الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

التدين الإسلامي واقترانه بالتطرف.. صعوبة الفصل وقسوة اجتراح الحلول

  • ليس الأمر متعلقا بسفسطائية الأسبقية بين البيضة والدجاجة، لكن البحث عمّن أنتج الآخر وهل أن التديّن الإسلامي مسؤول فعلا عن تنامي التطرف أم أن النزوع العدائي موجود ومتأصل لدى منفذي العمليات الإرهابية من قبل ووجد له مبررات عبر قراءات مشوّهة للإسلام؟ الإجابة عن هذا السؤال كفيلة بإيجاد حلول وتصحيح مفاهيم، لكن من الصعب ترجيح فرضية على أخرى والمسألة متعلقة بعوامل كثيرة، متداخلة أهمّها النشأة والتعليم.

العرب  [نُشر في 2018/01/05، العدد: 10860، ص(13)]

بين مطرقة التطرف وسندان اليمين

برلين - يعتزم باحثون من جامعتي أوسنابروك وبيلفِلد الألمانيتين معرفة ما إذا كان الشباب من المسلمين معرضين بشكل خاص لتقبل الأفكار المتطرفة وتبنيهم العنف أم أن الدين لا يعني للمتطرفين الإسلاميين سوى ذريعة لتبرير أعمال العنف بحسب ما أوضح ميشائيل كيفر، الباحث في علوم الإسلام.

ويرى الباحث الألماني كيفر، أن النقاش يدور حول ما إذا كنا نواجه “أسلمة التطرف” أم أن هناك جنوحا بطيئا ومتأصلا داخل الوسط الإسلامي يسير في اتجاه النزوع نحو التطرف. والمعضلة التي يريد الباحثون المتخصصون تبيانها هي هل أن التربية والعقيدة الإسلاميتين تمنحان الناشئة استعدادا لتبني الأفكار المتطرفة أم أن التطرف حالة معقدة تصنعها عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية بعيدة عن الإسلام، الذي لا يختلف عن غيره من الديانات من حيث الالتقاء عند جملة من القيم والتعاليم الإنسانية المشتركة.

ويعتمد هذا المشروع الذي تحتضنه الجامعتان الألمانيتان على منهج استقصائي تطبيقي وميداني، يبدأ بتحليل دردشات ومحادثات جاءت في منتديات نقاشية على شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الاستعانة بتجارب خبراء يعملون في الأنشطة الوقائية.

التطرف حالة معقدة تصنعها عوامل نفسية واجتماعية بعيدة عن الإسلام الذي لا يختلف عن غيره من الديانات

وأشار الباحث الألماني ميشائيل كيفـر، إلى أن الباحثَيْن الفرنسيين جيل كيبل وأوليفر روي، يتبنيان هاتين الفرضيتين وقال إن كيبل يؤيـد نظـرية أن الإسلام تطـرف منذ وقـت طـويل وإن الهجمـات القـاتلة في فـرنسا وبلجيكا مثل تلـك التي استهدفت مجلة شارلي إيبدو السـاخرة وأوبرا باتكـلان في بـاريس أو المطار في العاصمة البلجيكية بروكسل، لها أصل في الأوساط الإسلامية المتطرفة.

أما باحث العلوم السياسية روي فيذهب إلى تأييد فرضية أن هناك أسلمة للتطرف يتم من خلالها توظيف الإسلام كمبرر مزعوم لأعمال العنف التي تسبق التديّن في الأصل، لكنها تبحث لها عن مشروعية زائفة وهي الدين الذي يمططه الإرهاب ويستخدمه لأهدافه.

ويدلل روي على صحة فرضيته بالإشارة إلى أسلوب حياة مرتكبي الهجمات الإرهابية والذي يغلب عليه تعاطي المخدرات والجريمة، وقال إن هؤلاء اكتشفوا الإسلام في ما بعد وانتهجوه بشكل فظ وساذج.

وتؤكد أمثلة كثيرة متنوعة صحة ما ذهب إليه الباحث الألماني وغيره من القائلين بأسبقية الذهنية العدائية والنزوع الإجرامي على حالة التدين المزوّر الذي أدى بدوره إلى السلوك الدموي في العمل الإرهابي، ذلك أن القارئ لسجلات منفذي أبشع الجرائم الإرهابية، يجدها مليئة بحالات عنف وتشوه مسلكي لا علاقة لها بالتدين التقليدي والمتعارف عليه في الإسلام الشعبي وهو الالتزام بقيم أخلاقية عامة على شاكلة “لا تسرق، لا تقتل، لا تؤذ..” وغيرها من المبادئ الإنسانية التي تلتقي عندها كل العقائد البشرية.

وبالمقابل، فإن هناك مجموعة من الفتاوى والقراءات والتفسيرات للدين الإسلامي، أدت إلى إعادة إحياء مفهوم الجهاد وغيره من مجموعة مفاهيم ومسلمات يعتبرها الكثير من المتدينين حجر الزاوية، ومن الثوابت التي لا يمكن مناقشتها لدى المسلم الملتزم بتعاليم دينه.

وكثيرا ما يستخدم مهتمون بالشأن الإسلامي في العالمين العربي والإسلامي، مجموعة ردود جاهزة ومكررة، ترتكز على فكرة أن الدين الإسلامي بريء مما يلبّسونه من اتهامات بهدف التشويه، وحجتهم في ذلك أن الذين انزلقوا نحو العمليات الإرهابية هم من الشباب المغرر بهم.

ضرورة مراعاة الموقف الشخصي لكل حالة بالإضافة إلى تجارب الشخص المتطرف ومعايشاته التي تميزه بشكل فردي

وينتقد محللون كثيرون مثل هـذه التبريرات التي يسوقها هؤلاء بدافع الدفاع عن الثقافة الإسلامية والتصدي للحملات المغرضة التي تشنّها جماعات يمينية عنصرية ضد الإسلام والمسلمين، ويطرح المحللون على القائلين بأن التدين لا علاقة له بالإرهاب سؤالا يتمثل في كيفية تبريرهم لهذا الكم الهائل من الفتاوى التي تحرض على القتل، وهذه الخطب التي تدعو إلى معاداة “الكفار” بل ومقاتلتهم.

ويوشك الباحثون في معضلة الإرهاب ومدى ارتباطه بالإسلام والمسلمين، أن يقعوا في نوع من الجدل العقيم الذي يدور في دائرة مغلقة وتكرر السؤال ذاته: هل أن التدين هو الذي أدى إلى التطرف أم أن التطرف لبس عباءة التدين، وكيف السبيل إلى تبرئة الإسلام من التطرف والإرهاب، وفصل كل واحد عن الآخر؟

ولا يمكن بالتأكيد تعميم حكم واحد وتغليب إحدى الفرضيتين على الأخرى بشكل مطلق، فالأمر يتطلب دراسة كل حالة على حدة كما هو الأمر في العيادات النفسانية، إذ لا وجود لعلاج واحد لمرض واحد بل هناك أمراض كثيرة لمرضى كثيرين.

العوامل التي تدفع بعض الشباب المسلم إلى التطرف عديدة ومتنوعة ولعل أخطرها هو التربية داخل الأسرة أو ضمن المؤسسة التعليمية، والتي تباعد في الكثير منها بين الناشئة المسلم وبين الآخرين من ذوي الثقافات المختلفة.

وفي هذا الصدد يقول كيفر “نستطيع أن نعثر على أدلة تؤكد صحة الفكرتين”، وأضاف “يتوقف السبب وراء توجه أحد الشباب للفكر المتطرف بالتأكيد على عوامل كثيرة.. فنحن هنا نتحدث عن عملية تخضع لعوامل متنوعة”.

ونصح كيفر بمراعاة الموقف الشخصي لكل حالة، بالإضافة إلى تجارب الشخص المتطرف ومعايشاته التي تميزه بشكل شخصي. وقال كيفر إن الدراسة ستبحث أيضا فيما إذا كان تحسين التعليم الديني يمكن أن يحصّن ضد التطرف.

وأشار الباحث إلى أن اعتماد حصة الدين الإسلامي في المدارس الألمانية يمكِّن من التعـامل النقـدي مع المصـادر التاريخية للدين. كما يسعى الباحثون من خلال الدراسة إلى معرفة إلى أي مدى لا يزال الشباب الذي دُفع للتطرف منفتحا على حُجج المختلفين معه.

وعبّر كيفر عن أمله في أن تقدم الدراسة نصائح عملية للهيئات المعنية بشأن كيفية منع التطرف والأصولية الإسلامية اللذين تتمخض عنهما أعمال إرهابية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر