السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

احذر امرأة 8 مارس

مرآة لا تزال المرأة الشرقية تقف أمامها لتتعرف عبرها إلى ذاتها، أما مُسبب هذه الغشاوة وتعاظم كثافتها فيمكن تسميته بـ'بخار الخوف الذكوري'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/10، العدد: 10567، ص(17)]

من باب الافتراء على الإنسانية جمعاء، القول بأن الأكثرية الساحقة من الشعوب تصارعت عبر العصور في ما بينهما وتقاتلت وسفكت الدماء بسبب تباين الأفكار والمعتقدات، فثمة أمر اتفق عليه معظمهم، وهو الخوف من “الجنس الضعيف” الذي هو في أرض الواقع والخيال الذكوري السري: “الجنس القوي” بالمعنى المُطلق للكلمة.

مع الوقت ارتأت الشعوب تحويل تعبير “الجنس الضعيف” إلى “الجنس اللطيف” في محاولة لتخفيف نقمة المرأة على هذه الكلمة. وأيضا من أجل الاعتراف ببدء تبدد الغشاوة التي كست طويلا صفحة المرآة.

مرآة لا تزال المرأة الشرقية تقف أمامها لتتعرف عبرها إلى ذاتها، أما مُسبب هذه الغشاوة وتعاظم كثافتها فيمكن تسميته بـ”بخار الخوف الذكوري”، الخوف من المرأة ومن سطوة حضورها على مدى مراحلها العمرية، مراحل شاءها الرجل قصيرة عندما عكف على ربطها بالخصوبة والقدرة على الإنجاب (مع العلم أن التطورات العلمية باتت لها نظرة مغايرة في هذا المجال).

ترتب على ذلك الخوف من قوة المرأة شتى أنواع التصنيفات المُعنفة والممارسات الإقصائية، لتحويل صورة هذا الكائن “اللطيف” حتى أمام ذاته إلى صورة تنضح بالضعف وبالهشاشة.

ممارسات لا تُعد ولا تُحصى، إلا ربما من قبل عالم أنتروبولوجي نذر حياته لهذا الإحصاء، تبدأ بوأدها حية، وبعمليات الختان التي لا تزال تمارس سرا بالرغم من تجريمها، وصولا إلى اختلاق تعابير من قبيل “سن اليأس”، والتعبير التخفيفي المُضحك والميلودرامي الذي جاء بعده وهو “سن الأمل”. إنه عمليّة طبيعيّة وليس حالة موه.

في هذا السياق شهد لبنان منذ يومين في 8 مارس، يوم المرأة العالمي، وبجرأة من ينكأ تابوهات اجتماعية مترسخة حدثا علميا نظمه برنامج سليم الحص للأخلاقيات الإحيائية والاحتراف التابع للجامعة الأميركية في بيروت.

لاقى هذا الحدث منذ بداية الإعلان عنه نفورا شديدا من ناحية، وحماسا كبيرا من ناحية أخرى حتى في الوسط الثقافي/الفني، لأنه ركزّ في حملته الدعائية والعلمية المُحكمة على محورين.

المحور الأول تقديم تعبير “سن اليأس” على أنه افتراء ثقافي-اجتماعي محض من شأنه إضعاف صورة المرأة أمام ذاتها، أما المحور الثاني فهو أكثر مواجهة، إذ اعتبر أنه في حال الإصرار الاجتماعي على هذا التعبير الخاطئ، فلا بد من إرساء التعادل، والقول إن هذا “السن اليائس” ينسحب طبيا ونفسيا على الرجل انسحابه على المرأة.

يجدر القول إن هذا الحدث الطبي أكد من جديد الدور الريادي التاريخي لمدينة بيروت في القدرة على تحريك القضايا الساكنة والساخنة، وكسر الصور النمطية المُكبلة، وأعاد لفت النظر بشكل غير مباشر إلى عمليات الإقصاء التي تعرضت لها المرأة في كافة المجالات عبر التاريخ، حتى في مجال الفنون كالفنون التشكيلية، إذ لا تزال النظرة إلى المرأة-الفنانة، لا سيما تلك التي تخطت سن الثلاثين وتميزت بخبرة حياتية واسعة، امرأة “خطيرة” يجدر أخذ الحيطة والحذر منها.

في لبنان أمثال كثيرة عن فنانات تشكيليات يصارعن هذه الصورة النمطية، ويبرزن في مسيرتهن الفنية بجهد شخصي يفوق جهد الفنان-الرجل.

لا شك أن في العالم الشرقي فنانات يدرن في فلك الصراع مع مجتمع لم يقدر حتى الآن استيعاب ما يقدمن من أعمال جريئة، تتناول الأنوثة والأمومة كعالمين منفصلين يرضخان لشروط منفصلة، ولكن من ضمن تكوين المرأة الواحد، ولا يدل تحقيق أحدهما على حساب الآخر على أي عار أو نقصان في الرضا الوجودي لهذه المرأة أو لتلك، وبالتالي لهذا المجتمع الذي هن “نتاجه” أولا وأخيرا.

نذكر من تلك الفنانات، وليس على سبيل الحصر، الفنانة اللبنانية-الفلسطينية منى حاطوم والفنانة الإيرانية شيرين نشأت، فنانتان تناولتا مسائل شائكة كالهوية والصراع والتحاور مع الآخر والجنس والأنوثة والأمومة، إذ أن التفاعل ما بين خصائص تكوينية واحدة لا يلغي غياب أحدهما حضور الآخر. إنه عمليّة طبيعيّة وليس حالة موهنة.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر