الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

غسان غزال يحوّل الملل العربي إلى نشوة ساخرة

  • مثلما تقفز قدماك وتتسارع خطواتك على شاطئ رملي تحت أشعة الشمس الحادة تفاديا لألم الإحساس بالحرارة، كذلك تتحرك خطوات الفنان غسان غزال في غمرة غزواته المكوكية لعالم الفن بتنوعاته التشكيلية، والتجهيزية، والمفهومية والأدائية.

العرب  [نُشر في 2015/06/04، العدد: 9938، ص(16)]

من قسّم بيروت

بيروت - ما يدفع الفنان غسان غزال إلى البهلوانية الفنية هو -حسب ما يقول- إحساس بملل يرافقه ورغبة في التجريب وسبر أغوار وسائط فنية جديدة، لذلك أيضا يسعى إلى التقاط الأشياء المهملة من حوله: علب سردين، شرائط أفلام، مسامير، قطع خشبية وغيرها من المهملات ليعطيها معنى وهوية جديدة عبر توظيفها في أعمال فنية تجريبية.

يفصح الفنان بأن تبلور فكرة العمل تخضع لأطوار عديدة في اللاوعي قبل أن تنضج وتصبح جاهزة للتنفيذ. قد يستغرق ذلك سنين طويلة، كما حدث مع فكرة مشروع جديد بدأ بتنفيذه منذ فترة قصيرة؛ مشروع فني يتعلق بـأحرف بريل للمكفوفين.

يقول غسان غزال: عندما كنت في كندا، وذلك منذ ما يقارب 15 سنة، رأيت في أحد المتاجر المختصة ببيع المستلزمات الفنية، ألوانا تحمل كلمات شعرية للدلالة عليها. والغريب كان كل متجر يعمد إلى ابتكار تسميات خاصة لأنابيب معجون الألوان التي يبيعها. أذكر على سبيل المثال “لون البحر تحت المطر”، “لون زهر الكرز”، و”لون الشمس الغاربة”.

هناك حوالي 200 اسم للون واحد، بعد مرور 16 سنة تبلورت الفكرة وبدأت تتمظهر بكل جوانبها عبر استعمال أحرف بريل في الأعمال؛ قوام الفكرة هو الجدلية القائمة بين مفهوم ما نقرأه وما نراه.

يوضح غزال “حولت هذه الفكرة البصرية إلى عالم الدين المسيحي والإسلامي على السواء، نفذت أعمالا مختلفة كتبت فيها سورة الفاتحة بأحرف بريل، وكذلك الأمر بالنسبة لصلاة أبينا الذي في السموات”.

عندما ينظر المشاهد إلى سلسلة أعمال مختلفة تجسد النصين لن يستطيع في ما يراه التمييز بينهما في الشكل الخارجي، أما “قراءة” المعنى لما هو مكتوب ستظهر التباين غير المختلف بينهما.

أعمال غسان غزال مجتمعة رغم اختلافها ليست بتاتا من قبيل "من كل واد عصا"، وهي تتعلق جميعها بالمجتمع

لهذه الأعمال تفرعات وتشعبات مبنية على أفكار لافتة تعبر عن قدرة الفنان على تحويل الأفكار الأكثر تجريدية أو هلامية إلى حقائق بصرية قابلة للإدراك الحسي والفعلي. العمل السري والمتواصل للدماغ متحف غامض وحيّ في الآن ذاته وغسان غزال لا ينفك يذكرنا بذلك.

لا شك أن عامل الدهشة الطفولي في العديد من جوانبه هو العنصر الأقوى في تخصيب خياله وأعماله المتحققة والغزيرة. يستحيل ذكرها كلها أو حتى معظمها. ومع ذلك يمكن ذكر بعض المعارض التي أقامها وتحمل عناوين دلالية وشائكة من قبيل “ذكر وأنثى”، و”الوجود والعدم”، و”في اللاتعايش”، و”دنس ومقدس”، وللفنان سلسلة من الأعمال عن الحجاب والنظرة الذكورية إليه.

أقام كذلك عددا من التجارب الفنية الأدائية أطرفها تلك المتعلقة بزرع أحذية لأصدقائة المغتربين الذين لم يتمكنوا من زيارة لبنان بسبب حرب تموز، حيث طلب منهم أن يعطوه أحذيتهم لكي “يزرعها” في مختلف المناطق اللبنانية التي أرادوا أن يزوروها. وفي المقابل إن ما يجمع بين هذه الأعمال على اختلافها هو الفنان ذاته، خفة روحه ونظرته التهكمية ورغبته في قنص اللحظات بغية تحويلها إلى نص فني يقول ما يريد أن يقوله بجرأة كبيرة.

كما يميز الفنان، بالرغم من كثرة انتقاله من أسلوب فني إلى آخر، صفاء ذهنه المدرك تماما لماهية الأفكار التي يريد التعبير عنها. أفكار تتفاعل في ما بينها، وإن فصلت بينها سنوات. الأعمال مجتمعة ليست بتاتا من قبيل “من كل واد عصا”، وهي تتعلق جميعها بالمجتمع، أو الكيان العربي بشكل عام واللبناني بشكل خاص. ثمة ترابط بين “القفزات” الفنية، أمر يشهد على مصداقيته كفنان لا يتبنى عشوائيا ضروب التقنيات الحديثة خبط عشواء، كما يفعل العديد من الفنانين الشباب الذين اعتمدوا الفن الغربي كمرجعية فكرية وفنية غير قابلة للنقاش أو المنافسة.

عمل غسان غزال، فطريا كان أو إراديا على السواء، يستقي مواضيعه من طينة مجتمعه اللبناني ومن رماله المتحركة. كل مرة ينجو بفعلته هذه بعد انتهاء فترة العرض وإن تلطخت قدماه بوحل التناقضات كجندب ربيعي محنك، سريع الحركة، ثاقب النظر ولطيف الحضور.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر