الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

انتصار عبدالمنعم: المثقف المصري اليوم دوره تخريبي

الكاتبة المصرية انتصار عبدالمنعم تعتبر أن الكتابة متعة واختيار في المقام الأول، كما أنها تمثل الهروب من واقع قبيح وبعيدا عن حفنة أنذال.

العرب حنان عقيل [نُشر في 2014/07/31، العدد: 9634، ص(15)]

انتصار عبدالمنعم: أن تكتب هو أن تهجر معسكر القتلة

القاهرة- انتصار عبدالمنعم، روائية وقاصة وكاتبة أدب أطفال، حصلت على العديد من الجوائز، وتم اختيارها من بين أديبات مصريات للتكريم في مؤتمر عام أدباء مصر 2011، وحصلت على المركز الأول في مسابقة إحسان عبدالقدوس في القصة، وجائزة دكتور عبدالغفار مكاوي، والمركز الأول في مسابقة مكتب التربية لدول الخليج العربي لكتب الأطفال.

انتصار عبدالمنعم صاحبة رواية “لم تذكرهم نشرة الأخبار” التي، ولأول مرة في مصر، يتم توقيع عقد طبعتها الثانية في الشارع، أسفل كوبري “45 ميامي” بين المارة والسائقين وبائعي الزهور وغيرهم من الناس، الذين لم يلتفت إليهم الإعلام المصري، وتجاهلتهم نشرات الأخبار، وهي الرواية التي تمت ترجمتها إلى اللغة الإسبانية مؤخرا.

نظرة منقوصة

تتحدث الكاتبة انتصار عبدالمنعم عن أدب الطفل الذي برعت في كتابته قائلة “الكتابة للطفل عملية معقدة وليست بالسهولة التي يظنها البعض، فعلى الكاتب أن يكتب بروح طفل مخاطبا عقل طفل في مرحلة عمرية يحددها قبل أن يبدأ الكتابة. لا بدّ لكاتب أدب الطفل أن يستوعب أن الطفل لم يعد هذا الذي يرتضي الجلوس ليسمع قصة ما وهو عاقد ذراعيه أو وهو يستعدّ للنوم، بل يجب عليه أن يقدم للطفل ما يجذبه إلى قراءة كتاب يغنيه عن متابعة برامج الفضائيات التي لا تراعي خصوصية المرحلة.

ولا بدّ أن تكون القصة ذاتها عالما ديناميكيا بها قدر من التشويق والمغامرة، جنبا إلى جنب مع القيمة أو المعلومة التي يريد إيصالها له. أما من يغض الطرف عن كل ذلك ويصرّ على كتابة قصص مباشرة تتحدث عن قيم أخلاقية بصورة تقليدية على شاكلة الولد الشاطر الذي تظهر شطارته في شرب اللبن وغسيل أسنانه، فلن يهتم بها أحد ولن يكون لها أي تأثير”.

وتلفت الكاتبة الانتباه إلى تراجع الاهتمام بأدب الأطفال في الفترة الحالية، كما تراجع الاهتمام بمجالات الثقافة عموما، قائلة “النظرة المنقوصة لأهمية مرحلة الطفولة هي السبب الرئيسي في عدم الاهتمام بالكتابة للطفل، بل وكل ما يخص عالم الطفولة، والحقيقة أن مصر تتميز عن غيرها من الدول بالنظرة الدونية لكاتب أدب الطفل ومجال الكتابة للطفل عامة. فهناك نظرة متوارثة وهي أن الكاتب يبدأ بالكتابة للطفل ثم يتجه إلى كتابة الرواية والقصة والشعر بعد ذلك، أي أن الكتابة للطفل محطة للبدء فقط”.

المثقف المصري، أصبح شوفينيا ونازيا وسلفيا، والساحة الثقافية أمامنا مجموعة معارك

ترفض عبدالمنعم تقسيم الأدب إلى ذكوري ونسوي باعتبار أن الأدب أدب بلا صفة تجنيس، مشيرة إلى اعتقادها بأن من اخترع هذا التصنيف هو ذكر “ناقد” لنفسه سلطة تجنيس الأدب تبعا لخانة النوع، كأي ذكر يقرأ كتابة المرأة ليبحث عن الكيفية التي تتناوله المرأة بها، أي عن صورته في أدب المرأة.

أما نوعية الأدب “الحريمي” الموجودة في مصر، فبالطبع هناك أعمال عظيمة لكاتبات، من الصعب أن يكتبها الرجال، لكن في المقابل هناك الكثير من الأعمال التي لا تتجاوز فيها المرأة الكاتبة عقدها الشخصية، وتجارب حياتها الفاشلة، فتكتب كي تواجه الرجل بصيغة أدبية. فتحصر اهتماماتها في علاقة الرجل بالمرأة فقط كقضية وحيدة، فتصوره ظالما وبغيضا، لا يفهم ولا يشعر، وكل ذلك دون سياق مقنع يحترم عقل وفكر القارئ، ليتحول العمل الأدبي إلى فاصل من الشكوى وتباريح الهوى، لا تصل حتى إلى أبسط مقومات القصة أو الرواية.

الرواية النبوءة

وفي ما يتعلق بروايتها “جامعة المشير.. مئة عام من الفوضى”، تقول عبدالمنعم “منذ أن صدرت الرواية، اعتبرها النقاد أنها الرواية النبوءة، فأحداث الرواية تدور في فلك ما نعيشه حاليا، ومن قبل عزل الرئيس الإخواني، وخلال مئة عام قادمة. ولا أدعي النبوءة، ولكني من خلال خيال الكاتب، قمت بقراءة مستقبلية لما نعيشه من حالة الفوضى، وتخيلت حال مصر، لو بقيت تعاني من هذه الفوضى المستمرة، التي قد تؤدي إلى تقسيمها إلى ثلاث دويلات متناحرة، دولة القبط غربا، ومملكة النوبة جنوبا، أما مصر، التي تحتفظ باسمها، فستصبح هي وتل أبيب كيانا واحدا”.

لا أكتب وفق مقاييس ومعايير تتماشى مع توجهات الجوائز، لا أتحول من كاتب إلى (تارزي)

تخلصت الرواية من عقدة “الأدب النسوي” المنشغل بالرجل، فكان الانشغال بالوطن جليا بين ثناياها. ولذلك ستعيش “جامعة المشير” أزمنة عديدة يرجع إليها القراء، فيندهشون مما قيل فيها منذ أعوام، ومما يخرج من الرواية، ويتحقق في الواقع أمام أعينهم كل يوم، وهذه هي الرؤية الكابوسية التي تحدث عنها دكتور عمار علي حسن عندما كتب عن الرواية.

عن رؤيتها للمشهد الثقافي المصري الحالي تقول عبدالمنعم: “ما نقوله عن الوضع بشكل عام في مصر، ينطبق على المشهد الثقافي، ولكن بصورة أكثر وضوحا. المفترض أن تكون الثقافة في طليعة اهتمامات الحكومات، لكنها أصبحت من مكملات المشهد فقط. فمثلا لا توجد رؤية واضحة عن دور وزارة الثقافة والهيئات التي تتبعها، ولا تواجد فعليا لهذه الوزارة بين الملايين من الشعب، الذين لا يهمهم صدور ديوان لشاعر يسكن في برجه العاجي مكتفيا بجوائز الدولة، ولا صدور أعمال كاملة لكاتب ما للمرة الثالثة أو الرابعة، لأنهم بكل بساطة لا يعرفون هؤلاء، ولا يملكون رفاهية شراء كتاب، ولكنهم يعرفون نجوم السينما فقط. والمدهش أيضا أن الدولة عندما تقيم حفلا للمثقفين، يكون الفنانون في نظرها أيضا هم من يمثلون الثقافة لا غيرهم”.

تستطرد الكاتبة “يؤسفني أن أقول إن دور المثقف المصري الآن، أصبح دورا تخريبيا، يضرّ ولا ينفع. فكل القضايا التي يخوضها الآن، كلها معارك كلامية جدالية خلافية، لا تؤدي إلى شيء فعلا. المثقف المصري، أصبح شوفينيا، نازيا، سلفيا. يعتقد أنه المصيب وحده وباقي الزملاء أغبياء لا يفهمون، يسعى إلى إقصاء المخالف له في الرأي، ويختار في ذلك أسهل الطرق، التشويه واستنباط ما في النوايا، واستقراء ما في العقول، كي يجد مسوغا لتصفية حسابات قديمة بينه وبين زميل مهنة. وفي النهاية نجد المشهد أمامنا مجموعة معارك تخص المرء وحده، ولا تهتمّ بقضايا الوطن.

الكتابة متعة

الكتابة متعة واختيار في المقام الأول، وعندما أكتب فأنا أكتب ما أحب وفي الوقت الذي أريد

توضح الكاتبة أن حصول عمل ما على جائزة، يفرح الكاتب، ولكن بنظرة سريعة على مشهد الحصول على جائزة ما، نجد أن من الكتاب من يكتب وعينه على جائزة بعينها، ثم يجند لذلك الأصدقاء مروجين لعمله، فإن حصل على الجائزة، قال رأيه بأن الجائزة محايدة ونزيهة، وإن تجاوزته، يملأ الدنيا ضجيجا عن عدم حيادية هيئة التحكيم. بهذه الصورة تحوّل الكاتب إلى تاجر يسعى إلى تسويق بضاعة. الكتابة متعة واختيار في المقام الأول، وعندما أكتب فأنا أكتب ما أحب وفي الوقت الذي أريد وبالفكر الذي يناسبني. لا أكتب وفق مقاييس ومعايير تتماشى مع توجهات الجوائز، ولا أتحول من كاتب إلى “تارزي” أقص القماشة على مقاس من سيدفع الثمن، وهذا ليس بأدب.

وعما تمثله الكتابة لها تقول: “أن تكتب أن تهجر معسكر القتلة، هذا ما قاله كافكا، وهذه هي الكتابة بالنسبة إليّ، الهروب من واقع قبيح، وبعيدا عن حفنة أنذال، لأجلس في شرفتي بين نباتاتي، حيث أرى السماء والنجوم، وفنجان قهوتي عند الغروب”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر