الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

نوستالجيا بالخطوط والألوان تستعيد في اللوحة المكان الأول

  • يبدو الفنان التشكيلي السوري حسكو حسكو في لوحاته الأخيرة المعروضة في صالة “أرت أون 56 ستريت” البيروتية، وكأنه يطلعنا على عالمه الفني المبنيّ عن صور التقطها وهو على متن طائرة مغايرة لكل الطائرات، طائرة مشرّعة ومفتوحة النوافذ وقادرة على منح ركابها ميزة تحدي مفاعيل الضغط الجوي والتصدي لسرعة العبور بمحاذاة مساحات طبيعية ارتسمت معالمها ومعالم حيواناتها ونباتاتها على تخوم خطوط عرض لا مرئية خطّها الفنان وحفر أخاديدها، فعمّقت من فكرة الحنين إلى معالم زالت من الزمن الحاضر.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/07/08، العدد: 10328، ص(17)]

حيوانات وطيور ترعى الألوان الندية

بيروت- ليس المعرض الأخير الذي قدمه الفنان التشكيلي السوري حسكو حسكو في صالة “أرت أون 56 ستريت” البيروتية أول ما قدم فيه سلسلة من اللوحات ترصد مشاهد طبيعة ولد وعاش في كنفها الفنان، واشتاق إليها بعد مغادرته سوريا قسرا، حتى بات الشوق المكون الأول لشخصيته الفنية، لكنه قد يكون الأول الذي قدم فيه ريف شمال حلب العزيز على قلبه على أنه غياب من نوع خاص.

غياب له حضرة الصمت المهول وخلود الجغرافيا خارج حدود فناء الدنيا، هكذا جاء عنوان المعرض “في حضرة الغياب” حاضنا لكل ما لفح الفنان وحرث روحه حرثا عميقا.

يُذكر أن الفنان حسكو علي أو مثلما يحب أن يسمي نفسه “حسكو حسكو” من مواليد قرية شران في محافظة حلب سنة 1973، انتسب إلى كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، بعيد تخرجه من قسم الرسم والتصوير وأقام معارض فردية، كما شارك في العديد من المعارض الجماعية.

في حضرة الغياب

ما برحت مفردات الطبيعة التي ولد وعاش في كنفها الفنان حسكو حسكو تخالط روحه وتسيّر ريشته على مساحات قماشاته اللونية، جاءت تلك المشاهد الخاطفة والساحبة أمام مرأى ذاكرته البصرية، لتكون الركيزة الأولى، أي خلفية اللوحة، قبل أن تستدعي إليها العناصر الغزيرة والمؤثثة وهي الحيوانات، والطيور التي تتحاور مع بعضها البعض، والنباتات والأشجار والبيوت من قش، والجداول، والتلال الغامضة التي ترق وتتكثف، تعلو وتستكين، ثم تنبسط في المواضع التي خصصها لها الفنان.

لوحة الفنان تكتنز بزور الشوق إلى الانتشار في الحقول الواسعة ما بين برك الماء والسواقي التي تعكس زرقة السماء وتنقل بدورها الخضرة إليها، انسجام تام بين عناصر الطبيعة وتآلف شامخ ما بين مختلف الحيوانات المرسومة حتى تلك البرية منها التي تشبه الذئاب والوحوش الأسطورية التي تبدو بعضها خيالات أو انعكاسات لبعضها الآخر.

اللوحات تكتنز بزور الشوق إلى الانتشار في الحقول، ما بين برك الماء والسواقي التي تعكس زرقة السماء وتنقل الخضرة إليها

كائنات استوحاها الفنان من الذاكرة الجماعية ومن ميثولوجيا شمال مدينة حلب الغنية، وكل ذلك في واقعية مختزلة تبعد الفنان عن مباشرة مملة تضع كل النقاط على الحروف. هذا ما تخبرنا به لوحات الفنان حسكو حسكو، تخبرنا عن مشاهد لبقاع جغرافية ضحلة طافت على ضفاف ذاكرته البصرية فارتسمت في لوحته هادئة ومتناغمة انحازت إلى السرد والغوص في التفاصيل، وربما في تعداد المشاهدات، تماما كما يفعل طفل يحاول أن لا ينسى ما رأى فيقوم بتعدادها غيبا مرارا وتكرارا حتى ترسخ في ذهنه.

