الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

أي مستقبل ينتظر أحزاب المعارضة الجزائرية

الوضع الذي تتحرك داخل محيطه التعددية السياسية الجزائرية قد سلب منها الفاعلية وجعلها على مدى أكثر من عشرين سنة ماضية تعيد تفريخ خطاباتها التقليدية.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(9)]

من المفترض أن هدف التعددية الحزبية ليس الجري وراء سـراب إعادة إنتـاج السلطة المركزية التي فشلت منذ استقلال الجزائر في تحقيق أي قفزة نوعية في بناء أسس دولة عصرية متطورة، يمكن مقارنتها مثلا بإنجازات دولة عربية وهي الإمارات العربية المتحدة التي دخلت إلى فضاء العصرنة من أوسع أبوابه، وإنما هو استقطاب وتنظيم وقيادة الجماهير وتعبئتها وتثقيفها وإعادة تشكيل وعيها وتنقيته من النزعات المخلة بمشروع التحديث المادي والرمزي.

تؤكد أدبيات العمل السياسي المعاصر في أرقى نماذجه أن ممارسة النقد الذي يقدم الإضافات النوعية، والرقابة المستمرة واليقظـة على أداء أجهـزة الـدولة والحكومات المتعاقبة، والمشاركة في إدارة شؤون البلاد ورسم مشاريع التنمية المستدامة والمتطورة بكل أنواعها المادية، والتعليمية والثقافية والفكرية، تمثل مجتمعة بديهيات العمل السياسي لأحزاب المعارضة، ولكن الوقائع تبين بوضوح أن الأحزاب الجزائرية التي توصف بالمعارضة لا تزال تراوح مكانها وتفتقد إلى الفكر السياسي التنويري المؤسس على العلم والذي يؤهلها أن تكون قائدة روحية نموذجية للشعب، وبالعكس فإنها منذ نشأتها وهي تتخبط في أزمات الانتماء العقائدي الهش والفضفاض، والتنظيم غير المؤسس على الفكر الحداثي، الأمر الذي رسخ ولا يزال يرسخ عجزها الملفت للنظر عن أن تبني لنفسها ثقافتها ذات المصداقية والشرعية الشعبية.

وأكثر من ذلك فإن هذه الأحزاب لا تملك الرؤية العلمية للواقع الجزائري المتخلف بشكل بنيوي والـذي لم يشهد أي تطور نوعي في جميع المجالات الحيوية منذ الاستقلال إلى يومنا هـذا. وفضلا عن ذلك فإن دوران أحـزاب المعارضة الجزائرية المتكرر حول مائدة النظـام الحاكم قد فرغها من أي محتوى يجعل منهـا قـوة تغيير وتقـدم استراتيجيين.

وفي الحقيقة فإن هذا الوضع القائم الذي تتحرك داخل محيطه التعددية السياسية الجزائرية قد سلب منها الفاعلية وجعلها على مدى أكثر من عشرين سنة ماضية تعيد تفريخ خطاباتها التقليدية، وجراء ذلك لم تقدم أي نموذج تنموي مادي أو حضاري يمكن أن يحتذى ويبنى عليه ويصبح برنامجا وطنيا تلتف حوله قوى المجتمع المدني.

مما لا شك فيه أن النظام الجزائري الحاكم، والمصفح بالذهنية الأحادية والتكوين الثقافي التقليديين والمتخلفين، قد ساهم فعليا في إجهاض أي محاولة نهضوية جديدة تبرز هنا وهناك على مستوى القواعد الشعبية والنخب السياسية والفكرية الوطنية التي تملك على الأقل بعض أبجديات مشروع الدولة الحديثة. جراء هذا الوضع المعقد أصبح الهم الأساسي لما يسمى بأحزاب المعارضة هو الاكتفاء بالاجتماعات المعزولة وبالتصريحات الرنانة التي تتلقفها وسائل الإعلام الجزائرية التي تحركها ثقافة الإثارة والاستفزاز.

وهنا نتساءل: هل يمكن أن تكون محاولات الأحزاب الإسلامية لكسر ظاهرة التشظي الهيكلي بالبديل المتمثل في شكل الاندماج التدريجي بداية إيجابية لبروز قوى سياسية جادة وموحدة تتجاوز شكلها التنظيم الانفرادي أم أنها مجرد تحالفات وقتية أملتها ظروف الانتخابات التشريعية القادمة في هذا العام 2017؟ وهل سيذيب هذا النمط من التحالف الانتخابي تبايناتها العقائدية وتناقض هذا الحزب الإسلامي أو ذاك في إدارة العلاقة البينية مع النظام الحاكم وبرلمانه وهيئاته المختلفة، وكذا أحزابه المتمثلة في عدد من أحزاب الموالاة، وخـاصة ظاهرة التحالف الرئاسي الذي يعني في نهاية المطاف النوم في مخدع واحد مع السلطة الحـاكمة التي لا تؤمن بـأي معيـار بالعمل السياسي الديمقراطي في إطار تشكيلة تعددية مكونة من أحزاب مختلفة.

يبدو واضحا أن هذا الاندماج الجزئي، الذي لا يستند على قاعدة الوحدة في العقيدة والانتماء والمشروع السياسي والفكري والثقافي الموحد، يطغى عليه الطابع التنظيمي الشكلي. وبهذا الصدد يرى الكثير من المراقبين السياسيين أنه من المستحيل أن تتحقق الوحدة العضوية بين حزب إسلامي له انتماء إسلامي عالمي وبين حزب إسلامي له انتماء وطني فقط، ولا يعتقد في مشروع أيديولوجيا الدولة الإسلامية العالمية التي تذوب في إطارها الوطنيات.

لعل أكبر عقبة تعترض الأحزاب الإسلامية بمختلف ألوانها، وكذلك ما يسمى بالأحزاب العلمانية، هي انعدام أي تغير راديكالي في بنياتها الثقافية والسياسية والفكرية التي لا تزال أسيرة للتقليدية المفرطة.

السؤال المطروح في هذا السياق على قيادات الأحزاب الإسلامية وأحزاب المعارضة الأخرى هو: لماذا ليست لهذه الأحزاب، على تنوعها وكثرتها حتى الآن، قاعدة شعبية حقيقية عدا المنتسبين إليها في صورة مناضلين تقليديين؟ وهل سيكون لها أي مستقبل مغاير لحاضرها الذي يتسم بالجمود الفكري وبغياب مشاريع كبرى تقنع الشعب الجزائري؟

في هذا الخصوص يمكن مشـاطرة الباحث الجزائري، حسني عبيدي، رئيس مركز الدراسـات والأبحاث حول العالم العربي والمتوسط، الذي لاحظ أن “نجاح الإسلاميين مرهون بتطوير خطاباتهم وليس وحدتهم”.

ولكن ينبغي هنا التمييز بين مجرد إصلاح أو تطوير الخطابات، وبين إحداث التغيير الراديكالي الذي يمس كل بنيات هذه الأحزاب حيث أن التجربة قد برهنت أنه لا يمكن تطوير ذهنية العمل السياسي المتخلف، بل لا بد من قطيعة جذرية كلية معها ومن دون ذلك فإن الأمر الواقع سيبقى هو بذاته.

والجدير بالذكر هنا هو أن ما يسمى بالأحزاب المعـارضة (جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب العمال، والفجر الجديد وطلائع الحريات وغيرها) لم تتحرك حتى الآن على طريـق استبدال تشظيها ومجهريتها بالاندماج الشامل لتصبح قوة سياسية لها ثقلها السياسي، ووعاءها الانتخابي الواسع في الجزائر العميقة، في الوقت الذي نجد فيه أحزاب السلطة (الموالاة) تحشد نفسها في تحالف مكشوف مسبق لضمان السيطرة مجددا على البرلمان ومجلس الأمة في الانتخابات التشريعية القادمة، التي ستقرر مصير الانتخابات الرئاسية في عام 2019.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر