؤسسي الكتابة القصصية بالمغرب والشهير بمجموعته “وادي الدماء”.

والأكيد أن عبدالمجيد بن جلون ليس الأول ولا الأخير الذي يجد نفسه مجبرا على التعايش مع شبيه له. إذ تبدو الحالات متعددة. ثمة من يضطر إلى التنازل عن اسمه لكي لا تختلط النصوص الأنيقة بغيرها، وثمة من يتقاسم نجاحاته مع الآخر، وثمة من يقتات من الالباس لكي يعيش على نجاحات الآخرين.

وخارج هذه الحالات، التي يجد فيها الكاتب اسمَه متنازعا عنه مع كاتب من السابقين أو من اللاحقين، يختار آخرون بمحض إرادتهم أو مجبرين التخفي وراء أسماء مستعارة، قد تغطي على أسمائهم الحقيقية، وقد تنسج، في الكثير من الأحيان، حياتَها الخاصة، منازعة اسمَ ووجودَ الكاتب الحقيقي.

ولعل حالة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا هي الأكثر دلالة في هذا الإطار، حيث واظبَ، منذ طفولته على تخيل أصدقاء لم يوجدوا أبدا، وكان بإمكانه، كما يعترف بذلك، أن يتبين وجوهَهم وقاماتهم وألبستهم وحركاتهم. بل إن بيسوا كان يتلقى رسائل من صديقه المتخيَّل، شوفالي دو با، الذي خلقه منذ السادسة من عمره. ولم يكن كاتب الرسائل الحقيقي غير بيسوا نفسه. كما يعترف بذلك. لم يكتف فرناندو بيسوا بذلك، بل إنه خلق جوقة من الأسماء التي جاوزت السبعين والتي كان يوقع بها أعماله، مع حرصه على منح كل اسم حياتَه الخاصة وطبائعَه المختلفة واستقلاليةَ قراره.

ولا يمر تشابه الأسماء والخلود إلى الأسماء المستعارة دون حوادث. والحالات كثيرة، حيث جرت العادة، على سبيل المثال، كما أشار إلى ذلك فؤاد سزكين، على نسبة كتاب “بشارة المصطفى”، وهو كتاب في التشيع، إلى ابن محمد بن جرير الطبري السنّي بدل محمد بن جرير الطبري الشيعي. ولعل هذا الأمر هو الذي يفسر الاهتمامَ بصناعة معاجم الأعلام، وأيضا بضبط مداخل الأسماء على مستوى الفهرسة، وهي العملية التي تتولاها، اعتبارا لأهميتها، المكتباتُ الوطنية.

إذا كان الكاتب، في حالة الأسماء المتشابهة، لم يختر اسمه البيولوجي، فإن الأخطر من ذلك هو أن تتشابه عناوين الكتب. الكاتبة الأميركية جيل ماككوركل والانكليزية كات أتكسون أصدرتا، مؤخرا، في تاريخين لا يفصلهما سوى أسبوع، روايتين تحملان العنوان نفسه “الحياة بعد الحياة”. أما كاتب بحجم ميشيل هولبيك فقد اختار أن يمنح لروايته “الخارطة والأرض”، الحائزة على جائزة الكونغور سنة 2010، عنوانا يعود لكِتاب آخر لكاتب مغمور اسمه ميشيل لوفي. ويبدو أن هولبيك فعل ذلك من باب الإفراط في التناص. وذلك أبغض الحلال.

كاتب مغربي

حسن الوزاني

:: مقالات أخرى لـ حسن الوزاني

حسن الوزاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر