السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

ألفريد طرزي يقدم نزيف الجليد الحارق بثلاثة ألوان بيروتية

  • يعرض الفنان اللبناني ألفريد طرزي في صالة “ربيز” البيروتية أعمالا فنية تستعير أشكالها المؤطرة بأحجام مختلفة من أشكال اللوحات الفنية التي اعتادها المشاهد، ربما لا يخفى على أحد ملاحظة أسلوب عرض هذه الأعمال الذي لا يعدو إلاّ أن يكون ذريعة تتيح لها أن تعتلي جدران الصالة البيضاء.

العرب  [نُشر في 2015/05/28، العدد: 9931، ص(16)]

ألوان ثلاثة تطغى على خطاب ألفريد طرزي التشكيلي

بيروت - أعمال الفنان اللبناني ألفريد طرزي المعلقة في صالة “ربيز” البيروتية ليست لوحات تشكيلية، بل هي عبارة عن بصريات سينمائية “برّد” الفنان سرعتها وتلاحق مشاهدها. وضعها ضمن علب زجاجية موصولة بأداة يمكن للمشاهد بواسطتها تحريك ما في داخلها من صور فوتوغرافية مشغولة يدويا، ومعدلة بتقنيات الكومبيوتر المختلفة.

تذكّر الأداة، التي تحرك الصور يدويا، بالمقبض الكرويّ الذي يحرك ما في داخل صندوق الفرجة. الصندوق الذي كانت عيون الكبار والصغار قد اعتبرته في لحظة ما ضربا من ضروب السحر الملون، والمبحر في عوالم خيالية، فيها ترقص النباتات، وتضحك الحيوانات.

ثلاثة ألوان

يضمّن الفنان ألفريد طرزي الحرب اللبنانية أعماله، مبتعدا كل البعد عن الأحلام الرومانسية أو السحر الطفولي، لذا وجب وصف الآلات المحركة لصوره المعروضة في العلب الزجاجية المبتكرة التي لا تخلو من جمالية عالية، بأنها أشبه بصواعق متصلة بقنابل يدوية قابلة للانفجار في أيّ لحظة.

قد تحيل تلك العلب الزجاجية الثمينة كذلك إلى الصندوق الزجاجي الخرافي الذي رقدت فيه بياض الثلج بعد اختناقها “بتفاحة مسمومة”.

طريقة تقديم الفنان للصور تشعر المشاهد بقدرته الإيحائية وذكائه البصري الذي عرف كيف يجمع ما بين مختلف الفنون البصرية: (سينما، وفن غرافيكي، وكولاج رقمي وتصوير فوتوغرافي وغيرها من التقنيات)، كي يعرض هاجسه الدائم بالحرب اللبنانية وذاكرتها المتصدّعة.

العلب الزجاجية الثمينة تحيل إلى الصندوق الزجاجي الخرافي الذي رقدت فيه بياض الثلج بعد اختناقها بتفاحة مسمومة

تكمن قوة الفنان أنه جعل من الفن المفاهيمي فنا غير مدّع وغير حامل لخطاب نخبوي. صهره بالفن التصويري والتشكيلي فبات نصا مفتوحا أمام جمهور متنوع. كذلك جعله نصا مفتوحا أمام جمهور خبِر الحرب أو لم يخبرها على الإطلاق.

ثلاثة ألوان تطغى على خطاب ألفريد طرزي التشكيلي: الأزرق، الأبيض والأسود. أما كيفية تلاقحها فأمر آخر وظفه الفنان ببراعة في خدمة الموضوع الشائك الذي طالما اشتهر به، أي الحرب اللبنانية.

زرقته متشحة بسواد سخامي يشفّ في أرجاء الأعمال، ويتكثف أحيانا أخرى كما دخان الحرائق. بياضه يذكر بالجليد الجارح أو بما يتدلى من رواسب في المغاور العتيقة، التي تعزف فيها الريح أصداء ذاكرة مكتومة.

غالبا ما دخلت الذاكرة المتشظية أو المكتومة إلى عالم طرزي الفني بشكل متلازم مع ثيمة الحرب؛ الأبيض الجليدي يرمز إليها، هذا الأبيض في أعماله لا يظهر إلاّ متشربا زرقة السماء من حوله، وفي تأكيد آخر على عمق جرح عمره أكثر من أربعين سنة، استحال الأحمر الراشح منه إلى زرقة جليدية ومتخثرة تلطخ أعماله تلطيخا شبه دائم.

إذا كانت “التفاحة المسمومة” التي تناولتها بياض الثلج هي ما أرقدها في قبر زجاجي ظاهر للعيان، فالماضي المستمر والمُنشّى بغبار ذاكرة سقيمة هو ما أدخل الصور التي أنتجها الفنان إلى ضيق الصناديق الزجاجية.

قوة ألفريد طرزي تكمن في أنه جعل من الفن المفاهيمي فنا غير مدع وغير حامل لخطاب نخبوي

بياض الثلج

انتظرت بياض الثلج قبلة من أمير ما، كي تعود من موتها لكن ذاكرة الحرب اللبنانية، التي هي في عرف ألفريد طرزي تابعة لحرب لم تنته بعد، تنتظر بدورها قبضة فولاذية صادقة تحطم الزجاج وتخرج الكائن المظلم المتمثل بالذاكرة المغيّبة، من أسر القبور الزجاجية الاستعراضية. هذه الذاكرة يهابها ضحايا الحرب وأبطالها.

في وسط الصالة شيّد الفنان نصبا تذكريا لشهداء الحرب اللبنانية في عمل تجهيزي، ترتفع من أرضه المغطاة بالحصى ما يشبه شواهد قبور حديدية لضحايا الحرب أو لشظايا الذاكرة اللبنانية الصدئة.

صور الشهداء، نصب الشهداء، شوارع بيروت، الجدران المثقوبة بالرصاص، والبيوت المسوّاة بالأرض وغيرها من مشاهد خاطفة وناجية، لم تزل تسكن أعمال الفنان. ربما بات معنى هذه الأعمال أكثر شمولية وتشعبا بعد دخول المنطقة العربية بأسرها في حروب وسخة، انهارت معها كل القيم الإنسانية وثقلت بها الذاكرة حتى الغثيان.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر