الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

نفائس المخطوطات العربية الإسلامية حطت الرحال في المكتبات التركية

  • اهتم العرب والمسلمون قديما بالعلوم والتدوين وتركوا تراثا حضاريا ثريا من المخطوطات من حيث العدد والتنوع، ورغم أهميتها العلمية والثقافية كمراجع تاريخية في مختلف العلوم، إلا أنها لم تحظ في مواطنها الأصلية بالاهتمام والحفظ وهو ما جعلها اليوم موزعة في العديد من المكتبات عبر العالم. وتعد المكتبات التركية الأولى عالميا من حيث عدد المخطوطات العربية الموجودة بها حيث نقلت إليها خلال فترة من الحكم العثماني للبلاد الإسلامية.

العرب  [نُشر في 2016/01/11، العدد: 10151، ص(12)]

تركيا ترمم نسخا من قانون ابن سينا

إسطنبول – يؤكد المؤرخون والمعنيون بالبحث والتدقيق في المخطوطات بأن المخطوطات الإسلامية والتي ورد معظمها باللغة العربية، هي الأكثر عددا في العالم وأنها موزعة في العديد من المكتبات والمتاحف اليوم في الدول الإسلامية وغير الإسلامية حيث مثلت مصدرا لدراسة الحضارات الإسلامية عبر العصور وما بلغه علماؤها من تطور وابتكار وإبداع في الآداب والعلوم بأنواعها.

عديدة هي المخطوطات الإسلامية العربية التي نقلت من مواطنها الأصلية إلى دول أخرى لأسباب مختلفة منها السرقة والنهب للمتاجرة بها بطرق غير شرعية أو عبر الاستيلاء عليها أثناء الحروب والاستعمار، فكان مآل بعضها أن تحفظ حفظا يليق بمكانتها الثقافية والتاريخية الهامة والبعض الآخر أتلف وأهمل لتضيع معه صفحات من التاريخ.

أهمل العرب وحكامهم الموروث الفكري والثقافي لأسلافهم في فترات تاريخية معينة ضعفت فيها سلطتهم واتخذوا أدوار الدفاع عن دولهم من الغزو الخارجي، فانصرفوا عن الاعتناء بحفظ المخطوطات القديمة والمدونات والكتب العلمية التي كانت بحوزتهم آنذاك بسبب غياب الوعي بأهمية هذا الإرث الثقافي وتركوه يضيع، فنقل جزء هام منه إلى المكتبات التركية إبان التوسع العثماني، واستفادت الحضارة العثمانية كثيرا من المخطوطات والكتب العربية المودعة في مكتباتها ومتاحفها استفادة مزدوجة من وجود هذه الوثائق كنفائس تاريخية تستقطب الباحثين والعلماء من مختلف أنحاء البسيطة واستفادة ثانية من مضامين هذه المخطوطات.

ولم تستثمر الدول العربية في حقب تاريخية معينة هذه الكنوز المعرفية التي ترجع في الأصل لها ولم تحافظ على تراثها ووثائقه النادرة، وذلك عائد أساسا إلى الأوضاع السياسية وإلى تراجع قيمة الفكر والبحث. وخلافا للعديد من المكتبات العربية، تزخر المكتبات التركية بتراث علمي نفيس من المخطوطات في مختلف العلوم والفنون الإسلامية، وبمختلف لغات العالم الإسلامي وهو التراث الذي ما كان من الممكن تجميعه لولا الامتداد الزماني والمكاني والنفوذ الحضاري للخلافة العثمانية.

العرب أهملوا الموروث الفكري لأسلافهم في فترات ضعفت فيها سلطتهم واتخذوا أدوار الدفاع عن دولهم من الغزو الخارجي

وقدر المؤرخ التركي مصطفى نجاتي أوزفاتوره هذه الثروة من المخطوطات بحوالي 250 ألف مجلد تشمل حوالي 160 ألف مجلد مكتوبا باللغة العربية وزهاء 70 ألف مجلد باللغة التركية وما يناهز 13.000 مجلد باللغة الفارسية. ويوجد في مدينة إسطنبول حوالي 146 ألف مجلد من مجموع هذه المخطوطات، إلى جانب العديد من المخطوطات المكتوبة باللغات اليونانية والأرمينية والسريانَة، وغيرها من اللغات. وأثرت المكتبات العثمانية رفوفها بمخطوطات ترجع للمكتبات الأموية والعباسية والسلجوقية ثم المملوكية.

ولا تقتصر مُحتويات المكتبات العثمانية على المخطوطات القديمة، وإنما تضم ما أُلِّف وتُرجم بناء على طلب السلاطين العثمانيين وما كُتب برسم مطالعتهم، وأصبحت المكتبات العثمانية مكتبات عالمية في عهد محمد الفاتح الذي شجع العُلماء على التأليف، وحث المترجمين على الترجمة، والنُّسّاخَ على نسخ المخطوطات، واتبع نفس هذا الأسلوب في التعامل مع الكتب ولدُهُ أبو يزيد الثاني، وحفيده سليم الأول الذي دخلت في عِهده إلى المكتبات العثمانية بعض مخطوطاتِ المكتباتِ المملوكيةَ التي أحدثت نقلة نوعِيَّةٌ في تطوُّر المكتبات العثمانية، ثم بلغت الذُّروةَ في عهد الخليفة سليمان القانوني.

وتعتبر مكتبة السليمانية نسبة إلى السلطان سليمان في إسطنبول أهم مركز للمخطوطات والكتب القديمة المطبوعة بالعربية والتركية والعثمانية، ويقدر عدد محتوياتها بـ125 ألف مخطوطة و50 ألف كتاب مطبوع وتمثّل الكتب العربية القسم الأعظم من محتويات المكتبة.

وتأتي الكتب العثمانية في المرتبة الثانية بعد العربية، ثم الكتب المكتوبة بالفارسية في المرتبة الثالثة، وفيها ما يزيد عن 120 ألف كتاب ومخطوطة تمثل اللغة العربية منها حوالي 70 إلى 80 ألف كتاب، والعثمانية من 30 إلى 40 ألف كتاب، وتبقى الفارسية بحدود 10 إلى 12 ألف كتاب.

المكتبات العثمانية أثرت رفوفها بالمخطوطات العربية

وتشمل هذه المخطوطات معظم أنواع العلوم النقلية والعقلية المخطوطة والمطبوعة، وقد تم تصنيفها ابتداء بمخطوطات القرآن الكريم وعلومه، ثم الكتب السماوية الأُخرى، ثم الحديث الشريف وعلومه ثم الفقه وأصوله وما يلحق به من القواعد وعلم الكلام والجدل والخلاف، وكتب الفتاوى والفرائض والتصوف والأدعية والخواص، والسياسة والأخلاق، وهنالك كتب الأدب والعروض والنحو، والتاريخ الطبيعي والبشري، والجغرافيا والفلسفة، والطبّ البشري، والبيطرة الخاصة بطبّ الحيوانات، وكتب الرماية والفروسية، والفيزياء والكيمياء، والرياضيات والفلك، وغير ذلك.

ولعل هذا التنافس في جمع المخطوطات وإنشاء المكتبات بهذا العدد الهام في المدن التركية وخاصة منها اسطنبول كان مبعثه رغبة سلاطين آل عثمان والوزراء ومشايخ الإسلام والوجهاء، في أن يكون لإسطنبول تلك المكانة التي كانت لدمشق عاصمة الأمويين، وبغداد عاصمة العباسيين، ومصر عاصمة الفاطميين والأيوبيين والمماليك، في مقابل هذه الروح التنافسية عند العرب في تلك الأوقات.

ولأن هذه المخطوطات تمثل أحد أهم وجوه التراث الإسلامي، فقد جمعت في مكاتب خاصة بها وتم تخزينها وفهرستها للحفاظ عليها كمرجع يجتذب المؤرخين والباحثين والعلماء العرب إلى مكتبات تركيا للاطلاع عليها ودراستها بما يفيدهم في بحوثهم وما يفيد كتابة التاريخ القديم وتوثيق التراث الثقافي الإسلامي والعربي. إن الزائر اليوم للمكتبات التركية ينبهر بحجم المخطوطات العربية فيها التي تفوق المخطوطات التركية والعثمانية وهو ما يؤكد أن الحكام العثمانيين مثلما ركزوا على الاستعمار والحروب ركزوا أيضا على الوصول إلى العلم والمعرفة والحصول على المؤلفات الهامة بشتى السبل حتى بحد السيف.

ويعد ما بقي في المكتبات العربية من مخطوطات قديمة منقوصا لأن أهمها وأكثرها ندرة يوجد في مكتبات غربية وتركية. فتركيا لديها أكبر قدر من النفائس والنوادر من المخطوطات والتي تصنف نادرة بحسب معايير كثيرة في عالم توثيق وتصنيف المخطوطات ومن بينها قدم المخطوط، حيث نجد نسخا ترجع إلى القرن الثالث والرابع والخامس والسادس، فضلا عن المخطوطات التي كتبت بأقلام مؤلفيها أو تلاميذهم، ونجد أيضا المخطوطات الفريدة التي لا تُوجد لها نسخ أخرى في جميع مكتبات العالم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر