الخميس 18 سبتمبر/ايلول 2014، العدد: 9683
اختيارات
المحرر
وإذ يسألونك عن الوطن؟
إن مفاهيم الوطن والوطنية والانتماء والهوية تفقد معانيها الحقيقية، وتتعرض المشاعر المتعلقة بها، للتشوه والالتباس.
العرب سامي حسن [نُشر في 12/10/2013، العدد: 9348، ص(9)]
لاشك أن هناك عوامل عدة، كالإيدولوجيا، والتعليم، ووسائل الإعلام، تلعب دورها في زرع الأفكار والمشاعر الوطنية والقومية والإنسانية لدى البشر. لكن مهما عظم هذا الدور، يبقى الواقع، بجوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هو الأساس الذي تبنى عليه مفاهيم الوطن، والهوية والانتماء والمشاعر والأحاسيس المرتبطة بها. فالوطن أكبر وأعمق من أن يكون مجرد حدود وجبال ووديان وسهول وصحار وأنهار وبحار ومدن وقرى وبيوت. وبقدر ما يتمتع المرء، بحقوقه الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بقدر ما تتعزز لديه مشاعر الانتماء للوطن والاعتزاز به، وتتولد القناعة بأهمية وضرورة التضحية من أجله.

أما حيث يسود القمع والاستبداد والتمييز، وتنتشر ظواهر الفقر والبطالة والجوع والفساد، فإن مفاهيم الوطن والوطنية والانتماء والهوية تفقد معانيها الحقيقية، وتتعرض المشاعر المتعلقة بها، للتشوه والالتباس. ويصبح الانتماء إلى الطائفة والمذهب والعشيرة، والولاء لها، أقوى وأهم من الانتماء إلى الوطن والولاء له. وإذ يعاني المواطن ما يعانيه في بلداننا التي تحكمها أنظمة الاستبداد والإفقار، وإذ تتحول هذه البلدان إلى أشباح أوطان، و«بقايا دول»، نجد أنفسنا أمام ظاهرة بارزة في المجتمعات العربية، وهي ظاهرة الهجرة. حيث يقدر عدد المهاجرين العرب بأكثر من عشرين مليونا. ولو فتحت أبواب الهجرة النظامية، لتضاعف هذا العدد. تشير الإحصائيات إلى أن عدد اللبنانيين في المهاجر هو أعلى من عددهم في أوطانهم الأم. إن الهجرة هي بحث عن حياة أفضل، وربما تكون بحثا عن أوطان بديلة.

بعد كل ذلك، وإذ يسألونك عن الوطن قل إنما الوطن في بلاد العرب مزرعة للطاغية المستبد وعائلته وحاشيته. يسرقون خيراتها ويعيثون فيها فسادا. كل ما عليها، فوق الأرض وتحتها، البشر والشجر، ملك لهم. لا مكان في قواميسهم لمصطلح مواطن حر. ورغم كل ذلك، وبكل وقاحة، وإذ تهتز عروشهم، يدعون للدفاع عن الوطن، أي عنهم وعن سلطتهم، كيف يفكر هؤلاء الطغاة؟ هل يظنون أنهم نجحوا في تزوير التاريخ، وتشويه الوعي ومحو الحقائق؟ لتعلموا أيها الطغاة، أن أبواقكم قد فشلت في غسل أدمغتنا، وفي تلقيننا الأكاذيب التي تريدون. فشعوبنا تعرف جيدا، أنكم أنتم من باع فلسطين والجولان واسكندرون. وأنكم وحدكم، من فرّط ومازال يفرط في الأوطان.

يعلم السودانيون، أن طاغيتهم، الذي كان يرقص ويتمايل ويتوعد، ممسكا عصاه بيد، هو من وقع باليد الأخرى، صك التنازل عن جنوب بلادهم.

وكذلك يعرف السوريون تماما، أن الطاغية الأب هو من باع الجولان، واكتفى هو، ووريثه، بالزعيق والعويل والوعيد بتحريرها. ولم يرجعا شبرا واحدا منها. وبينما كان النظام الأسدي وحماة دياره، يرتكبون الجرائم بحق الشعب السوري، ويدمرون الوطن بقراه ومدنه، بآثاره ومساجده وكنائسه، وبينما كانوا يثيرون الفتنة الدينية والطائفية والإثنية، ويمزقون وحدة المجتمع السوري ونسيجه، كان السوريون، في كل أنحاء سوريا يهتفون «واحد واحد واحد الشعب السوري واحد»، مؤكدين على وحدتهم أرضا وشعبا.

وبينما كانت تماثيل الطاغية، تشوه شوارع الوطن وقراه ومدنه وجباله، كان السوريون يرددون «جنة جنة جنة.. جنة يا وطنا». وبينما كان النظام المقاوم والممانع، يدك المخيمات الفلسطينية بالطائرات والصواريخ، ومنها مخيم اليرموك الذي يحتضن آلاف الشهداء الذين سقطوا في الصراع مع إسرائيل، كان المتظاهرون في المخيمات يهتفون «واحد واحد واحد.. فلسطيني سوري واحد».

لاشك أن النظام الأسدي، قد فعل كل ما يستطيع، من أجل مصادرة حق السوريين في تقرير مصيرهم وبناء نظامهم ودولتهم. وحال دون تمكينهم من استكمال مهمة تشكيل هويتهم الوطنية وإغنائها، بل إنه عمل على تفكيك الشعب السوري وضرب وحدته، وإحداث شروخ وتصدعات في تلك الهوية. لكن على حد تعبير محمود درويش: «الهوية ما نورث لا ما نرث. ما نخترع لا ما نتذكر» لذلك فإن السوريين سيلقون بتركة النظام الأسدي إلى مزبلة التاريخ، وسيحاولون ما استطاعوا، تنظيف ذاكرتهم من حقبته السوداء.

وفي مقابل الحقد والكراهية والدم والفتنة التي زرعها النظام في تربة الوطن السوري، فإن إرادة أبناء هذا الوطن ستقتلع زرع النظام، وتكنسه برياح الحب والتسامح والأمل والحلم. وسوف يبني السوريون، ويورثون لأبنائهم، وطنا حقيقيا، يليق بهم وبتضحياتهم. وطن يعيد إلى سوريا، مهد الحضارة وجهها الحقيقي، ويؤسس السوريون دولتهم الجديدة، دولة المواطنة والقانون والحرية والعدالة والمساواة. وستكون سوريا هذه المرة، وإلى الأبد، «النا ما هي لبيت الأسد».

* كاتب فلسطيني

البحث
سامي حسن
أرشيف الكاتب
هل تفعلها تونس.. ويستعاد ربيع العرب من جديد؟
2013-10-28
عن المثقفين والثورة.. وخروج الناشطين من سوريا
2013-10-24
وإذ يسألونك عن الوطن؟
2013-10-12
الضربة- الصفقة.. وحكاية الرأي العام
2013-10-01
عقد على رحيله.. إدوارد سعيد والماركسية
2013-09-25
التعددية القومية.. نعمة أم نقمة؟
2013-09-14
المهجرون السوريون بين مطرقة النظام وسندان البلدان المضيفة
2013-09-03
الأكراد والثورة السورية.. إسقاط النظام أولا
2013-08-17
عن ثورة 30 يونيو.. وتداعياتها على السوريين
2013-07-30
من السلمية إلى السلاح.. هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟
2013-07-24
المزيد
المقال على صفحات العرب
...
>>
  • صحيفة العرب تصدر عن
  • Al Arab Publishing Centre
  • المكتب الرئيسي (لندن)
    • Kensington Centre
    • 66 Hammersmith Road
    • London W14 8UD, UK
    • Tel: (+44) 20 7602 3999
    • Fax: (+44) 20 7602 8778
  • للاعلان
    • Advertising Department
    • Tel: +44 20 8742 9262
    • ads@alarab.co.uk
  • لمراسلة التحرير
    • editor@alarab.co.uk