السبت 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، العدد: 9725
اختيارات
المحرر
هل تفعلها تونس.. ويستعاد ربيع العرب من جديد؟
حركة النهضة أثبتت أن هناك افتراقا بين ما طرحته في برنامجها الانتخابي، وما مارسته خلال عامين من حكمها.
العرب سامي حسن [نُشر في 28/10/2013، العدد: 9362، ص(9)]
لم تكتف الأنظمة العربية ومعها العديد من القوى الإقليمية والدولية، بالقلق والحذر والخوف، من ثورات الربيع العربي، بل تعدت ذلك باتجاه العمل على تخريب هذه الثورات، وبذل كل ما بوسعها، من أجل إعادة أوضاع المنطقة إلى ما كانت عليه من سبات.

هكذا سرقت ثورة اليمن، ودخلت ليبيا في حالة من الفوضى والصراع المسلح. بينما تشهد مصر أعمال عنف اندلعت في أعقاب ثورة 30 يونيو. أما بالنسبة للثورة السورية، التي تآمر عليها، القاصي والداني، العدو والصديق المزعوم، فربما تكون هي المثال الأبرز، على تنامي دور القوى المضادة للربيع العربي، وتزايد تأثيرها في مساراته.

يرى البعض، أن طول أمد الثورة يجعلها أكثر ثورية، لأنه يؤدي إلى تعرية الواقع، بكل سلبياته، وإظهار ما يخفيه من رواسب اجتماعية. ويساعد الثورة على إنجاز أكبر قدر ممكن من المهمات الأسياسية والمجتمعية. ما يمهد الطريق، بعد انتصارها، للانطلاق السريع نحو إقامة نظام ديمقراطي، يكون من أولوياته تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء دولة المواطنة والقانون.

لكن تجارب الثورات العربية، حتى الآن، أثبتت عكس ذلك، فاستمرار الثورة في اليمن لمدة أكثر من عام لم يؤد إلى نتائج باهرة. وكذلك الأمر في ليبيا. وفي سوريا، التي تقترب ثورتها من إنهاء عامها الثالث، فإن المؤشرات لا تبشر، بأن الشعب السوري على موعد مع مرحلة وردية بعد سقوط النظام.

أما في حالة الثورات التي تمكنت من الإطاحة السريعة بأنظمتها، فإن نتائجها ورغم الاخفاقات هنا وهناك، كانت هي الأفضل مقارنة مع الثورات التي امتدت لفترات أطول. لاشك أن الثورة في كل من مصر وتونس، لم تطح بنظامي مبارك وبن علي، بل برأسي النظامين ورموزهما. لكن ذلك فتح الباب على مصراعيه أمام الحياة السياسية الطبيعية، بما هي صراع بين قوى مجتمعية، لها برامجها السياسية والاجتماعية والثقافية.

وإذا كانت أحداث العنف التي شهدتها مصر بعد ثورة 30 يونيو، وتزايد حضور العسكر في الحياة السياسية، وترحيب نسبة لا يستهان بها من المجتمع المصري بهذا الحضور، هي مؤشرات سلبية على صيرورة الثورة المصرية ومستقبلها، فإن الثورة التونسية ومساراتها، وما نشهده اليوم من صراعات سياسية ومجتمعية، تؤشر إلى أن الأوضاع في تونس تمضي في الاتجاه الصحيح. وعلى ما يبدو فإن الثورة التونسية، هي الوحيدة من بين شقيقاتها في المنطقة التي تدعونا للتفاؤل بأن ثمة ربيع عربي، مازال قادراً على التفتح.

لتفسير ذلك، ربما يكون ضرورياً العودة قليلاً إلى الوراء، والتوقف عند الانتخابات التي شهدتها تونس بعد الثورة، والتي أدت إلى فوز حركة النهضة الإسلامية بانتخابات المجلس التأسيسي التونسي. بالإطلاع على البرنامج الانتخابي للحركة ورؤيتها لتونس ما بعد الثورة، يلاحظ دعوتها إلى إقامة نظام جمهوري برلماني ديمقراطي، وبناء دولة المواطنة والمساواة، والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات الثلاث، والمساواة بين المرأة والرجل، واحترام الحريات الشخصية بما في ذلك حرية المعتقد واللباس، وعدم استخدام دور العبادة للدعاية الحزبية، والتنمية الشاملة لمختلف القطاعات. إضافة إلى ما سبق، فإنّ البرنامج يدعو إلى ضرورة ربط الإسلام بالحداثة والانفتاح على مختلف الثقافات والحضارات.

إذا كانت رؤية حركة النهضة وتوجهاتها التي عبّر عنها برنامجها الانتخابي، لعبت دوراً أساسياً في فوزها بالانتخابات التونسية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هل يعبر برنامج الحركة عنها وعن توجهاتها بالفعل، أم أنها طرحت هكذا برنامج كي تصل إلى كرسي الحكم؟

من خلال الاطلاع على نتائج تلك الانتخابات، يلاحظ أن الحركة قد حصلت على 89 مقعداً من أصل 217، أي حوالى 41 بالمئة من مقاعد المجلس التأسيسي، بينما ذهبت معظم المقاعد الباقية إلى القوى السياسية العلمانية، الليبرالية منها واليسارية. أي أنّ أنصار العلمانية هم الكتلة الأكبر في المجتمع التونسي. وعليه يمكن الاستنتاج، بأن طرح هكذا برنامج من قبل حركة النهضة، يؤشر إلى أن هناك واقعا في تونس لا يمكن لأية قوة سياسية أن تتجاهله، بما في ذلك الإسلامية منها، وإلا خرجت من اللعبة السياسية.

لقد أثبتت حركة النهضة بالفعل، أن هناك افتراقاً بين ما طرحته نظرياً في برنامجها الانتخابي، وما مارسته عملياً خلال عامين من حكمها، وعليه فإن حركة النهضة، وكما حصل مع إخوان مصر، ربما تدفع ثمن سياساتها الحزبية الضيقة ومحاولتها السيطرة على أجهزة الدولة، إضافة إلى ثمن إخفاقها، الذي توقعه كثيرون، في تنفيذ الشق الاقتصادي من برنامجها الانتخابي، المتعلق بزيادة معدلات النمو وتحسين الظروف المعيشية ومكافحة الفقر والبطالة. فكان من نتائج استمرارها في السياسات الليبرالية لنظام بن علي، أن وصل معدل الفقر في تونس إلى حوالي 25 بالمئة من مجموع السكان، وعدد العاطلين عن العمل بحوالي 750 ألف، أي ما يعادل 19بالمئة بينما كانت عام 2010 حوالي 14 بالمئة.

من جانب آخر، يشكك البعض في مصداقية العديد من قوى المعارضة، ويرى بأن انتهازيتها قد تنعكس سلباً على الثورة، بينما يعبر البعض الآخر، عن مخاوفه بشأن القوى السياسية التي تشكلت بعد الثورة والتي كان لها علاقة عضوية بنظام بن علي، كحركة نداء تونس، والتي بدأت تبرز في الآونة الأخيرة. لكن مواجهة هذه القوى لا يكون بتغييبها القسري عن المشهد السياسي، وإنما من خلال الصراع السياسي معها وكشف حقيقتها أمام الجمهور. كذلك، يطرح آخرون مخاوفهم من المجموعات الإسلامية المتطرفة التي ترتبط بتنظيم القاعدة، كحركة أنصار الشريعة التي بدأت تطل برأسها أخيراً، وقامت بشنّ عدد من الهجمات العسكرية. الأمر الذي يمكن وضعه في إطار محاولات تشويه الثورة، وحرف الصراع السياسي عن مساراته الطبيعية.

هنا يمكن القول، أن الوقائع في أكثر من مكان في العالم أثبتت أن التربة التي تتغذى منها هذه القوى المتطرفة هي الديكتاتورية وضعف المجتمع وغياب الحياة السياسية. ويمكن الزعم أن هذه التربة غير متوفرة اليوم في الحالة التونسية. فالأزمة السياسية التي تعيشها تونس، وما شهدته خلال الفترة الماضية من اضرابات واحتجاجات وتظاهرات، أجبرت حركة النهضة على القبول باستقالة حكومتها، وتشكيل حكومة جديدة من الكفاءات يرأسها شخصية وطنية مستقلة وتمتلك صلاحيات إدارية كاملة، تشير بوضوح إلى حيوية هذا المجتمع، وقوة حراكه الشعبي والنقابي والسياسي والثقافي.

فإذا أضفنا لكل ذلك تأصل العلمانية في المجتمع التونسي، أمكننا التفاؤل والقول، أن لا مكان للقوى المتطرفة والمستبدة فيه، وأن لا عودة للوراء، وبأن تونس الخضراء، ربما تكون بوابة لاستعادة الربيع العربي وتفتحه من جديد.

كاتب فلسطيني

البحث
سامي حسن
أرشيف الكاتب
هل تفعلها تونس.. ويستعاد ربيع العرب من جديد؟
2013-10-28
عن المثقفين والثورة.. وخروج الناشطين من سوريا
2013-10-24
وإذ يسألونك عن الوطن؟
2013-10-12
الضربة- الصفقة.. وحكاية الرأي العام
2013-10-01
عقد على رحيله.. إدوارد سعيد والماركسية
2013-09-25
التعددية القومية.. نعمة أم نقمة؟
2013-09-14
المهجرون السوريون بين مطرقة النظام وسندان البلدان المضيفة
2013-09-03
الأكراد والثورة السورية.. إسقاط النظام أولا
2013-08-17
عن ثورة 30 يونيو.. وتداعياتها على السوريين
2013-07-30
من السلمية إلى السلاح.. هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟
2013-07-24
المزيد
المقال على صفحات العرب
...
>>
  • صحيفة العرب تصدر عن
  • Al Arab Publishing Centre
  • المكتب الرئيسي (لندن)
    • Kensington Centre
    • 66 Hammersmith Road
    • London W14 8UD, UK
    • Tel: (+44) 20 7602 3999
    • Fax: (+44) 20 7602 8778
  • للاعلان
    • Advertising Department
    • Tel: +44 20 8742 9262
    • ads@alarab.co.uk
  • لمراسلة التحرير
    • editor@alarab.co.uk