الثلاثاء 2 سبتمبر/ايلول 2014، العدد: 9667
اختيارات
المحرر
أحداث الشعانبي والإرهاب في تونس
العرب  [نُشر في 07/05/2013]

المتشددون  يحاولون تغيير نمط المجتمع التونسي بالقوة

من يقف وراء أحداث جبل الشعانبي بمحافظة القصرين غرب البلاد التونسية؟ سؤال يتردد في الأوساط التونسية لكن الإجابات عنه ظلت غامضة إلى حد الآن. ويذهب البعض إلى أن الدولة في فترة حكم النهضة الإخوانية شهدت ضعفا فادحا مما مكن التيارات المتشددة من البروز وقد ساعدها على ذلك الانفلات الأمني والفوضى التي تولدت عن الثورة ولم تقدر الحكومة على ضبط الأمن وجعل التونسي يشعر بالأمان.

وكثيرا ما تعالت الأصوات في الإعلام وحذرت من أن الوضع يشهد تسيبا يشي بتنامي الأنشطة الإرهابية سواء تلك المتعلقة بتهريب الأسلحة من وإلى ليبيا والجزائر أو من خلال عمليات تجنيد شبان ينتمون إلى التيار الديني المتشدد للقتال في سوريا.  ولكن لم تكن هناك آذان صاغية من السلطة بل تمادت في تقديم التبريرات لتلك الجماعات التي اختارت طريق المواجهة وخيرت رفع السلاح بل إن الخطاب الرسمي كان ينفي وجود أية خطورة حقيقية لغول الإرهاب ويُتهم الإعلام بتهويل المسألة لغايات سياسية بحتة. ونعرض هنا لقرائنا الأفاضل موقفين من أحداث الإرهاب التي جدت في تونس؛ الأول للناطق الرسمي باسم حزب التحرير رضا بلحاج والثاني لأستاذ التاريخ والمختص في دراسة الجماعات الإرهابية إعلية العلاني.

الإرهاب بصدد العمل على التمركز في تونس

يذهب الباحث التونسي إعلية العلاني إلى أن زرع الألغام بالشكل المنظم والمتطور في محمية جبل الشعانبي من محافظة القصرين (غرب تونس) إضافة إلى اكتشاف العديد من أنواع الأسلحة المتطورة في الآونة الأخيرة يدل على وجود مختصين في الإرهاب بصدد العمل على التمركز في تونس بعد أن أصبحت أوضاع القاعدة في  المغرب الإسلامي صعبة.

وأوضح العلاني أن المجموعات الإرهابية في تونس وجدت مناخا ملائما لها لتنموَ فيه وهو مناخ الاحتقان واهتمام الدولة بملفات أخرى غير الملف الأمني، داعيا في هذا السياق إلى ضرورة أن تُغير الحكومة سياستها.

كما دعا أستاذ التاريخ والمختص في دراسة الجماعات الإرهابية إلى ضرورة تنظيم مؤتمر وطني للإرهاب.

وقال العلاني  إن المؤتمر الوطني للإرهاب يجب أن يشارك فيه جميع التونسيين وتحضره جميع التيارات لاسيما الإسلامية منها لمناقشة استراتيجية الأمن في تونس. وأكد إعلية العلاني على أن تيارات العنف لا يمكن أن يتم القضاء عليها بالعنف بل بالحوار. وانتقد علية العلاني وجود عدد من المساجد في تونس تحت تصرف التيارات المتشددة.

وأشار العلاني إلى أن السبب الرئيسي في ارتفاع العمليات الإرهابية المنسوبة إلى تونسيين يعود إلى غياب استراتيجية دينية للدولة الحالية، بدليل أن وزارة الشؤون الدينية لا تسيطر على المساجد وهو ما فسح المجال للتيارات المتشددة بالانتشار. وأضاف أنه في غياب حوار حقيقي بين مختلف الفصائل الإسلامية زاد المسألة تعقيدا ملاحظا أن حركة النهضة نادت بالحوار مع التيار السلفي الجهادي لكنها لم تفلح. كما أن احتقان الوضع السياسي والاجتماعي والصعوبات الاقتصادية عوامل شكلت بدورها مناخا ملائما لتطور التيارات المتشددة، في ظل غياب تيار الإسلام المحلي.

ولعل ما وقع في المدة الأخيرة من هجرة للجهاديين في سوريا في غياب مراقبة حكومية جعل نشاط الجهاد بين التونسيين بالخارج لافتا للنظر بالنسبة لوسائل الإعلام الوطنية والأجنبية.

و دعا الباحث في التيارات الإسلامية إلى ضرورة ضبط استشارة وطنية حول السياسة الأمنية لاسيما أن الوضع الأمني من وجهة نظره يتطلب إصلاحات كبيرة وترسانة هامة من القوانين.

وقال إننا في تونس لم نصل بعد إلى مرحلة توافق مجتمعي حول السياسة الأمنية، مشيرا إلى أن الحكام العرب اعتقدوا عقب ثورات الربيع العربي كما شعوب الربيع العربي أن زوال النظام الاستبدادي وحده كفيل بعودة أمن قوي للبلاد، غير أنه لا يمكن لمنظومة أمنية أن تتحسن دون آليات وهو ما يترجم هشاشة الوضع الأمني اليوم الذي يحيل إلى وجود خلل ما. وأكد العلاني أنه من الضروري دمج الهياكل الأمنية بين بعضها البعض خاصة في بعض المناطق الحدودية.

وأشار إلى أنه منذ تشكيل الحكومة الأولى والثانية لم تستطع الحكومة كما المعارضة أن يجلسوا على طاولة واحدة للاتفاق على نمط المجتمع وضبط سياسة واضحة للأمن الشامل الذي يضبط خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها. وبرر العلاني دعوته إلى مؤتمر وطني ضد الإرهاب باعتبار أن هذه المسألة أصبحت مسألة مقلقة، فنحن في تونس مررنا بظروف صعبة منذ اندلاع الثورة إلى اليوم وقد مرت سنتان ولم يعد بالإمكان إطالة الوضع اللاّأمني أكثر من هذا خاصة بعد مقتل المرحوم لطفي نقض والمرحوم شكري بلعيد.

المسألة يلفها كثير من الغموض

يرى الناطق الرسمي باسم حزب التحرير رضا بلحاج أن هناك بعضا من وسائل الإعلام الداخلية والأجنبية تحاول ترهيب المواطنين من خلال تضخيم بعض الأحداث.

وقال بلحاج الغاية من تناول وسائل الإعلام لمصطلح الإرهاب وخطورته على تونس يهدف إلى ترهيب التونسيين

وضرب الثقة والوحدة بينهم، فهم يريدون إرهاب الناس بالإرهاب.

كما أشار الناطق الرسمي باسم حزب التحرير إلى أنّ ما يحصل اليوم في منطقة الشعانبي في محافظة القصرين مسألة يلفّها الكثير من الغموض والريبة نظرا لمستجدّات الواقع.

وأوضح بلحاج أنّ حزب التحرير لديه شكوك كبيرة حول توّرط جهات استخباراتية قريبة من المنطقة باعتبار أنّ الناطق باسم وزارة الدّاخلية قد أعلن أنّ عمليّة زرع الألغام ليست من صنع هواة أو متطوّعين بل هي على درجات عالية من الخبرة ممّا يفسّر حتما ضلوع أشخاص ذوي خبرة وتجارب.

 ويذهب  بلحاج إلى أنّ هذه الأعمال تصنّف ضمن أعمال الإثارة لاستدراج تونس لوضعية الفوضى والبلبلة وإعادة إخراج لسيناريو محاربة الإرهاب من جديد من خلال المبالغات والمزايدات هنا وهناك للإعداد لترسانة من القرارات، مؤكّدا أنّ تونس تجاوزت مسمّيات محاربة التطّرف والإرهاب فلم يعد حسب رأيه هناك مبرّر لاستنساخ تجربة النظام السابق في استئصال الحريّات بهذه الطريقة.

وتندرج رؤية بلحاج من مسألة الإرهاب ضمن رؤية أكبر تصنف الواقع السياسي الحالي إلى موال للغرب وضد الغرب، خاصة الأطياف السياسية الكبرى كحركة النهضة ونداء تونس. فهو يشير في حديثه دائما إلى أنّ حركة النهضة وحركة نداء تونس تستقويان بالأجنبي وتتسارعان لكسب رضا الدول الغربية. فبعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد، كتبت إحدى الصحف الناطقة باسم حركة النهضة على الصفحة الأولى إنّ أميركا تؤيّد صيغة الحكم في تونس وهذا يعني ضمنيا أنّ على الجميع أن يعلم "أن أميركا بجانبي" على حدّ قوله.

أما بخصوص حركة نداء تونس، فقال بلحاج إنّ الباجي قائد السبسي ذهب إلى فرنسا والتقط صورا مع شخصيات سياسية فرنسية ليبعث برسالة مفادها أن فرنسا "راضية عنّا" حسب رأي بلحاج.

كما صرح رضا بلحاج في وقت سابق بأن النهضة من حيث اعتبارها طرفا في الحكم لا يجوز تحميل أخطائها على الصحوة الإسلامية و يجب مراقبة عملها

و محاسبتها، و لا سيما أن الحركة اختارت إرضاء الغرب و العلمانيين وهو ما جعلها في وضعية اختلاف مع طموحات التيار الإسلامي. فالنهضة كحزب حاكم، نحن نحاسبها ونتشدّد معها ونذكرها بأن الحكم أمانة فلا يجوز أن يشرع في الدولة ما يخالف الإسلام ولا أن يطبق ما ينافي الإسلام ونحن لا نتوانى في ذلك البتة وهذه مسؤوليتنا باعتبار الحكم الشرعي وقوله عليه الصلاة والسلام "خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". 

أما النهضة كحركة مفتوحة فنحن لنا معها علاقات متنوعة بحكم عيشنا في نفس الفضاء والبيئة كالمساجد والجامعات وأماكن أخرى من خلال شبكة علاقة عادية جدا والكثير من منتسبيها يرى أنها بديل للحكم الإسلامي فنحن نتواصل ونرشد ونسمع منهم من دون عداء بمفهوم المعاداة على غرار ما يحاول البعض دفعنا إليه كالدفع بالإسلاميين ضد بعضهم البعض لتصبح المعارك شخصية، مع ذلك نحن لا نهادن ولا نسكت.

وفي خضم أعمال الإرهاب الحالية التي عرفها جبل الشعانبي فإن حزب التحرير كعادته يدرج المسألة في إطار عام وهو محاولة ترهيب الناس وتخويفهم من انفلات الوضع الأمني.

حكومة النهضة لم تقدر على كبح جماح التشدد

العديد من الأحداث تشير إلى أن التشدد بدأ يجد الأرضية للنمو والتطور والتعبير عن نفسه في تونس، من خلال القيام بأنشطة مختلفة بدأت احتفالية وانتهت بإقامة الحدود على الخارجين عن أحكام الشريعة وفق تصورهم الفقهي.

وقد وجد المتشددون الظروف مواتية للنشاط  والعمل المنظم الذي يتلقى دعما خارجيا ليضع تونس البلد المنفتح والذي يعد نموذجا للاعتدال والتسامح في مصاف البلدان التي يسود فيها الفقه الذي لا يرى إلا فهما أوحد للنص  القرآني ولتعاليمه السمحة.

ويعزو كثير من المحللين ذلك إلى أن حكومة النهضة لم تقدر منذ توليها الحكم على إرساء دولة القانون  والمحافظة على الروح الوسطية التي يتمتع بها التونسيون بعيدا عن الغلو والتشدد.

واكتفت بتنصيع صورتها والتمسك بشرعيتها دون البرهنة عن جدارة بالأمانة التي أعطاها لها طيف واسع من الشعب التونسي مما جعل العديدين يغيرون مواقفهم منها ويعقدون العزم على عدم التصويت لها في المستقبل.

 وما أشرنا إليه تؤكده تقارير إعلامية أجمعت على تغول المتشددين في تونس وتصرفهم بكل أريحية دون رقيب أو حسيب يأمرون وينهون. فقد ذكرت تقارير إعلامية في تونس الأحد الماضي أن قوات الأمن أوقفت ثلاثة أفراد ينتمون إلى التيار السلفي المتشدد كانوا أقاموا الحد على محافظ شرطة والتنكيل بجثته بينما كانوا يقومون بدورية ضمن ما يعرف بـ"الشرطة السلفية".

وتم اكتشاف جثة محافظ شرطة تعرض للذبح والتنكيل في منطقة جبل الجلود وهو حي شعبي يقع بالمدخل الجنوبي للعاصمة منذ يوم الأربعاء.

وأدت تحريات الشرطة في البداية إلى إيقاف شخصين في محافظة مدنين بالجنوب التونسي بينما تم مؤخرا إيقاف المتهم الثالث.

وقالت صحيفة "الصباح" التونسية في عددها الصادر يوم الأحد إن المتهمين ينتمون للتيار السلفي المتشدد وكانوا ليلة الجريمة يقومون بدورية "للشرطة السلفية" في جبل الجلود، عندما لاحظوا الضحية بصدد قضاء حاجة بشرية على الطريق.

وأفادت الصحيفة بأن المتهمين ظنوا أن محافظ الشرطة في حالة سكر ما دفعهم إلى إقامة الحد عليه بذبحه وتسديد طعنات قاتلة في عدة مواقع بجسمه والتنكيل بجثته. وبعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في ثورة 14 كانون ثان/ يناير تصاعد نفوذ الجماعات الإسلامية ومن بينها التيار السلفي المتشدد في المساجد والشوارع.

وأدى الفراغ الأمني وغياب سلطة الدولة في عدة مناطق بالبلاد إلى ظهور جماعات متشددة تقوم بدوريات في الأحياء الشعبية في حين تعرضت العديد من المسارح الفنية والنزل ومراكز بيع الخمور إلى عمليات مداهمة وتخريب.

وكانت أحداث جبل الشعانبي تتويجا لتراخي قبضة الدولة لتترك المجال للجماعات المتشددة التي اختارت المواجهة مع عناصر من الأمن وصلت إلى حد زرع الألغام ما نتج عنه العديد من الإصابات في صفوفهم. وبتطور الوضع الأمني إلى هذه الدرجة جعل الجيش ينزل إلى المنطقة التي وقعت فيها الأحداث ليطوقها.

كما واصلت وحدات الأمن والجيش التونسي عمليات تمشيط مخابئ المجموعات المسلحة في جبل الشعانبي بمحافظة القصرين غرب البلاد. وقد أثارت هذه التطورات ردود أفعال في الشارع السياسي خاصة فيما يتعلق بتهديد هذه الجماعات للأمن الوطني.

وكانت قد اندلعت على المرتفعات المتاخمة للحدود الجزائرية مواجهات بين الجيش التونسي ومجموعات مسلحة تحصنت بالمنطقة أدت إلى إصابة ما لا يقل عن 9 عناصر أمنية، وفي الوقت الذي أكد فيه وزير الداخلية أن المجموعة كانت محل رصد، يرى بعض المراقبين إن الصدفة وحدها أسهمت في الكشف عن أوكار المسلحين. وأثارت العملية تفاعل الشارع التونسي الذي اندفع معبرا عن مساندته لجهود مقاومة الإرهاب، في حين أثارت الخسائر البشرية في صفوف قوات الشرطة والجيش تساؤلات لدى السياسيين عن نقص العتاد والإمكانيات المسجلة في هذه الظروف.

البحث
اخبار اخرى
التمرد الحوثي يبدأ العصيان المدني في صنعاء
هاجس المحاسبة يدفع الغنوشي إلى البحث عن ضمانات سياسية
مظاهرة ضد 'داعش' أمام مقر الإخوان في لندن
المغرب يحصي سكانه لتقييم المنجز والتخطيط للمستقبل
تراجع داعش شمال العراق في ظل تعهدات بإرسال أسلحة إلى الأكراد
تنسيق بين الأردن والناتو لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية
تنظيم أنصار الشريعة ينقلب على ميليشيات 'فجر ليبيا'
منتدى الأمم المتحدة لتحالف الحضارات فرصة للاحتفاء بتنوع العالم
خبير اقتصادي لـ'العرب': الوضع الاقتصادي التونسي كارثي
تريليون دولار حجم الاستثمار الصناعي بدول الخليج في 2020
الضربات الجوية الأميركية ضد 'داعش' آتت أكلها لكنها ليست كافية
ولي العهد السعودي يبحث سبل مواجهة داعش في زيارته إلى فرنسا
حزب الله اللبناني يستعد للانسحاب من سوريا
التطرف يقوض ما تبقى من علمانية وتسامح في سوريا
السعودية توقف إصدار تأشيرات العمل لدول 'الإيبولا'
الكونغرس يبحث مساعدة مصر في مواجهة الإرهاب
قضاة المغرب يطالبون وزير العدل بالتحقيق في تهم الفساد
السجن بحق جزائري صور رجال شرطة 'وهم يسرقون'
السعودية تلزم السيارات ببطاقة كفاءة الطاقة
حرب غزة بين دعاية الانتصار لحماس والدمار المميت
موديز تصنف صكوك إمارة الشارقة السيادية عند 'ايه 3'
كاميرون يكشف عن خطة للحد من خطر الإرهابيين
تأجيل محاكمة المعارض الكويتي مسلم البراك
المتشددون في تونس يواصلون استهداف قوات الأمن
اتهامات لأوباما بالسماح للإخوان بالتسلل إلى إدارته
...
>>
  • صحيفة العرب تصدر عن
  • Al Arab Publishing Centre
  • المكتب الرئيسي (لندن)
    • Kensington Centre
    • 66 Hammersmith Road
    • London W14 8UD, UK
    • Tel: (+44) 20 7602 3999
    • Fax: (+44) 20 7602 8778
  • للاعلان
    • Advertising Department
    • Tel: +44 20 8742 9262
    • ads@alarab.co.uk
  • لمراسلة التحرير
    • editor@alarab.co.uk