الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

باحثون عن الخبز.. ومتوارون في العتمة.. وأطفال يتسلقون دبابة محترقة

باتلر لم يكتف بوصف وجوه المصابين وما سادها من حزن، وإنما رصد بحبره وألوانه المائية الشحيحة إصرار الأهالي العنيد على مواصلة الحياة مع الفقدان ورغمه.

العرب هالة صلاح الدين [نُشر في 2013/09/22، العدد: 9328، ص(12)]

ريشة باتلر تنقل معاناة الشعوب زمن الحروب

لا يروقني أن أسميه بفنان حرب، إذ توحي الكلمتان بأن ريشته تقتات على الصراع بينما يؤكد الواقع أنها تحسر النقاب عما يضمره من معاناة وما يستبد به من ألم. يتنقل البريطاني جورج باتلر (1986) بين عالَمين، أحدهما في شقته بلندن، والآخر في مناطق لا تبرأ من الدمار كغرب أفريقيا وأفغانستان وأذربيجان وأخيراً سوريا. تتكئ أعماله على التوثيق الفني لمواقع القتال المعاصر، إنه فن وصحافة في آن واحد.

نال جائزة وسائل الإعلام الدولية وجائزة 'في & إيه' في الرسم التوضيحي عن مجموعة فنية عن سوريا لصالح جريدة "ذا غارديان" تَحمل عنوان "نقطة اللاعودة"، مجموعة أعادت نشرها جريدة "ذا تايمز" ومجلة "دير شبيجل" وراديو إن بي آر الأميركي.

تغري مهنته بطرح عدة أسئلة، هل تزودنا الصور الفوتوغرافية بصورة دقيقة عن الحرب؟ لا شك أنها فورية، وقد ألِفنا هذا الأسلوب الواقعي بإفراط في نقل المجاعات والأعاصير.

ولكن هل يَنقصه شيء؟ شيء ربما لا يفلح إلا الرسم التقليدي في نقله؟ يُقَدِّم باتلر في الريبورتاج الفني لوحات ليست مطابقة للواقع، وإنما بديل أعمق من التصوير الرقمي – وإن كان أبطأ – ليُثْبت أن الرسم كفن عتيق باستطاعته تسليط الضوء على حدث عتيق هو الآخر، إنه الحرب. ينهي إلينا أنه "لا يشكل أي تهديد، إنه مَدْخل، تصوير بطيء يصْعب إعادة ابتكاره بالكاميرا".

يعتقد باتلر أن الفن لا ينفصم عن الحرب، مع الرسم "بوسعي أن أوثق الحياة وأقدم منظوراً متبايناً عن المشاهد المألوفة". إنه السّعي المعتاد إلى إشاحة البصر عن المعتاد.

وهكذا يأسر باتلر لحظات اختبرها أناس عشقوا الحرية محاولاً إضفاء طابع شخصي متفرد على المأساة، ومِن ثَمَّ الابتعاد عن إحصاءات القتلى، "إنها أرقام ضخمة، يكاد يستحيل أن يتماهى معها أحد".

عاد باتلر مؤخراً من رحلته الثانية إلى سوريا برفقة جمعية "إغاثة سوريا" بعد أن رسم اللاجئين والمستشفيات الميدانية والعيادات المؤقتة، وأنتج لوحات ما هي إلا سرد موجع للحياة في الشمال حيث سيطر الجيش السوري الحر بعد معارك ضارية.

كان باتلر قد اجتاز الحدود التركية في العام الماضي سيراً على قدميه لتغطية الأحداث في شمال سوريا.

وعندما دخل بلدة أعزاز الشاغرة وقتذاك – مقبرة دبابات الأسد كما يطلق عليها البعض – في ضيافة الجيش السوري الحر وتحت حمايته، أرسل بصره إلى دبابات مهجورة وأطلال مبانٍ دمرتها قوات النظام. آب الأهالي بعد ذاك إلى البلدة ليسجل الفنان ما انطبع على وجوههم من إنكار وذهول، طافوا حول الأخربة، اعتلوا الدبابات، تفقدوا ما تبقى من حيواتهم الغابرة، وهناك، في بلدة تنبعث من جديد إلى الحياة، لم تتناه إلى أذنيْ الفنان "كلمة طيبة" عن بشار الأسد.

لم يكتفِ باتلر بوصف وجوه المصابين وما سادها من حزن، وإنما رصَد بحِبْره وألوانه المائية الشحيحة إصرار الأهالي العنيد على مواصلة الحياة مع الفقدان ورغمه. "لم يتبد لي الناس بائسين"، يلعب الأطفال على أبراج الدبابات المحترقة؛ لا يكف لاجئ في مَنفذ باب الهوى عن ترتيب سلعه على رفوف في حاجة كلها إلى إعادة بناء؛ استقر على مائدة إفطار الفنان جبن البقرة الضاحكة ومعها بندقية كلاشنكوف وضعها الجيش السوري، ولا تعارض؛ لم يطلب منه عُمَر – مترجمه وضابط في الجيش السوري الحر – إلا أن يُبرز ما أسماه "العَلَم السوري الجديد".

ولكن الخوف من النظام لم يزل ينتاب عدداً من اللاجئين حتى إن رسمهم تطلب قدراً من الإقناع.

يُجَسِّد باتلر العالَم كما يشهده، فجاً وقبيحاً. يقود إسماعيل الراعي ماعزه في شارع مقفر غص فيما مضى بالنشاط بينما يكسب طفل قوت أهله من خلال بيع كميات بسيطة من البنزين؛ يصطف الأهالي مرتين يومياً في طوابير لانهائية للفوز بخبز قد يَنعدم عقب قصف قوات النظام؛ تتراءى في اسكتشاته المِفَكَّات والسكاكين ومِبْشَرَة الجبن وكأنها أدوات مطبخ، لا عيادة أطراف صناعية في مدينة الريحانية التركية، ولكنه المتاح لنحت أطراف تعوض المصابين عن أرجل طارت مع وحشية القنابل. لقد تلونت الحياة بين هذه البيوت المنهارة والمتاجر المتهدمة بالاعتيادية بيد أن رسمها يضفي عليها حالة إنسانية مبهمة ووقعاً فريداً قد لا يفتقر إلى الرومانسية.

يَعمد باتلر ألا ينقل مَشاهد مجرَّدة من الإسم. نبصر في أحد رسومه الصبي أحمد وهو راقد على الفراش، يرتدي قناع أكسجين بعد أن فقد ساقه من جراء قنبلة، وأبوه إلى جانبه بوجه يتقطع قلقاً. "لا شيء يبدو دنيوياً أكثر من الرسم بجانب طفل خسِر أمه وأخاه وساقه اليمني في آخر 48 ساعة". صارحه الأب بأن الفن لا يساعدهم في موقفهم.

أجل، إنها حكاية قصِيَّة، ولكن صداها – فِعْل انتهاك الطفولة وتهالك الأبوة – يتردد في العالم الغربي في صورة رسم لا تشوبه أية سمة محلية.

يقع سجن البلدة مثله مثل كل بقعة في إعزاز تحت سيطرة الجيش السوري الحر. زاره باتلر ليرسم سجناً صغيراً داخل السجن الكبير. أدرك أحد المسجونين أن باتلر يرسمه فلم تبدر منه حركة أو يَصرف عنه عينيه. وبمجرد أن توقف باتلر، ارتقى السجين ببصره سائلاً بالعربية إن كان قد أتم رسمه. أومأ باتلر برأسه، وعندئذ فقط نهض السجين من مجلسه، "لقد وجدتُ منه إذعاناً ومودة غريبين".

"لا بد أن خالد واحد من أشجع الأشخاص الذين قابلتُهم في حياتي." أسرَّت أم الطفل إلى امرأة شيعية بأن ثلاثة من أبنائها يحاربون مع الجيش السوري الحر لتشي بها الجارة إلى الشبّيحة.

حكى خالد لباتلر أنه رأى أباه وهو "ينقسم إلى نصفين". وقبل أن تَسقط أمه برصاصة من قوات النظام أمرته، "لا تتوقف، تحرَّك". ما لبث بعد عدة خطوات أن رمى بصره إلى رأس أمه وقد شجَّه سيف.

تتولى رعاية خالد ماما نازك، أمٌ غادرت سوريا عام 1980 في إثر تعرضها للتعذيب على يد نظام حافظ الأسد لرفضها الانضمام إلى الحزب الحاكم. وبالرغم من توسلاتها، عاد أبناؤها الثلاثة إلى سوريا للقتال. أصابت أحدهما رصاصة في الرأس؛ الثاني في الذراع محاولاً إنقاذ الأول؛ والثالث في المعدة خلفته مشلولاً. باحت إلى باتلر، "يمْكنك أن تقول إن حديقتي كان بها ثلاث زهور: واحدة أكلها الوحش، واثنتان داسهما بقدميه".

كان الفنان البريطاني لورانس زيجين قد حث فناني الرسوم التوضيحية عام 2012 على إعادة اكتشاف أدواتهم منتقداً، "أين المحتوى؟ أين التعليق؟ لقد انسحب الرسم التوضيحي من مناقشات جادة ينخرط فيها مجتمعنا ليركز على الثرثرة والإشاعات التافهة".

لا ريب أن باتلر مبدع ينأى بنفسه عن هذا الوضع بعد أن انضمت اسكتشاته إلى صور فوتوغرافية تغطي الكابوس السوري، كابوساً واقعياً يتوالى كل يوم بلا انقطاع. حينما وطئ أرض سوريا لأول مرة، تخيل بألوانه الناس الحقيقيين، العالَم الحقيقي، لا وجهة نظر غربية متشظية عن بقعة تتقاتل فيها مخلوقات لا تشبه بني آدم في شيء. لذلك وصفه جوردي جريج رئيس تحرير جريدة "ذا ميل أون صانداي" ذات يوم بأنه "يَجمع بين فضول عالم الطبيعة ديفيد أتينبرة ورِقَّة الرسام جون جيمز أوديبون".

ينصرف باتلر عن الحكايات ذات النهاية السعيدة، ولا يستهويه أن يصفه أحدهم بالشجاعة.

ولمَّا عجَزت الكلمة في سوريا، تجلَّت أدواته البصرية لتضطلع بدورها. فتَّش عن مواضيع أسيء فهمها "لأن الناس كوَّنت مناعة من الشأن السوري بسبب تراكم الصور والأخبار"، حسبما قال. والنتيجة رسوم لا تعوزها الرقة، تعرّي حقيقة وضع وتبدد صوراً مبتذلة.

يكترث باتلر للجندي واللاجئ والسجين، لا الحدث، ومع ذلك يعترف بأنه يشعر أحياناً بأنه متطفل حين يرسم سوريا، ويعلن بشيء من الغضب، "لا بد من فعل شيء، المسألة وما فيها أنه من المستحيل معرفة هذا الشيء".

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر