الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

الاثنين 22 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10877

لماذا تصاب النساء بالاكتئاب أكثر من الرجال

  • تعيش المرأة في جميع أنحاء العالم تحت ضغوط مجتمعية وصحية في مختلف مراحل حياتها لا تتيح لها نفس المساحة الموجودة لدى الرجل، لتحقيق الأحلام والطموحات أو التعبير عن النفس، وذلك بالإضافة إلى تعرّضها للكبت والقهر في البعض من المجتمعات مثل ما يحصل في العديد من مجتمعاتنا الشرقية. كما أن تكوينها النفسي الأكثر رقّة وطبيعتها الجسمانية المتغيّرة باستمرار قد يجعلانها تمرّ بمنعطفات نفسية أكثر حدة مما يمر بها الرجل، مما يجعلها بالفعل أكثر عرضة للمرض النفسي.

العرب  [نُشر في 2018/01/07، العدد: 10862، ص(21)]

الاكتئاب له خصوصية عند المرأة

القاهرة - أكدت منظمة الصحة العالمية في تقرير صادم لها صدر في أواخر عام 2017 أن عدد النساء اللواتي يعانين الاكتئاب يزيد على ضعف عدد الرجال على مستوى العالم.

وأشارت دراسة أخرى لمنظمة الصحة العالمية أنّ سكان العالم من الرجال والنساء كافة تدهورت صحتهم النفسية خلال العقود الأخيرة، حيث أن 24 بالمئة من سكان العالم يعانون أمراضاً نفسية واضحة، مثل الاكتئاب والتعاسة والضغط النفسي والإحساس بعدم الأهمية في المجتمع والقلق والإرهاق العصبي.

ويعتقد الباحثون أنّ هناك خللاً ما قد حدث في علاقة الكائن البشرى بالحياة المحيطة به، وأنّ ما تعرّض له المجتمع الحديث من صدمة تكنولوجية قد سبّبت له بالتالي صدمة سيكولوجية، ومع تزايد المشاكل الاقتصادية بل الهوة الاقتصادية بين الشعوب وبين الناس ارتفع مستوى الكآبة بشكل عام.

وفي الآونة الأخيرة يحاول الباحثون والعلماء مواجهة قضية مهمة، وهي أنّ الاكتئاب لم يعُد حالة فردية، بل هناك مجتمعات بأكملها تعيش هذه المعاناة، مما يهدّد تماسكها واستمراريتها، ويطرح هؤلاء الباحثون والعلماء أفكاراً للتصدي لهذه المشكلة، ورغم ما يعلنه العلماء من حين لآخر عن اكتشاف “جين” مسؤول عن الاكتئاب والدور الذي تلعبه الوراثة في إحداثه، إلا أن باحثين آخرين يشيرون بأصابع الاتهام نحو المنظومة المجتمعية المتسارعة والتي تتطلّب من الإنسان في هذا العصر بذل المجهود المضاعف والعمل الدائم حتى يستطيع مجاراة سرعتها، وليشعر بالاطمئنان والأمان داخلها، وإن لم يستطع اللحاق بها، فسوف تسبّب له تلك المنظومة المحكمة الكثير من الاضطرابات والمشاكل، ومن أهمّ نتائج هذه الاضطرابات والمشاكل هي الإصابة بالاكتئاب، وليس ذلك فقط هو السبب الرئيسي للاكتئاب، فقد يحدث أيضا نتيجة أيّ ظروف عارضة قد تكون محزنة أو تجارب مؤلمة أو التعرّض لنوع ما من الشدائد. عندئذ يتفاعل الإنسان معها بالحزن والتشاؤم والتعب لأقل مجهود، وقد يشكو من الصداع أو سوء الهضم أو الإمساك أو اضطرابات النوم والأرق، وقد تصاحب كل هذه الأمور أحلام مزعجة، وفقدان الشهية أو مشاكل عضویة أخری مثل الضعف الجنسي أو سرعة القذف أو البرود الجنسي.

ويحدث الاكتئاب التفاعلي عندما يحدث الحرمان من الحب، مثلما يحدث في البعض من الأسر التي تفقد عزيزاً عليها إمّا بالسفر وإمّا الموت، وكذلك الحرمان من مصدر لكسب العيش، فيفقد المرء الشعور بالأمان، أو عندما يفشل المرء في الحصول على مسكن لائق للزواج نظرا إلى ارتفاع الأسعار، كما يحدث الاكتئاب أيضا عند الإصابة ببعض الأمراض العضويّة كالذبحة الصدريّة أو الأورام أو فقدان أحد الأعضاء كالعين أو فقد أحد الأطراف والإصابة بالشلل أو أيّ نوع من أنواع الإعاقة.

ربع سكان العالم يعانون أمراضاً نفسية واضحة، مثل الاكتئاب والضغط النفسي والإحساس بعدم الأهمية في المجتمع والقلق والإرهاق العصبي

ومن أهم أسباب الاكتئاب هو الدخول في مرحلة الشيخوخة، حيث الإحساس بالضعف وعدم القدرة على القيام بمهام الحياة والإصابة بالأمراض العضوية العديدة، والشيخوخة تواجه نقص القدرة العقلية والنسيان وضعف الحواس، وربما فقد أحد الشريكين وتزوّج الأبناء، ومن ثم يتولّد الشعور بالوحدة ونقص الأهمية الاجتماعية والعزلة وعدم القدرة على الكسب.

تصف نهى رشدي، موظفة، تجربتها مع الاكتئاب قائلة إنها عانت من اكتئاب ما بعد الولادة، الذي ظلّت تشكو منه مدة ثلاثة أشهر، لكنها استطاعت معالجته حين نصحتها صديقتها بممارسة اليوجا والتأمل، وسماع موسيقى هادئة، تقول “لقد ساعدتني هذه التقنيات البسيطة على محاربة الاكتئاب وتجاوزه من دون اللجوء إلى تناول عقاقير تحارب الاكتئاب”.

أما تجربة هناء، مهندسة ديكور، فتبدو أكثر تعقيدا، لأنها تعيش منذ ثلاثة أعوام على مضادات الاكتئاب، تقول “توفي والدي، ثم بعد عام توفيت والدتي بالسرطان، وبقيت وحيدة، ذهبت إلى طبيب نفسي فنصحني بتناول علاج للاكتئاب، حاولت التوقّف عن تعاطيه، إلا أنّ حالتي ساءت من جديد، فعدت لتناوله”.

وإذا كان للاكتئاب أسبابه الاقتصادية عند الرجل فإنه عند المرأة له خصوصية، فقد يأتي جرّاء وصولها إلى سنّ اليأس وانقطاع الطمث، حيث تشعر المرأة بفقدان وظيفتها الإنجابية، وأنّ جمالها قد قلّ وتأثرت جاذبيتها. فتشعر بالاكتئاب المصحوب بالقلق والتوتر والخوف والأعراض الجسمية المختلفة المصاحبة له، كما تصاب البعض من السيدات أيضا بالاكتئاب بعد عملية الولادة.

ویقول الدكتور خلیل فاضل، استشاري الطب النفسي، هناك مرضى مصابون بالاكتئاب الخفيّ أو المقنّع دون أن يعرفوا ذلك، وهو أصعب أنواع الاكتئاب في اكتشافه، حیث یشكل قناعا لاكتئاب مختبئ بداخله، وفي هذه الحالة تمثّل أعراض الاكتئاب في الألم بشتى صوره كالصداع وألم أسفل الظهر وألم في الوجه أو عدم القدرة على التركيز وفقدان الذاكرة الزائف واضطرابات الجهاز الهضمي، وتساقط الشعر، أو ألم في الصدر والذي يُفهم على أنه تعب في القلب، إلى آخر تلك القائمة، إلى جانب ازدياد نسبة توتر ما قبل الدورة الشهرية حيث تزيد حدة المرأة وعصبيتها وغضبها في العشرة أيام التي تسبق نزول الحيض. وهذا النوع من الاكتئاب ما هو إلا صورة من صور اليأس والإحباط والاستسلام، وقد يظهر اكتئاب المرأة أيضا على شاكلة نهم شديد إلى الطعام.

ويضيف فاضل أنه وعلى الرغم من أن المرأة قد أصبحت وزيرة وعالمة وقاضية، وتبوّأت مناصب شتّى إلا أن النمط الاجتماعي الذي تعوّدنا عليه في المجتمعات الذكورية، وفي البعض من دول الغرب، يجعل المرأة تحسّ بأنها أقلّ من الرجل شأنا، وأنّ دورها قد انتهى، وأنها وعاء وخادمة ومهمشة، مسكينة ومغلوبة على أمرها، تربّي الأولاد، تغسل، تكنس، تمسح، تطبخ، تعمل، تشتري، تبيع، كل هذه الأمور تشكّل ضغوطاً لا تنتهي على المرأة وتؤدّي إلى اكتئابها.

وهناك ممارسات قد تساعد الإنسان في التخلّص من الاكتئاب وخاصة في مراحله الأولى، كممارسة النشاط البدني، وطلب الدعم من الأصدقاء وأفراد العائلة، وكتابة المذكّرات اليومية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر