الاربعاء 22 اكتوبر/تشرين الاول 2014، العدد: 9715
اختيارات
المحرر
الموسيقى الإلكترونية: ألعاب نارية والمدينة تحتفل
العرب  [نُشر في 08/07/2013]

أضواء ومؤثرات تكنولوجية في خدمة العرض الموسيقي 

أبو بكر العيادي

الموسيقى الإلكترونية ليست مجرد أنغام تعزف على آلة من تلك الآلات المتطورة التي يستفاد في صنعها مما بلغته التقنيات الحديثة، بل هي سعي جاد في البحث عن أنماط جديدة من الفن الموسيقي، لا تعتمد على صوت الإنسان ونغم الآلة فحسب، وإنما أيضا على سائر الأصوات التي تلتقطها الأذن، وعلى ما يمكن أن يستخرجه الفنان من أجهزة لا يفتأ يطورها ويؤلّف بين مختلف عناصرها، ليصوغ موسيقى غير التي اعتاد عليها الذوق العام. وقد ظهرت المحاولات الأولى منذ مطلع القرن الماضي، وبلغت أوجها مع الفرنسي جان ميشيل جار.

باريس- بدأت هذه التجربة في شكل إرهاصات مع المستقبليين الطليان، لويجي روسّولو بخاصة، الذين حاولوا ترتيب الأصوات وصنعوا آلات صنفوها ما بين "نافخة" و"مبقبقة" و"مشقشة"…، وكذلك الأمريكي جون كيج أحد مؤسسي تيار  فلوكسوس (اللافن)، الذي سعى إلى توسيع إمكانات البيانو بإضافة جهاز مركب صوتي مكيانيكي، وإدخال عنصر الصدفة في العزف، حيث يكون العازف غير عارف مسبقا بالصوت الذي سيصدر عن الآلة. والفرنسي إدغر فاريز الذي أدخل أصواتا صناعية في موسيقاه وجاء بفكرة التمكين السمعي.

سليل التكنلوجيا

بعد الحرب العالمية الثانية، ابتكر الفرنسيان بيار هنري وخاصة بيار شافير الموسيقى الملموسة، حيث يكون الملحن مبدع أصوات قبل أن يكون مبدع ألحان، أي أنه ينطلق من صوت مسجَّل ويحدّد عند سماعه الإمكانات الدرامية لذلك الصوت، ليعمل على استثماره أو تحويله. ولم تظهر الموسيقى الإلكترونية حقا إلاّ مع ستوكهاوزن في ألمانيا، الذي أنتج الأصوات بواسطة الآلات الإلكترونية. هذه المدارس التي تمارس "الموسيقى الإلكتروسمعية"، أثرت في أغاني المنوعات في سائر البلدان الغربية، وكذلك في الموسيقى التصويرية للسينما والمسلسلات الدرامية.

مع تطور التقنيات الحديثة، إلكترونية ورقمية، تعددت التجارب وظهرت أسماء كثيرة مثل كيتارو وفانجيليس ويانيس كريسومالّيس -الشهير بياني-، وخصوصا الفرنسي جان ميشال جار الذي سينزل ضيفا على مهرجان قرطاج الدولي التاسع والأربعين في شهر أغسطس/ آب القادم (تحديدا 12 أغسطس). فهو عملاق الموسيقى الإلكترونية، وأحد بناتها الأساسيين. نشأ في وسط فني، فجده كان أول من أعدّ نضد ميكساج للإذاعة الفرنسية، وأبوه موريس جار كان من أشهر واضعي الأفلام الفرنسية والأمريكية. وبرغم تكوينه الأدبي -إجازة في الأدب المقارن من جامعة الصربون، وأطروحة عن فوست بين غوته وغونود- فقد ولع بالموسيقى منذ صباه، فالتحق بالكونسرفتوار، وساهم في عدة فرق روك وجاز كعازف قيثارة كهربائية، كما ألّف ولحّن أغاني كثيرة لكبار الفنانين الفرنسيين، ووضع موسيقى تصويرية لعدة أفلام فرنسية وأجنبية.

ثم كان المنعرج يوم التحاقه بمجموعة البحوث الموسيقية التي أسسها بيار شافير،  وتضم مجموعة من الموسيقيين الباحثين عن سبل جديدة. هناك أظهر براعته في التحكم في الأجهزة الجديدة والتقى بملحنين كبار مثل برنار بارميجاني وكارل ستوكهاوزن. وعند انفصاله عن تلك المجموعة، كان قد اكتسب الخبرة والمهارة وبدأ يحفر مجراه.

نجومية عالمية

سطع اسمه عالميا عام 1976 عندما أصدر ألبومه "أوكسجين"، الذي شكل تحولا في الموسيقى الإلكترونية وجلب لها اعتراف الجمهور العريض. فقد جاءت ألحانه في شكل أنغام بسيطة هادئة منسابة، وتركزت بالأساس على الأجهزة "الكهرصوتية" (القادرة على تعديل العناصر الصوتية أو إعادة تركيبها انطلاقا من مكوناتها الأصلية)، لتقطع مع الموسيقى الاصطناعية السائدة خصوصا في ألمانيا مع كلاوس شولتز وفرقة "كراوتفيرك"، وكلاهما يستعير أصوات الآلات المستعملة في الحياة اليومية كتعبير عن الخوف من التكنولوجيا التي قد تفقد الإنسان إنسانيته. ثم أضاف جار إلى تلك الأجهزة آلات مبتكرة كـ"الهَرْب" الليزري، والتيريمين، والأرغن البربري، والكريستال باشيه، والـ"هانغ".

فضاء وأضواء

 وطّد شهرته بألبوم آخر هو "إيكينوكس" (اعتدال الربيع أو الخريف)، حيث أصوات الطبيعة (المطر، الريح، أمواج البحر…) حاضرة بشكل لافت، فإذا السامع يحلق في فضاء سرمدي كأنه في حلم لذيذ، وقد استند في صياغة ألحانه على آلات صنعت خصيصا له، استعملها كذلك في عروضه الحية خارج الأستوديو.  وكذلك ألبوم "آييرو" الذي احتفت موسيقاه بالريح ونواعير الهواء، في ألحان ساحرة.

مما ساهم في ذيوع صيته عالميا، تكريسه مفهوم الحفل الضخم الذي لا يكتفي فيه بالوقوف على مصطبة كما هو شأن الفرق الأخرى، بل يستغل المكان ومحيطه من ميادين وواجهات وأسقف مبانٍ ليركز معدات ضخمة ترسل حشدا من الأضواء وحتى الشماريخ فتعطي الفضاء ومعالمه قيمة مضافة، فإذا هو عرض فرجوي شامل، يجمع بين الموسيقى الإلكترونية والألعاب الضوئية ومؤثرات الألعاب النارية. وكان قد أطلق على تلك الحفلات في بدايتها "المدينة تحتفل"، فلما حقق حفل الكونكورد بباريس عام 1979 نجاحا باهرا، سار  عليه جار  في عروضه اللاحقة التي قدمها في مدن كثيرة من العالم، لا يستثني منها أي قارة، حيث أقام حفلات عملاقة في هيوستن ولندن وموسكو وغدانسك وأثينا وشنغاي وبيكين وأوكيناوا وموناكو فضلا عن باريس وليون مسقط رأسه، وكذلك مرزوقة المغربية والقاهرة. وقد شهدت كلها حضورا جماهيريا غفيرا حطم كل الأرقام، حتى أن اسمه أُدرِج ثلاث مرات في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. ولم يكن جار يستأثر بالعرض بل كان عادة ما يقحم عناصر محلية، إما باستغلال تراثها الموسيقي أو بفسح المجال لأحد فنانيها.

ولا يهم جار أن يقتفي الآخرون خطاه، فالمهم بالنسبة إليه هو طبيعة ما تقترحه على الجمهور. يقول جار : "الموسيقى شديدة الذاتية، جعلت لخلق صور ورؤى في الذهن. ما إن تشرع في تحديد الأشياء بصريا أو بالكلمات، حتى ترتدّ إلى صورة تكاد تكون عادية". فموسيقاه موسيقى مناخ يأخذ سامعها إلى عالم ساحر حيث الأشياء منسابة في فضاء لا متناه. ولذلك يحتفي به الناس، عارفين وعاديين، احتفاءهم بعملاق طبع فنه ببصمة خاصة. وقد أصاب الصينيون حينما أطلقوا عليه لقب سيد الإلكترونات الأكبر.

البحث
العالم الآن..
    اخبار اخرى
    حركة النهضة تغير مواقفها بمحرك رباعي الدفع
    الائتلاف السوري المعارض يضع شروطا لدعم الحل السياسي
    القبائل الليبية تفوّض مصر للتوسط في حل أزمة البلاد
    موازنة مغربية طموحة تتحدى آثار المناخ القاتم للاقتصاد العالمي
    العبادي في رحلة إعادة تعديل ساعة العراق على توقيت طهران
    عين العرب تعري ازدواجية واشنطن في تعاملها مع الأزمة السورية
    هل تنجح تونس في الوصول بتجربتها الديمقراطية الوليدة إلى بر الأمان
    مصر تكشف عن مشاريع تكنولوجية عملاقة استعدادا للمؤتمر الاقتصادي
    الحكومة المغربية تجاهلت المعارضة خلال إعداد القوانين الانتخابية
    الإخوان المسلمون يدافعون بشراسة عن 'الدولة الإسلامية' ويهاجمون منتقديها
    العراق يحذف أصفارا من العملة لتقليل التضخم
    الشيخ محمد بن زايد يبحث مع الرئيس نابوليتانو ورئيس الوزراء مستقبل الشراكة الإماراتية الإيطالية
    الأمين العام لحزب الثقافة والعمل لـ'العرب': المشهد البرلماني في تونس لن يتغير كثيرا
    جدل: التطرف له مزايا إخوانية
    الأمين العام لحركة الشعب لـ'العرب': تونس تمر بمرحلة صعبة بسبب الإرهاب
    العاهل الأردني يتعهد بمواصلة الحرب على الإرهاب
    جماعة الحوثي تجر اليمن إلى مستنقع الحرب الطائفية
    تحرير التجارة يزيد ثراء العالم 11 تريليون دولار
    البرلمان الليبي ينحاز إلى اللواء حفتر في معركته ضد الميليشيات
    عمان تخفض الإنفاق لتراجع أسعار النفط
    الانتخابات التشريعية في تونس
    تحذير في البحرين من نقل معركة عرقلة الانتخابات إلى الشارع
    المحامية نسرين سوتوده ضحية 'التوزيع العادل للقمع' في إيران
    مصدر وماساتشوستس في 4 مشاريع تكنولوجية
    المستقبل يربط التمديد للبرلمان اللبناني بالاستحقاق الرئاسي
    ...
    >>
    • صحيفة العرب تصدر عن
    • Al Arab Publishing Centre
    • المكتب الرئيسي (لندن)
      • Kensington Centre
      • 66 Hammersmith Road
      • London W14 8UD, UK
      • Tel: (+44) 20 7602 3999
      • Fax: (+44) 20 7602 8778
    • للاعلان
      • Advertising Department
      • Tel: +44 20 8742 9262
      • ads@alarab.co.uk
    • لمراسلة التحرير
      • editor@alarab.co.uk