ولعل الاختزال الذي اعتمده الفنان في لوحاته مرتبط ارتباطا وثيقا بجدلية الذاكرة والنسيان، فهو في معظم أعماله الفنية السابقة والحالية يرصد في سرعة فائقة ما يرى، وهو على متن طائرته المشرّعة والمفتوحة على كل نوافذ الجمال الطبيعي، خلال عبوره المتواصل سماء شمال حلب وريفها المتنوع. حتى في اللوحات التي يبدو فيها تركيب اللوحة عموديا تغلب “خطوط العرض” التي تحرث لوحاته، فتجعلها أكثر فأكثر تشبه قطعا من أرض “عفرين” السورية فتمحي البعض من ملامحها دون أن تدخلها في غموض تام.

كائنات ترعى الألوان

“تجريدية الفنان” إذا جاز التعبير، قادمة من هذا الاختزال الغنائي الذي يغشى معظم لوحاته وهي المسؤولة المباشرة عن استمرار ماض وبقاعه النضرة في حاضر لا يُشبّه بشيء.

كائنات حسكو استوحاها من الذاكرة الجماعية ومن ميثولوجيا شمال مدينة حلب الغنية، من خلال واقعية مختزلة

يُذكر أن حسكو حسكو غادر سوريا جراء العنف المتصاعد فيها ليصل إلى بيروت رحبة القلب والأدرى بأمور التهجير والموت، ولكن ليتعرض إلى الاعتداء الجسدي والمعنوي من قبل بضعة أفراد ينتمون إلى مجموعة متغطرسة أمسكت ولا تزال بخناق بيروت ولبنان بشكل عام. شبّه حسكو حسكو ذاته في إحدى المقابلات السابقة بحصان طروادة، وأضاف “أنا الحصان الجميل الذي ترونه، ولكنني لا أستطيع البوح عن كل مكنوناتي، فالكم الهائل من العنف الذي نعيشه لا أستطيع مواجهته إلاّ بالجمال، لكن ذلك لا يلغي وجود شيء ما يغلي في داخلي ويحرقني”.

ويرفع الفنان الريف السوري الحلبي إلى مكانة الأصل، فهو الحيّز النقي حيث تتعايش القوى الطبيعية وكائناتها مزهوة بعراقة ألوانها وأجوائها النضرة، بقاع كهذه، كما نراها في لوحة الفنان أبقى من أي كابوس يصر على تعتيم سمائها، لذا “يغلف” الحياة فيها بغموض مستحب بعيدا عن نظر القاتلين، هذه هي طريقته في مقاومة الموت.

ابتعد ويبتعد الفنان حسكو حسكو عن المقاربة المباشرة للحرب، يختار أن يربت على ظهر الحيوانات البريئة المتبقية في هذا العالم، اختار أن يسرّح الحيوانات والطيور لترعى الألوان الندية التي حرص على وضعها لها في اللوحات، كما نشر الغيم في عباب الفضاء كي يستكين الألم ويهدأ الجرح. ويذكر الفنان السوري في لوحاته تلك بأي شخص يصرّ على معرفة نهاية أي فيلم يوّد أن يتفرّج عليه، قبل أن يشاهده، فإذا كانت نهايته “سعيدة” يقدم على رؤيته وإلاّ.. لم إضافة جرعات من الحزن، والحياة مليئة بحيوانات شرسة تتقاتل، وطيور دامعة تسقط دون أدنى صوت ونبات أخضر يُحرق كل يوم وكل ليلة؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر