الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

'شطة' المزارعات التونسيات: الهريسة الحارة التقليدية تصل المطابخ الأوروبية

  • جميعهن اشتغلن أجيرات في الضيعات الفلاحية في الوسط التونسي ثم أحالتهن الظروف الاقتصادية على البطالة، لكن إتقانهن صناعة الهريسة التقليدية في منازلهن يعيدهن إلى دائرة العمل من خلال تعاونية وصلت بإنتاجهن إلى الدول الأوروبية.

العرب  [نُشر في 2017/12/07، العدد: 10835، ص(20)]

خريجات جامعات يتسلحن بوصفات الجدات لكسب القوت

تونس - كانت نجوى ضفلاوي تعدّ الهريسة لعائلتها في الأساس، إلا أنها باتت مع أكثر من 150 مزارعة تونسية تصدّر هذه التوابل التقليدية من أجل تحقيق الاستقلالية المالية.

في العام 2013 أطلقت مجموعة من مزارعات منطقة منزل المهيري قرب محافظة القيروان في وسط تونس الريفي الفقير، تعاونية صغيرة تحمل اسم “تحدي”.

وتضم “التعاونية” النسائية فئات عمرية مختلفة بين العقد الثالث والعقد السادس، ومن مستويات تعليمية مختلفة منهن خريجات الجامعات وعاملات فلاحة وموظفات فقدن وظائفهن.

وتوضح المرأة الأربعينية النشيطة أنها قامت مع زميلاتها “بالانتقال من منزل إلى آخر لإقناع المزارعات بتوحيد الصفوف لبيع منتجاتهن معا”.

وبفضل مشروع لدعم المنتجات المحلية، تلقت هؤلاء النساء تدريبا فنيا وتجاريا فضلا عن آخر حول سلامة الأغذية وهن يحضرن الهريسة التقليدية، وهي من التوابل التونسية الشهيرة التي تتناقل وصفتها البنات عن الأمهات.

وفي مختبر أبيض تصطف فيه بعض الأجهزة للصناعة الغذائية الأساسية، ترتدي النساء سترات بيضاء وقفازات، لغسل المكونات المنتجة محليا وتحويلها إلى عجينة حمراء.

هريسة (الريم) باتت متوافرة في تونس في متاجر فاخرة، فضلا عن سويسرا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا

وتعد الهريسة من الفلفل الذي يجفف في الشمس وتضاف إليه بهارات وزيت الزيتون الذي يحفظه ويخفض من حدة حرقته.

ويمر الفلفل المجفف بمراحل عديدة قبل أن يصير هريسة معبأة في علب أنيقة. تبدأ العملية بتنظيف كمية الفلفل الجاف المعدة للفرم والطحن بالماء في أوان متوسطة الحجم، ومع اقتراب الماء من الغليان توضع كمية الفلفل وتترك دقائق محددة ثم ترشح في إناء ثان، ثم يتم طحن حبات الفلفل في آلة خاصة على مرحلتين، مع مزجها بحبات الثوم المنتقاة والتوابل وزيت الزيتون. وقبل وضع الخليط الأحمر الشهي في علب زجاجية هناك عملية تعقيم للعلب عبر وضعها في الماء المغلي، ثم بعد تجفيفها يتم وضع الكمية المحددة من الفلفل المهروس في الأواني الزجاجية.

وتقدم الهريسة مع كل الأطباق التونسية تقريبا في المطاعم والبيوت التونسية وتصدّر إلى حوالي عشرين بلدا.

ومنذ العام 2015 تسوق المزارعات الهريسة تحت اسم “الريم” الذي يرمز إلى جمال النساء.

وتقول نجوى ضفلاوي مبتسمة “إنها طريقة لتمثيل المرأة التونسية العاملة والأبية”.

وتضم تعاونية “تحدي” 164 موظفة وهي من أولى الشركات التونسية التي توظف نساء ريفيات فقط.

فاطمة السالمي، التي كانت تعمل خياطة في منزلها، التحقت بفريق المشروع، ولم يمنعها عمرها (56 عاما) من خوض المغامرة والمشاركة في أسهم الشركة من مدخراتها، والحلم بغد أفضل لها ولأبنائها بعد تخرجهم من الجامعات.

العجينة الحارة تبعث الدفء في الجسم

واستطاع المشروع ذو النمط الاجتماعي أن يوفر أيام عمل للنساء، وأن يسهم في توعية محيطه في قرية منزل المهيري في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعيشها البلاد منذ سنوات.

ويقول فاروق بن صلاح الخبير لدى مشروع “بامبات” لتوزيع المنتجات المحلية إلى السوق الذي أطلقته الأمم المتحدة وسويسرا والحكومة التونسية، ان المرأة تضطلع بدور أساسي في الاقتصاد التونسي. ويضيف “المهم هو أن نوفر لهن فرص العمل بسرعة”.

ويضيف بن صلاح أن منتجات الهريسة يحصلن على “أكثر بقليل من الأجر الزراعي أي حوالي 15 دينارا” (حوالي ستة دولارات) ليوم عمل واحد. وبعض النساء يقمن بالمهام من منازلهن لتحقيق بعض العائدات من خلال إعداد الفلفل بغسله وتجفيفه على سطوح منازلهن. وتقول نجوى ضفلاوي بحماسة “هذا العمل يسمح للنساء ببعض الاستقلالية المالية”، كما أنهن يشعرن “بالثقة بالنفس” ويمكنهن أن “يمضين قدما”.

ومنذ إنشاء التعاونية تشجع المزارعات بعضهن البعض لتثبيت أقدامهن. فالأمر لا يقتصر على المدرّسة والطبيبة، فبإمكانهن هن أيضا أن يعملن ويشعرن بأن لديهن مكانة في المجتمع.

وفي تونس تتعرض نساء المناطق الريفية للتمييز الجنسي ويعانين من وضع هش، ففيما تبلغ نسبة البطالة في صفوف النساء على المستوى الوطني 22.5 بالمئة، يتجاوز هذا المعدل 35 بالمئة في المحافظات الريفية، حسب تقرير للمعهد الوطني للإحصائيات في العام 2015.

وتضيف نجوى ضفلاوي أن الكثير من النساء العاملات لدى “تحدي” كن يعملن في الحقول سابقا في “ظروف صعبة” أو “ينتظرن أن يأتي أزواجهن بالمال”، مشيرة إلى أن هذا العمل يوفر لهن “الحرية” و”تحقيق الذات”.

وتوافقها ابنة عمها شلبية ضفلاوي، التي تعمل أيضا لدى “تحدي”، الرأي، قائلة “ثمة فرق كبير بين امرأة لديها راتب شهري وامرأة تنتظر المال من زوجها. فهي تشعر بأنها مسؤولة ولديها طموح تحققه وتعمل من أجل تحسين ظروف عيشها”.

ويقول بن صلاح “تم تمكين النساء من التعريف بمنتوجهن عن طريق موقع الواب، ما ساعد على وصول طلبيات من إيطاليا ودول أوروبية أخرى تعتبرها النسوة فاتحة خير نحو الأسواق العالمية”.

وبدأت هريسة “الريم” تحقق شهرة؛ فهي باتت متوافرة في تونس في متاجر فاخرة، فضلا عن سويسرا وألمانيا. وقد صدّرت كذلك إلى فرنسا وإيطاليا وثمة مفاوضات لإرسالها إلى كندا كذلك.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر