السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

الدولار في أعمال الفنان هادي سي يسيل 'صفرا'

  • افتتحت صالة “صالح بركات” الفنية في العاصمة اللبنانية بيروت معرضا بعنوان “صفر” للفنان الفرنسي من أصل لبناني هادي سي والمنحدر من أصول سنغالية، حيث قدم الفنان في طابقي الصالة المتخصصة في المعارض الضخمة ما يزيد عن ستين عملا فنيا، وهي أعمال فوتوغرافية تنضوي تحت لواء الفن المفاهيمي.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/03، العدد: 10560، ص(17)]

بين تجريدية وواقعية

بيروت – يقترح الفنان المتعدد الوسائط الفرنسي-اللبناني هادي سي عنوانا لافتا لمعرضه المقام حاليا بصالة “صالح بركات” البيروتية، وهو “صفر”، ويتمحور حول الدولار الأميركي وقيمته الحقيقية والافتراضية في زمن الاستهلاك وانحدار القيم الأخلاقية.

ويقول الفنان عن معرضه الجديد “أردتُ أن ألفت الانتباه إلى أنّ المال يعني صفرا من دون أيّ قيمة إنسانية، وأنّ لا قيمة للصّفر إلّا بالتراكم، عندها يتغيّر معناه ويصبح مخيفا، المال هو صفر برأيي.. إنّه ورق وحبر وزخرفة، هذا ما أردت إبرازه في أعمالي، أردتُ أن أضع الناس أمام سؤال مهمّ: هل لورقة النقد قيمة أخلاقية أو قيمة فيزيائية محسوسة؟”.

ويضيف سي “أردتُ أن أؤكد كيف يُشكّل رأس المال العالم، وخصوصا عالم الفن، وكيف يتوسّط رأس المال العلاقات الإنسانية، ويحسم أفكارنا وسلوكياتنا واتجاهات تفكيرنا، إنه الفرق كلّه بين قيمة المال بحدّ ذاته، وقيمته كوسيلة تبادلية ضرورية، وهذا ينطبقُ على الموضوعات الفكرية والثقافية أيضا”.

اللافت في هذا المعرض أن الفنان استطاع أن يستخدم فن الفوتوغرافيا بحرفية فنية عالية ابتعدت كل البعد عن المفهوم التقليدي للتصوير الفوتوغرافي، وإذا كان الفن المعاصر قد شهد تحولا كبيرا في منطق النظر إلى الصور الفوتوغرافية والاعتراف بقدرتها على بناء وتقديم أفكار شائكة، فإن أعمال هادي سي توغل في “ثوريتها”، إذا جاز التعبير، لأنها قدمت خلطة متماسكة ومن صنف رفيع اشتركت فيها وسائط مختلفة من رسم ونحت وطباعة وتجهيز ومواد متنوعة من إسمنت وخشب وورق ورمل وحديد وبلاستيك وأنابيب من ضوء النيون، جميعها انصهر في كلّ متجانس استطاع أن يكون جسرا متينا ما بين الأفكار المتشابكة التي أراد الفنان التعبير عنها ومُتلقي عمله.

وعايش هادي سي الحرب الأهلية اللبنانية، وهو من مواليد 1964، وكان في ما بعد شديد المتابعة لكل الحروب والأزمات العالمية التي قامت معظمها على مبادئ الجشع والاستهلاك غير المقرون بقوانين أخلاقية، وقد ساهم ذلك في بناء نظرته السوداوية التي لا تخلو من السخرية إن من خلال الطرح البصري أو من ناحية الأفكار المُحركة لها.

فنان متعدد الوسائط يحول المال إلى مسخ افتراضي لا يرتوي ظمأه

وانطلقت مسيرة سي الفنية، وهو لم يزل في التاسعة من عمره، حيث بدأ يقيم معارضه الفردية سنة 1984 في كل من باريس ونيويورك وبيروت، وهي معارض لاقت نجاحا كبيرا، كان آخرها معرضه الجديد “صفر” الذي جاء بالتزامن مع مهرجان الصورة المتوسطي “فوتوميد 2017” في دورته الرابعة.

المعرض برمته أشبه بخارطة بصرية لا يمكن أن يخرج من انعطافاتها الزائر، من دون أن تتكون لديه نظرة شمولية حول هول أثر المال في تغيير وجه العالم بأسره إلى مسخ افتراضي لا يرتوي من تشويه ملامح الإنسانية كما عرفناها في الماضي غير البعيد.

كل أعمال سي تعتمد التجريدية حينا والواقعية حينا آخر، وتتصف بالشعرية حينا وبالفجاجة حينا آخر، دون أن تخرج من انضباط الخصوصية الفنية التي تجمع الشتات والمغالطات وتقيم ترابط الأفكار وتلاحقها شبه الأوتوماتيكي.

واستغرق تحضير المعرض ثلاث سنوات، قدم بعد انقضائها الفنان أفكاره كشعلات وامضة منفصلة عن بعضها البعض بصريا، غير أنها كفيلة بأن تشكل هيئة وحجم المنحدر الذي تهاوى إليه العالم.

أعمال تجسد حركة النزوح البشري الهائل على أمواج البحر الغادرة في المناطق الأكثر اشتعالا في العالم العربي، وأعمال أخرى تجسد التفكك الاجتماعي وحالة “البله” التام المتجسد في السعي المستميت خلف المال دون أي وعي بما يحدث فعلا من تصدع لمعنى الحياة كقيمة لطالما كانت خارج نطاق المساومة والابتزاز والبيع والشراء.

في أعمال الفنان الحب للبيع والقيم للبيع والبشر للبيع، أفكار أدت بشكل رئيسي إلى جعل سي يبتكر عملة دولار جديدة من فئة “صفر” يزرعها كالألغام في طول وعرض المعرض في تجليات مختلفة.

لعب الفنان على المعنى المزدوج لفئة “صفر” التي استحدثها، فمن ناحية “صفر” هو كل شيء أمام المال، ومن ناحية أخرى المال هو “صفر” أمام حجم الخسارة التي سببها.

ومن الأعمال التي تجسد جليا هذا المنطق في التفكير وهذا السياق في تتبع الانهيار التام، نذكر تلك التي تحمل هذه العناوين “الحمار والجزرة”، و”شجرة الحياة”، و”إسمنت” و”القلب المحطم” و”أصل العالم الجديد” و”الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.

تتوسط بعض الصور النقدية “الصفرية” صور لوجه الخوارزمي البارز الملامح والحاد النظرات الذي يذكر الفنان إعجابه الشديد به، بوصفه مخترع رقم صفر، وفي ذلك إشارة من الفنان إلى أهمية هذا العالم التي توازي، لا بل تفوق قيمة الشخصيات الأساسية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية كدنزل واشنطن وأبراهام لينكولن.

وتكمن المفارقة الكبرى التي ربما هي نواة المعرض كله في أن الرقم الصفر هو الرقم الذي يلغي إذا ما أجريت عليه عملية الضرب، ولا يتغير ولا يغير إن تعرض لعملية الجمع، وهو مع ذلك الرقم الذي يزيد من قيمة الأشياء-الأرقام إذا ما كُتب بالقرب منها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر