الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

حزب التحرير والعصيان على المدنية

قد يكون من باب السذاجة الفكرية الانتظار من تجمع سياسي ينكر السياق الفلسفي والمعرفي الراهن ويرفض تجاوز مقولة “الخلافة” أن تكون له الجرأة السياسية والأخلاقية لمراجعة مواقفه من الأزمة في سوريا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(9)]

مرة أخرى يدفع حزب التحرير الرأي العام التونسي إلى طرح إشكالات ومسائل سياسية خارج الطرح، وعلى هامش الاستحقاق الثقافي والرهان الاستراتيجي المحلي والإقليمي، الأمر الذي يكشف مدى المعضلة الفكرية والسياسية التي يتردى فيها الحزب منذ عقود خلت من فعل التأسيس.

ذلك أنّ من أوكد مهام الحزب عموما كامنة في “الدور الطلائعي” من حيث ثوريّة المضامين السياسية وعمق الأطروحات الفكرية القادرة على تشخيص المأزق وتوصيف الحلول وتكريس مبادئ المواطنة وتجذير أسس العدالة والكرامة، وعندما يتصدّى “التحرير” لترويج عبارات خارجة عن الإجماع والتوافق المواطني وبعيدة عن العقد الاجتماعي المبرم عبر دستور 2014، فهذا يدلّ على أنّ التنظيم أقل من أن يكون حزبا، وأقصر من أن يطوّر مقولات سياسية معتبرة.

يعيش الحزب حالة إنكار سياسي لضرورات التغيير في المقولات التأسيسية للتيارات الأيديولوجية التي انبثقت في العالم العربي منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى.

حتمية التجاوز التي أقدمت عليها كافة الحساسيات السياسية بداية من مقولة “دكتاتورية البروليتاريا” في اليسار، مرورا بمقولة “الولايات العربية المتحدة” لدى بعض التيارات القومية، وليس انتهاء بمقولة “ما بعد الليبرالية”، حيث تستحيل الدولة إدارة لدى الخواص، صلب العديد من الأحزاب الليبرالية، ناكفها حزب التحرير منذ البداية متناسيا أنّ الصراع مع الحتميات هو، في المحصلة، صراع مع التاريخ لا يفضي سوى إلى خيار الخروج النهائي من منطقه.

الندوة الصحافية التي عقدها الحزب، الاثنين الماضي، في العاصمة التونسية أبرزت الهوّة السياسية والحضارية السحيقة القائمة بين الحزب والإجماع السياسي والتعاقد المجتمعي المحلي، والغريب أنّ ذات الحزب الذي يرفض الدولة ويأبى مدنيتها ويندد بمبادئ جمهوريتها، هو ذاته الذي يعلن الدخول في عصيان مدني ضدّ مؤسساتها.

فلئن كان “التحرير” لا يعترف بالمدنية مقابل إقراره بوجوب الخلافة، ولا يقرّ بعلوية المؤسسات مقابل شبه تنزيهه لـ”الخليفة الفرد” ولا يقبل بدستور الجمهورية الثانية في حين يتمسك بمجموعة تدوينات غابرة أتى عليها الدهر، فأنى له إذن أن يعلن العصيان ناهيك عن أن يردف له وصف “المدنية”، وهو وصف لا يتأتى إلا في سياق مدنية الدولة ومدنية المجتمع ومدنية المجال العامّ.

الأكثر مفارقة في الندوة الصحافية كامن في إصرار “التحرير” على أنّ المقاتلين التونسيين في سوريا الذين انضموا إلى مجموعات إرهابية ليسوا بالإرهابيين، وهو تصريح أقرب منه إلى الديماغوجيا والأيديولوجيا العمياء التي توصل أصحابها إلى درك إنكار الواقع وتجاهل البراهين، ولئن كان من محددات العقل السياسي السليم اعتماد الأدلة لبناء الرأي والموقف، فإنّه من علامات العلة في العقل السياسوي التمسك بالموقف حتّى وإن عارضته الحقائق.

قد يكون من باب السذاجة الفكرية الانتظار من تجمع سياسي ينكر السياق الفلسفي والمعرفي الراهن ويرفض تجاوز مقولة “الخلافة” أن تكون له الجرأة السياسية والأخلاقية لمراجعة مواقفه من الأزمة في سوريا، وتوصيف الجزء الأكبر من المشهدية العسكرية في الشام حربا إرهابية وظفت القوى الإقليمية خلالها شبابنا وقودا في المكاسرة الدولية التي انتهت بتوافق بين القوى الكبرى على اقتسام الكعكة الشامية، وتهجير “الفائض الإرهابي” إلى بلدانهم الأصيلة والقضاء على الرافضين للعودة.

قد نتقاطع جزئيا مع الحزب في مقولة أنّ تونس تستعد لإقامة سجن كبير للإرهابيين، هذا صحيح، لكنه بالتأكيد لن يكون على غرار سجن غوانتانامو بكل بساطة أيضا، كتلك التي يخاطب بها الحزب والرأي العام، لأنّ تونس لم تتسوّغ جزيرة من دولة أخرى لمدة 100 عام على غرار ما تفعله واشنطن مع كوبا.

بيد أنّ الإجابة الحقيقية كامنة في أنّ تونس لا يمكنها إجرائيا إضافة مساجين أجانب للمساجين التونسيين، أولا لكثرة العدد وقلة السجون، وثانيا لأنّ الدولة التونسية تربطها اتفاقيات ثنائية وثلاثية ودولية لتسليم وتسلم إرهابيين، وثالثا لأنّ غوانتانامو كان شكلا من أشكال العربدة من طرف الدولة المارقة، وتونس أقل من أن تعربد إقليميا وأنصف من أن تتحول إلى دولة مارقة.

بإمكان حركة النهضة أن تختفي وراء الرمادية الخطابية حيال قتال الشباب التونسي في سوريا، ولكن منحها تأشيرة العمل لتنظيم سياسي لا يؤمن بالدولة ولا بالجمهورية ولا يصف الإرهاب الداعشي بالإٍرهاب، يضعها في قلب المسؤولية السياسية والأخلاقية على تبييض الإرهاب.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر