الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

تشكيلية إيرانية لوحاتها تخفي أكثر مما تظهر

  • “إليّ بضوئك”، هو عنوان معرض فردي للفنانة التشكيلية الإيرانية ميريام الطبطبائي الذي تستضيفه صالة “آرت لاب” البيروتية، والذي حفل بمجموعة من اللوحات المشغولة بالألوان الزيتية، إضافة إلى مجموعة أخرى نفذتها بالحبر على الورق برموز تحتمل أكثر من تأويل.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/02/24، العدد: 10553، ص(17)]

نوافذ مفتوحة على النور

بيروت – تقدم التشكيلية الإيرانية ميريام الطبطبائي معرضها المعنون بـ”إليّ بضوئك”، بكلمات شاعرية، فتقول “أنظر إليك/ من خلال هذه النافذة/ تجتاح عقلي/ أنت نسمة/ أسميها: أمل/ كل شيء بات أفضل/ النور هو في كليته”.

لا لبس في أن الفنانة تخاطب الضوء في معرضها الفردي الثالث الذي تستضيفه صالة “آرت لاب” البيروتية، وهي صالة تعنى بالمواهب الشابة، لكن أي ضوء هو هذا الذي تتوقع منه الفنانة أن يقلب حياتها رأسا على عقب، أو على الأقل أن يسلب من المشاهد اليومية التي تعيشها في طهران كل ما يستدعي حزنا غامضا يصعب فكّ رموزه؟

موهبة الفنانة وحسها الحاد وحرفيتها على السواء مكنتها من أن تبوح بأجوائها النفسية من دون أن تستخدم البوح بتفاصيل قد تبهت من قيمة التعبير الفني.

تستدعي ميريام الطبطبائي الضوء، تخاطبه وكأنه شخص، أو هامة من طحين أملس، وهو الحاضر أصلا في ريشتها وروحها متمثلا بلون أبيض ضبابي ينشر صمته في كل اللوحات، منتقيا زاوية دون أخرى ليستقر فيها، ولكن ليأبى أن يقدم ذاته كحلّ دائم وحصريّ لمعضلات وجودية أو شخصية ربما تعيشها، أو تتأمل فيها الفنانة.

يبدو ذلك جليا في نوعين من اللوحات، تلك التي تصور فيها الفنانة النوافذ لوحدها دون أن يرافقها حضور بشري، واللوحات التي حضرت فيها طاولة المائدة التي تتوسطها كتب ويحيط بها كرسي أو كرسيان خشبيان وبسيطان.

النوافذ في هذه اللوحات بالرغم من وضوح أشكالها هي ممعنة في “تجريدية عاطفية”، إذا صح التعبير، لأنها كمسالك للضوء وهمزات وصل بالغة الرقة ما بين الخارج والداخل.

إضافة إلى ما تقدمه هذه اللوحات من أجواء يجتاحها هدوء لبق يفتح بابا واسعا للتأويل، يجب ذكر ما أورده القيّم على الصالة حول موقع النوافذ في الثقافة الإيرانية، بهذه الكلمات “في إيران، الشبابيك هي أمكنة وسطية مُحملة بالمعاني، إن وضعت وردة حمراء إلى جانب الشباك يعني أنك تعلن حبك، وإن وضعت وردة صفراء يعني ذلك أن هناك مريضا في المنزل، وإن وضعت إناء لإعداد الشاي فهذه إشارة إلى أنك مستعد لتلقي الضيوف، أما وضع صورة شخصية، فيعني ذلك خسارة شخص حبيب، أما وضع صحن مليء بالفستق والبندق فيدل على انتظار قدوم العائلة، والأهم من ذلك كله أن النوافذ هي دعوة للضوء لكي يدخل فيتلاقى المخلوق مع خالقه”.

اللوحات الخالية من الحضور البشري تنعم بهدوء لا يخلو من حزن مجهول مصدره المُباشر، أما اللوحات التي تصور فيها الفنانة رجلا جالسا، وهو زوجها، يلقي برأسه في حضن ذراعيه المعقودتين على الطاولة، فهي تشير إلى ملل اعتاده وإرهاق واضح لا يعود سببه إلى جهد جسدي.

يبدو هذا الرجل أمام النافذة التي تبث نورها من حوله دون أن تسلبه من وضوحه ولا وضوح لون ملابسه، رجلا مُحببا، ولكن يقيم في عالم خاص قد يكون معزولا عن كل ما يحيط به من أشياء وأشخاص.

النوافذ في اللوحات ممعنة في (تجريدية عاطفية)، كمسالك للضوء وهمزات وصل بالغة الرقة ما بين الخارج والداخل

يظهر هذا الشخص في لوحتين إضافيتين لا تخرجان عن منطق الملل المُدجّن الذي اعتاده، في إحدى اللوحتين تصوره الفنانة مستلقيا إلى جانب نافذة واسعة تظهر من خلالها مدينة طهران تغرق هي الأخرى في هدوء وثبات غريبين، إلى جانبه مفتاح ومحفظة نقود يشيران إلى أنه قد وصل للتو إلى المنزل واتجه إلى الأريكة بجانب النافذة ليريح عقله قبل أن يريح جسده، وفي اللوحة الثانية يظهر جالسا يعزف على البيانو، غير أنه لا يبدو منغمسا بما يقوم به بقدر ما هو في حالة انتظار ما.

وفي لوحات أخرى تعزف على نفس الوتيرة، ترسم الفنانة امرأة قد تكون هي، وهي تقف مرفوعة اليدين فوق رأسها أمام نافذة مفتوحة، تبدو في وضعيتها هذه وكأنها تتنشق هدوءا ما وفي حالة تأمل وانتظار تشبه إلى حد بعيد ما يختبره الرجل في اللوحات الأخرى، هما اثنان يتشاركان وحدتهما وكأنها حيز للقاء حميميّ يكلله الرجاء ولا تسيّجه الوحشة.

تقول ميريام الطبطبائي عن معرضها “كل منا ينتظر رسالة ما، أملا ما، كل منا لديه قصة أو سر مؤلم يخفيه في نفسه، ولكن يجب أن نتيح للأمل أن يخفف من وطأة ما نشعر به، وأن ننفتح على المستقبل كما تنفتح النوافذ على النور”.

هناك ثلاث لوحات في المعرض تعمق من حضور الحزن والصمت المطبق على الألم الإنساني، وهي اللوحات التي تصور أروقة مبنى “القصر” الشهير الذي كان سابقا قصرا ثم تحول إلى سجن واليوم بات متحفا.

في المعرض أيضا أكثر من لوحة فيها كؤوس زجاجية فارغة تظهر منفصلة وفي أحوال مختلفة تسرد جدلية الامتلاء والفراغ، لتركن إلى خاصية واحدة ألا وهي أن الاثنين متلاحمان لأنهما يفضيان إلى بعضهما البعض.

وفي المعرض لوحة رسمت فيها الفنانة شعرا ينعكس على المرآة ويردّ النظر إلى النافذة من جديد، لوحة جليّة كوحدة الإنسان في هذا العالم، جلية كوحدته في حياته

مهما كان محاطا بالناس، وفي مماته أيضا حينما يكُم الصمت الأبيض مخارج حروفه، ويطلق العنان لرحلته المجهولة إلى عالم هو من دون شك أفضل مما اختبره في حياته الأرضية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر