الثلاثاء 21 فبراير/شباط 2017، العدد: 10550

الثلاثاء 21 فبراير/شباط 2017، العدد: 10550

سوريا.. مصالحات صامتة

الواقع السوري العالق بين مفاوضات الخارج المرهونة بما تخيطه الدول والقوى الفاعلة التي تغرق السوريين بدمائهم، وبين مصالحات الداخل الهشّة والآنية والمشـروطـة، لن ينتج تحت مسمـى التسـويات سـوى 'مسكّنات'.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(8)]

ترافقت الكارثة السورية مع ملف كبير من اللقاءات والمفاوضات التي تدفع بعجلة الحل السياسي إلى الأمام، كما ترافقت مع العديد من الهدن ومحاولات التهدئة أو ما يسمى بـ“المصالحات الصامتة” التي تطبّق برعاية النظام في العديد من المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المعارضة، بدءا من حي الوعر في حمص وصولا إلى ما يجري حاليا في ريف دمشق الغربي.

الأحداث الكارثية في سوريا التي تم توصيفها تحت مسمى الحرب الأهلية، رغم قصور هذا التوصيف وتجاوزه للكثير من المعطيات وعلى رأسها التدخلات الخارجية لصالح النظام أو لصالح الميليشيات المسلحة، جعلت السعي لحل المشكلة السورية، الذي تتخذه الأطراف الخارجية الفاعلة في المسار السوري، يكتفي بالعمل على وقف إطلاق النار “المحدود” والتفاوض السلمي على تسويات الحد الأدنى بين القطبين “المعارضة والنظام” الناتجة عن التعامل بواقعية مع تعقيدات الصراع السوري وتداخلاته.

فهذه التسويات رغم اقتصارها على إدراك كافة الأطراف المتنازعة لاستحالة الحسم العسكري وجلوسها على طاولة التفاوض والاتفاق فيما بينها على الاعتراف السياسي المتبادل، أو الاتفاق على دستور جديد وبعض الأمور التفاوضية الأخرى بحدودها الدنيا، فإنها تبرز مقدار انعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة، والتعارض بين مصـالح الأطـراف الإقليميـة والدولية الـداعمة لأطراف الصراع، كمـا تظهـر أن طريق السلام الذي تسعى لتأمينه لـن يكـون سلاما مستداما طالمـا لم يتعامل مـع الجذور العميقة للصراع والمسببات الأساسية لاستمراره.

تسويات الحدود الدنيا قابلتها داخليا المصالحات الصامتة التي تأتي بعد معارك منهكة وحصار وتجويع تؤدي إلى قبول الطرف المحـاصر في حـالة الضعـف بمـا يقـدم له من شروط تكتفي بإخماد النيران، ونقل الصـراع من مكـان إلى آخر، وفرض نوع من التعايش دون وضع حل نهائي ودائم.

فالخلاف المجتمعي السوري، الذي تأسس منذ ربيع العام 2011 في توصيف الأحداث وتأويلاتها والذي تحول لاحقا إلى فعل تبريري لما تجسد على أرض الواقع من مجازر جماعية وتهجير قسري وهيمنة قيم الثأر والتعصب وشيطنة الخصوم وغيرها، يشير إلى أن الكارثة السورية لا تنتهي بانتهاء الحرب، ولن ينهيها ترقب وقف إطلاق النار وتسجيل الخروقات والذي يكون مجرد مرحلة لالتقاط الأنفاس يعمد فيهـا كل طرف إلى إعادة تـرتيب أوراقه وبناء قـدراته تحسبا وتجهيزا للحظـة اندلاع النزاع مجددا، كما أن انتظـار المفاوضات بين وفديْ الحكومة ومجموعات المعارضة السياسية في أستانة أو جنيف لن يجدي نفعا في الصراعات الداخلية ذات الامتداد الخارجي، إذ أن أي تحفيز خارجي يقدّم لأحد الأطراف سيفتح المجال لتجدد الصراع. أما المصالحات الصامتة فحدودها القصوى الرهان على تكيّف أطراف النزاع وقبولها عمليّا بالمساحة التي يشغلها كل طرف، دون أن تقوم بمحاولة تدمير بعضها أو الآخرين، وهو رهان متعثر ومحفوف بالانفجارات المستقبلية لابتعاده عن اتخاذ مسار المصالحة الشـاملة والعلنية بمعناها التفاعلي القادر على تفادي الاقتتال والتـأسيس لبناء صحيح، والتي مازالت حتى الآن طريقا مسـدودا في وجـه السوريين.

فالمصالحة الشاملة تتطلب، إضافة إلى تسويات الحد الأدنى، الاعتراف المتبادل والمعلن للمصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأطراف الصراع، وبناء منظومة للعدالة الانتقالية، والاعتراف بأخطاء الماضي، والنظر في الانتهاكات بعد التحقق من صحتها ومحاسبة الجناة، والتعويض الحقيقي أو الرمزي لضحايا الأطراف المتضررة.

الواقع السوري العالق بين مفاوضات الخارج المرهونة بما تخيطه الدول والقوى الفاعلة التي تغرق السوريين بدمائهم، وبين مصالحات الداخل الهشّة والآنية والمشـروطـة، لن ينتج تحت مسمـى التسـويات سـوى “مسكّنات” للحدّ من تصميم الأطراف المتنازعة على إنهاء الوجود المادي لبعضها البعض، والتي أبعدت عن السوريين بوادر ظهور إجراءات عملية تمهّد لمصـالحات شـاملة ناتجة عـن قنـاعة مجتمعية في تجـاوز سلبيات الماضي، والعمل على إنقاذ مستقبل سوريا التي ضربت الكارثة عمقها البشري والمادي والحضاري.

كاتبة سورية

هوازن خداج

:: مقالات أخرى لـ هوازن خداج

هوازن خداج

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر