الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

'شريعة، أمة، حلال' مفردات تدخل قاموس الإسبانية وتفتح أبواب التأويل

  • ما فعلته الأكاديمية الملكية الإسبانية حين أضافت عبارات إسلامية رسميا إلى قاموس اللغة الإسبانية، يعدّ جهدا يتسم بالأمانة العلمية، لكنه يطرح العديد من الأسئلة المتعلقة بما تركه الإسلام السياسي من تفاعل مع اللغة ككائن حي، فضلا عن خطورة وحساسية وتأويلات هذا الأمر مما يزيد من عزلة الإسلاميين ككائنات لغوية متطرفة.

العرب طه زيادة [نُشر في 2018/01/12، العدد: 10867، ص(13)]

الأكاديمية لم تفعل إلا ما يجب فعله

مدريد - عن قوة الكلمة يقول العالم والمفكر الكبير نعوم تشومسكي،إن “الكلمة لها قدرة هائلة على التحول المستمر، وبقدر قوتها على التشكل والتطور وتوليد المعاني والمشتقات، كانت قوة ثقافة اللغة التي تعبر عنها”.

وبالفعل اللغة وعاء كبير، فبقدر مرونته واتساعه لاستيعاب المزيد من المفردات والمعاني، كانت قادرة على التصدي للمزيد من التحديات التي تفرضها كل حقبة من الحقب التي تتوالى عليها وتزيد من حصانة هوية الثقافة والمجتمع اللذين يستخدمانها في التعبير عن متطلباتهما وفقا لكل مرحلة.

من هذا المنطلق تحرص الأكاديمية الملكية الإسبانية للغة على الاجتماع بصورة دورية ومنتظمة لبحث التطورات التي تطرأ على لغة المجتمعات والمستجدات التي يتعين عليها مواكبتها، من أجل تطوير قواميسها سواء لإضافة مفردات جديدة شاع استخدامها شعبيا وثقافيا أو لحذف مفردات لم تعد مستخدمة أو تراجعت من الوعي الجمعي لمستخدمي هذه اللغة.

ومع شيوع استخدام مفردات مستقاة من الثقافة الإسلامية في وسائل الإعلام وعبر شبكات التواصل الاجتماعي مثل “شريعة” و“حلال” و“الأمة “، قررت الأكاديمية الملكية الإسبانية خلال اجتماعها السنوي الأخير المنعقد هذا الشهر، إضافة هذه المصطلحات وتبنيها ضمن قاموسها بصفة رسمية، لتصبح هي وغيرها، من المفردات التي تعبر عن مكونات محورية في الثقافة الإسلامية، ويعتبر هذا هو التعديل الأول على النسخة رقم 23 من القاموس والصادرة عام 2014، بمناسبة مرور 300 عام على إنشاء الأكاديمية، ويعتبر هذا القاموس ثمرة تعاون وتنسيق بين أعضاء تجمع أكاديميات اللغة الإسبانية في العالم ومقره المكسيك، ويضم 24 أكاديمية موزعة بين إسبانيا وأميركا اللاتينية، والفلبين وغينيا الاستوائية في قارة أفريقيا، حيث يصل تعداد الناطقين بالإسبانية إلى أكثر من 400 مليون نسمة.

قرارات الأكاديمية لا تعد مجرد اعتراف بوجود مفردة مستعارة من لغة أخرى، بل تتبنى هذه المفردة وتسجلها في القاموس

وفقا لقرارات الأكاديمية، تتضمن تعديلات هذا العام ثلاثة آلاف وثلاث مئة وخمس وأربعون مفردة (3345) ما بـين الإضافة والحذف والاشتقاق والشرح والتوضيح، يمكن التعرف عليها مجانا من خلال زيارة مـوقع قاموس الأكـاديمية على شبكـة الإنترنت.

وخلال مؤتمر صحافي عقد في الـ22 من الشهر الماضي، قدم رئيس الأكاديمية الملكية الإسبانية للغة البروفيسور داريو بيا نويبا، وعضو الأكاديمية، باث باتانير، مسئؤولة قاموس اللغة الإسبانية، وسط حضور إعلامي كبير، قائمة التعديلات والإضافات التي تمّ إدراجها على النسخة الـ23 من القاموس بصيغتها الرقمية على شبكة الإنترنت.

كما أوضح البروفيسور بيا نويبا، أن الدافع وراء إدخال هذه التعديلات كان الإقبال الكبير على موقع القاموس حيث سجل خلال عام 2016 أكثر من600 مليون زيارة للاستفسار عن معاني مفردات من بينها تلك التي تتعلق بالثقافة الإسلامية، مشيرا إلى أنه من المتوقع ارتفاع هذا الرقم ليتجاوز المليار متصفح على الشبكة العنكبوتية، لذا تحرص الأكاديمية منذ عام 2000 على إضافة التعديلات إلى مفردات القاموس لتواكب المتغيرات المتلاحقة التي تشهدها اللغة أخذا في الاعتبار الثورة الرقمية وما تمخضت عنه من مفردات صارت شائعة الاستخدام في جميع التعاملات اليومية، ومن ثم كان لزاما على القاموس استيعابها كجزء من مرونة اللغة وقدرتها على تلبية متطلبات متحدثيها من مفردات تواكب تغيرات العصر.

يؤكد رئيس الأكاديمية حرص العاملين على تطوير قاموس اللغة الإسبانية على إضافة مفردات تعبر عن مكوّن هام من الثقافة الإسلامية أصبحت شائعة الاستخدام بصورة يومية، موضحا أن “الإجراء الذي اتبعته الأكاديمية، لم يكن مجرد اعتراف بوجود هذه المفردات بل تبنيها وإضافتها كمفردات من اللغة الإسبانية، بما يعدّ اعترافا رسميا من الأكاديمية الملكية الإسبانية للغة بهذه المفردات وما تحمله من معان”.

وشدد على أن قرارات الأكاديمية لا تعد مجرد اعتراف بوجود مفردة مستعارة من لغة أخرى، بل تتبنى هذه المفردة وتسجلها في القاموس على هذا النحو بغرض استخدامها في هذا السياق.

الأكاديمية تعرب عن أسفها الشديد لعدم تمكنها بالرغم من الكثير من المساعي المبذولة لتصحيح مفهوم كلمة جهاد

كما أوضح البروفيسور أن الأكاديمية تتابع عن قرب تطور استخدام اللغة، وعندما تكتشف مفردات أو تعبيرات يشيع استخدامها بكثرة من قبل عدد كبير من الناس بمفهوم معين، فإنها تحرص على إضافة هذه المفردات والتعبيرات إلى القاموس، ومن هذا المنطلق تبنت هذه المفردات شائعة الاستخدام بصورة متزايدة في الوقت الراهن، سواء بين المسلمين أو غير المسلمين، ولكن بمفهوم أكثر تبسيطا وأقل اكتمالا بطبيعة الحال، نظرا لثراء لغة المنشأ التي خرجت منها وهي العربية. ومن ثم يوضح أن القاموس الإسباني تبني هذه المفردات على النحو التالي:

شريعة: القانون الإسلامي المنظم لكافة شؤون الحياة العامة والخاصة، ويعتبر اتباعه سبيل الخلاص. وهذا تفسير لا يختلف كثيرا مع المعنى الذي أورده قاموس المعاني عن المعجم الوسيط حيث عرف الشريعة على أنها “ما شرعه الله لعباده من العقائد والأحكام”.

أمّة: تجمع أصحاب العقيدة الإسلامية. يحدد مفهوم هذه المفردة أن استخدامها مقصور على جموع المسلمين دون غيرهم، في حين أن تعريف قاموس المعاني عن المعجم الوسيط لكلمة أمة هو “جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ تَجْمَعُهُمْ رَوَابِطُ تَارِيخِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ، قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا هُوَ لُغَوِيٌّ أوْ دِينِيٌّ أوِ اقْتِصَادِيٌّ وَلَهُمْ أهْدَافٌ مُشْتَرَكَةٌ فِي العَقِيدَةِ أَوِ السِّيَاسَةِ أَوِ الاقْتِصَادِ”. إلا أن اعتراف رئيس الأكاديمية بوجود تبسيط للمعاني أو عدم اكتمالها يؤكد على نزاهة العاملين على القاموس، نافيا وجود نية لتثبيت أحكام مسبقة عن الثقافة التي تعبر عنها، مثلما حدث مع مفردات أخرى مثل جهاد وغيرها من المعاني.

حلال: وهي صفة تضفى على لحوم الحيوانات والطيور المذبوحة وفقا للطقوس المنصوص عليها في القرآن وكذلك الطعام الذي لا يدخل ضمن مكونات إعداده كحول أو مواد حافظة. ولم يحدد القاموس ما المقصود من المواد الحافظة بالتفصيل.

كما تستخدم نفس الصفة لتعيين الأماكن التي تباع بها اللحوم والأطعمة الحلال تناولها من قبل المسلمين. تجدر الإشارة إلى صفة حلال مستخدمة في الغرب منذ عقود لتحديد الطعام الذي لا تدخل ضمن مكوناته مواد محرمة على المسلمين وفقا لتعاليم دينهم مثل الخمر أو لحم أو شحم الخنزير.

كما تعرب الأكاديمية عن أسفها الشديد لعدم تمكنها بالرغم من الكثير من المساعي المبذولة في هذا السياق لتصحيح مفهوم كلمة جهاد، التي لا تزال مستخدمة وفقا لسياق مغلوط من منطلق تعريفه على أنه “حرب مقدسة يشنها المسلمون”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر