الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

واشنطن تهرب من ورطة الاتفاق النووي مع إيران بمعاقبة رئيس سلطتها القضائية

  • قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه سيمدد تعليق العقوبات النووية على إيران لكن فقط بوصفها “فرصة أخيرة” لن يكررها. وردت إيران بأن الاتفاق النووي مع القوى العالمية غير مطروح لإعادة التفاوض. وسوف تشكل المهلة ضغطا على الأوروبيين، الداعمين الرئيسيين وعلى أطراف الاتفاق الدولي الموقع في 2015.

العرب  [نُشر في 2018/01/14، العدد: 10869، ص(5)]

هل يكون التنازل الأخير حقا؟

طهران - لم يسجل الجدل حول الاتفاق النووي أي تقدم يذكر وبقي يدور في نفس فلك التهديد الأميركي بالانسحاب في حال لم يتم تحسين الاتفاق والرد الإيراني بالتصعيد، خاصة بعد فرض واشنطن لعقوبات على رئيس سلطتها القضائية صادق لاريجاني، والقلق الأوروبي من تصرف هذا الطرف أو ذاك.

وأبقى ترامب على التزام بلاده بالاتفاق النووي الإيراني، والذي يتم بموجبه تعليق العقوبات ضد طهران. ونفس اللهجة الحادة التي تحدث بها خلال حملته الانتخابية عن تمزيق الاتفاق، والتي تحدث بها أيضا في أكتوبر 2017 بشأن الإقرار بمدى التزام إيران بالاتفاق النووي، وتقريبا تكرّر المشهد الجمعة، حيث رمى الكرة مجددا في ملعب الكونغرس وطرف التفاوض الأوروبي لتعديل الاتفاق.

ودعمت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، السفيرة نيكي هيلي، ما قاله ترامب مؤكدة أن الرئيس الأميركي “اتخذ إجراءات حاسمة لتوضيح أن الولايات المتحدة ستواصل الالتزام بشروط الاتفاق النووي الإيراني، ولكنها لن تتسامح مع سلوك إيران الخطير والمزعزع للاستقرار، ونتوقع أن تنضم إلينا بلدان أخرى”.

واضطرار ترامب إلى مواصلة العمل بالاتفاق، مع الحرص في الوقت نفسه على وصفه بأنه أحد أسوأ الصفقات التي شاركت فيها الولايات المتحدة، يمكن تفسيره في ضوء اعتبارات عديدة، ترتبط بضغوط داخلية ومساع أوروبية وتحركات إيرانية.

وقال المحلل ريتشارد نيفيو، إن تحقق شروط ترامب سيعتمد على ما إذا كان يريد سبيلا لحفظ ماء الوجه مع الإبقاء على الاتفاق النووي بغطاء سياسي يتمثل في تشريع أميركي صارم أم أنه يريد حقا إعادة صياغة الاتفاق.

وأضاف نيفيو، وهو خبير سابق في عقوبات إيران بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية، أن التشريع يمكن صياغته ليبدو يخفف مخاوف ترامب لكن من المستحيل أن تقبل إيران بعمليات تفتيش دولية غير مقيّدة أو بعدم وجود حدود زمنية لقيود الاتفاق النووي.

وقال مسؤول أميركي بارز إن “ترامب قال وراء الكواليس إن الاتفاق النووي يجعل الولايات المتحدة تبدو ضعيفة”. وأضاف أن “حجة البقاء فيه كانت قائمة على إتاحة وقت لتشديد بنود الاتفاق”.

ووقّع الرئيس الأميركي على المرسوم بناء على توصية قدمها وزيرا الدفاع جيمس ماتيس والخارجية ريكس تيلرسون ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر، وهو الفريق الذي ما زال يرى أن الانسحاب من الاتفاق أو التسبب في انهياره سوف يفرض عواقب وخيمة على مصالح واشنطن.

المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي تؤكد أن ترامب اتخذ إجراءات حاسمة لتوضيح أن واشنطن ستواصل الالتزام بشروط الاتفاق النووي ولكنها لن تتسامح مع سلوك إيران الخطير والمزعزع للاستقرار

ولا تتصل هذه العواقب فقط بما يمكن أن تتجه إليه إيران من مسارات تصعيدية على غرار إعادة تنشيط برنامجها النووي حيث هددت بذلك فعلا عشية قرار ترامب، وإنما تمتد أيضا إلى إضعاف موقع الولايات المتحدة في الأزمات الدولية الأخرى، واتساع نطاق الخلافات مع الشركاء الأوروبيين.

كما أن ذلك جاء بعد محاولات حثيثة من جانب الدول الأوروبية المعنية باستمرار الاتفاق، لإقناع الإدارة بضرورة مواصلة العمل به، على الأقل في المرحلة القادمة، وعدم منح فرصة للمتشددين داخل إيران من أجل العودة مرة أخرى لتسريع النشاط النووي.

وتوازى ذلك مع جهود مضنية من جانب حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني من أجل دعم فرص بقاء الاتفاق وتجنب انهياره، خاصة في ظل الموقف الصعب الذي تمر به في الوقت الحالي، بسبب استمرار الاحتجاجات وتحميل روحاني وسياساته المسؤولية عن اندلاعها وانتشارها.

وكان من شأن إعادة فرض العقوبات أن تنهي عمليا الاتفاق الذي يحد من برنامج إيران النووي. والأطراف الموقعة على الاتفاق في 2015 مع إيران هي الولايات المتحدة والصين وفرنسا وروسيا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي. وليس من المرجح أن تنضم هذه الدول للولايات المتحدة حال إعادة فرضها للعقوبات.

ومقابل عدم الانسحاب المشروط من الاتفاق، اتجهت إدارة ترامب إلى التركيز على ملف انتهاكات حقوق الإنسان، وهو أكثر الملفات التي تهرب إليها الإدارة الأميركية، والقوى الدولية، عندما تجد نفسها أمام مواجهة حاسمة مع إيران.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 14 مسؤولا إيرانيا، استنادا إلى اتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وقمع المتظاهرين وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، ومن بين أبرز الأسماء صادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية.

ويعود تركيز تلك العقوبات على صادق لاريجاني تحديدا إلى دوره الرئيسي في السياسة القمعية التي يتبعها النظام في التعامل مع المحتجين، إلى جانب رفضه إبرام صفقات مع بعض الدول الغربية في شأن تبادل السجناء أو الإفراج عن بعض مزدوجي الجنسية من الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن.

وكانت قضية نازانين زغاري راتكليف البريطانية من أصل إيراني والموظفة في مؤسسة تومسون رويترز آخر تلك القضايا التي اعترض لاريجاني على الوصول إلى تسوية لها بين إيران وبريطانيا خلال زيارة وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إلى طهران في 9 ديسمبر الماضي، رغم أن ذلك ما زال محل نقاش داخل الدوائر السياسية الإيرانية.

ويرى النظام الإيراني أن ضم لاريجاني لقائمة العقوبات يمثل رسالة تحدّ له، ستدفعه إلى رفع مستوى انخراط مؤسساته الأمنية لاحتواء الاحتجاجات، وعدم الاستجابة إلى أي دعوات لإجراء مفاوضات جديدة حول القضايا التي تكتسب اهتماما خاصا من جانب واشنطن إلا وفق شروط محددة لا يرى أنها متوافرة الآن.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان “عمل نظام ترامب العدائي (ضد لاريجاني) تجاوز جميع خطوط الحمراء للسلوك في المجتمع الدولي ويمثل انتهاكا للقانون الدولي وسترد عليه بالتأكيد الجمهورية الإسلامية بجدية”.

والمسألة لا تعود فقط إلى أن صادق لاريجاني يعد أبرز مسؤول إيراني يتعرض لعقوبات أميركية في الفترة الأخيرة، وإنما ترجع أيضا إلى أنه يحظى بمكانة خاصة داخل النظام ويعتبر أحد المقربين من المرشد الأعلى علي خامنئي وأحد المرشحين المحتملين لخلافته.

ويعتبر النظام أن تلك العقوبات تمثل مؤشرا لمحاولة واشنطن ترجمة الوعود التي أعلنها ترامب قبل أيام بدعم المحتجين الإيرانيين، الذين ربطوا بين تردي أوضاعهم الاقتصادية والتكاليف التي يفرضها دور إيران في الخارج ودعمها للميليشيات الإرهابية والمسلحة التي تنتشر في بعض دول المنطقة.

لذا، فحرص ترامب على تفويت فرصة الانسحاب من الاتفاق أو التأثير على استمرار العمل به مجددا لن يمثل نهاية المطاف للأزمة الحالية، في ظل إصرار واشنطن على دفع طهران نحو تغيير سلوكها، وإمعان الأخيرة في توجيه رسائل عكسية رافضة لذلك، ضمن سياسة لا تخدم إلا مصلحة النظام الإيراني والسياسة الخارجية الأميركية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر