الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

انتصار عبدالمنعم الوجه الآخر لتمرد المرأة المصرية على الوصايا الذكورية

الكاتبة انتصار عبدالمنعم تتمسك بمبادئها رغم الدعوات الغزيرة للظهور في البرامج الصحفية بعد كتابها عن الإخوان، لكن اكتفت بتحقيق هدفها دون أدنى مزايدة.

العرب ممدوح فراج النابي [نُشر في 2014/05/11، العدد: 9555، ص(20)]

هاجس انتصار عبدالمنعم يظل دوما البحث عن وطن وثورة

ربما هيئتها الظّاهرية الهادئة الوقورة لا تعكسُ قوّة شخصيتها المتوارية خلفها، أو حتى ثورتها التي تصل إلى حدّ الجنون لمن لا يعرفها، ملامح البراءة والوداعة التي تطلُّ من خَلف وجه طفوليّ، والذي يعكسُ ملامح مصرية صرفة، تخفي خلفها تنمُّرها في كثير مِن الأحيان، ليس فقط لمن يدرجها، أو بالأحرى كتاباتها في خانة الكتابة النّسوية، بقدر تنمُّرها ضدّ كلّ ذكورية تَسْعى للسّيطرة والهيمنة، فتساؤلها: "هل الاختيار وتحديد القسمة والنصيب دائما في يد الرِّجَال، وعلى النساء أن يفرحن فقط لو وقع عليهنّ الاختيار؟ ألا يمكن للمرأة أن تختار نصيبها أو قسمتها؟ أم أن الاختيار فعل ذكوري"؟ بمثابة الثورة على النّسق الاجتماعيّ، على نحو ما جاء على لسان بطلتها في روايتها الأولى "لم تذكرهم نشرة الأخبار: وقائع سنوات التيه" 2010 الصّادرة عن دار العصر الجديد.

بذرة التمرُّد التي تختلط بجيناتها على كافة الأنساق (الاجتماعيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة) سربتها إلى شخصياتها حتى ولو كان تمرُّدهم بالسّلب، فـ”ماجد” بطلها المُغْتَرِب عن ذاته ووطنه وجدَ الحلّ من مشاكله بالتطبيع مع العدو، ونادية وجدت خلاصها في بيع مبادئها مع جسدها. وهذا متحقّق في كتاباتها وفي آرائها التي تُعلنها في حواراتها وما تسجله على صفحتها على الفيسبوك. فتتسع تيمة تمرد الأنثى على كافة الوصايا الذكورية والبطريركية، كما جاء في مجموعتها القصصية الأولى «عندما تستيقظ الأنثى» 2009، التي فازت من خلالها بجائزة الدكتور عبد الغفار مكاوي، فعنوانها كان تعبيرًا صادقًا عن شخصيتها التي لا تظهر إلا وقت استثارتها، وإن كان هذا التمرُّد دائمًا لديها محفوفًا بردّ فعل ضدّ الطرف المستَفِزّ، فما أن تقترب منها تجد نموذجًا لذكاء الفتاة المصرية، وبديهة حاضرة، تعرف أين تضع رجلها ومتى تخرج كلماتها، ومتى توقف مَنْ يستفزها أو حتى يجور على حقها.

كثيرون بعد كتابها "حكايتي مع الإخوان" أرادوا أنْ يختزلوها في منطقة إحدى الأخوات المنشقات، ومن ثمّة جرّها إلى المنطقة الأثيرة لدى صانعي الخبر ومثيري المعارك؛ فانهالت عليها الدّعوات للظهور في البرامج الصحفيّة، والحوارات، لكن مع كل الإغراءات إلا أنّها لم تنطلِ عليها هذه الحيل وتلك الفِخاخ التي نَصبُوها لها، ليهاجموا باسمها الجماعة، فظلّت هي كما تريد لنفسها انتصار عبدالمُنعم، واضعةً تجربتها في سياقها الذي اختارته لها وهو "جلد للذّات لجماعة حادتْ عن أهدافها. فسّرت المبادئ التي وُضعت مِن أجلها وفق أهواء القائمين عليها ورغباتهم، وحتى التفسيرات نفسها أصبحتْ تتغيَّر وتتلَوّن بلون الجو العام في كلِّ مرحلةٍ لكلِّ سببٍ ولأيّة غايةٍ" كما جاء على لسانها في مقدِّمَة كتابها. فلم تنصعْ لهم بل انصاعوا جميعهم إلى منطقها بل واحترموه، مثلما احترموا عدم الزّج بحياتها الشَّخصيّة وأولادها على طارقة الحوارات والبرامج، فهي تفصلُ بين هذا وذاك، بين انتصار الكاتبة صاحبة النتاج الوفير والمتنوِّع في القصة القصيرة -(عندما تستيقظ الأنثى، ونوبة رجوع) والرواية "لم تذكرهم نشرة الأخبار/ سنوات التيه"، و"جامعة المشير/ مائة عام من الفوضى"، وكتاباتها للأطفال وغيرها من المقالات اليومية والنقدية.

هل الاختيار وتحديد القسمة والنصيب دائما في يد الرِّجَال، وعلى النساء أن يفرحن فقط لو وقع عليهنّ الاختيار؟ ألا يمكن للمرأة أن تختار نصيبها أو قسمتها؟ أم أن الاختيار فعل ذكوري؟

انتصار عبدالمُنعم ذاك الصوت النسائي الذي وضع تجربة الفكر الإخواني، خاصّة فِكْر المُنَظّرين الذين كانوا يُحلِّقون في وادٍ بعيد عن سياق ثقافيّ وتاريخيّ اختلف عن مرحلة فِكْرِ المؤسسين على الأخصِّ الإمام حسن البنا، ومن ثمّة جاء كتابها كمراجعة فكريّة لتنظيرات هذه الجماعة التي آلت إلى ما آلت إليه بعد وصول ممثلها لسدة الحكم، حيث غَلَبَ على مُنَظّريها الفِكْر المُتَزمِّت العقيم، والبعد عن روح التجديد، وفق للآليات والمستحدثات التي تفرضها أرضية الواقع ورهانات الشّارع الذي صار فاعلاً وبقوة.

قد يخامرك تساؤل أو حتى تتعجب من كيفية فصل ذاتها وشخصيتها عن هذه العوالم، واندماجها في تنسيق زهورها التي تملأ بلكونتها وهي عالمها الآخر الذي تتماهي فيه لدرجة الذوبان، حتى أنها يوم أنْ فكَّرت في توقيع تعاقدها على نشر روايتها كان في قارعة الطريق عند محل زهور وبين الناس الذين لم تذكرهم نشرة الأخبار.

شخصيتها تأثرك بجديتها ورزانتها وأيضًا بمشاغباتها على الفيس، فما أن تتحدَّث إليها تجد صوتًا حانيًا كأنك تعرفه أو خبرته منذ مئات السّنين، كما تجد إنصاتًا وإصغاء رهيبيْن، حتى تشعر وكأن الخط قد ضاع أو تبدّد، إلا أنك تجدها مُنصتة لكَ بكل حواسها. رأيها إذا لجأت إليها قاطع لا تقبل أنصاف الحلول والمساومات والبدائل، لا تجيدُ لعبة ارتداء الأقنعة والأدوار.

كان من الممكن أن تكون نجمة شبّاك بعد كتابها عن الإخوان، لكن اكتفت بتحقيق هدفها من الكتاب، دون أدنى مزايدة أو غلو، ومن ثمّة فهي عازفة عن الشُّهرة على حساب الآخرين، رغم أن صنواتها يسعين بطرق مشروعة وغير مشروعة لهذه الشُّهرة مقارنةً بفِقَر الموهبة وضحالة النِتَاج، عزفت عن الكتابة خاصّة الكتابة الصّحفية، وعندما تسألها عن السّبب تقول لك "أكتفيتُ وفقط"، لا كلمة زيادة ولا تقريظ لوسط أدبي يعتمد الشّلليّة، على العكس تقول لك "حققتُ ما أصْبُو إليه هل تجدني محسوبةً على أحد؟"، لا تنتظر الإجابة منك فتقول قاطعة: "بالطبع لا". الحقيقة أنها صنعتْ نفسها بنفسها، وفي سنوات قليلة منذ قدّمت نفسها إلى الوسط الأدبيّ والكلُّ ينتظرُ ما تقول، لأنّ لديها ما تقوله، والأعجب لديها القوالب والصّياغة الفاتنة التي تصبُّ فيها تجربتها، وتجعلها ذات مذاق خاص، دون الاعتماد على بنيات شكليّة ثابتة أو حتى مكرَّرة لجأت إليها في أعمال سابقة.

انتصار عبدالمنعم الصوت النسائي الذي وضع تجربة الفكر الإخواني، خاصة فكر المنظرين الذين كانوا يحلقون في واد بعيد عن سياق ثقافيّ وتاريخي اختلف عن مرحلة فكر المؤسسين

الرِّضَا هو شعارها، فلا تلّحُ على طلب الشّيء، وإنْ لم يأتِ لا تندم أنه فارقها، فهي قانعة بما حققتْ، يوم أنْ حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة إحسان عبدالقدوس 2010، عن قصة "تنويعات عن ذات الرِّحلة"، تستدعي ليلة التكريم فتقول عنها "إنها لم تنسها مطلقًا، فقد كانت الليلة التي سبقت بداية الثوّرة وشرارتها الأولى"، وما إن عادت إلى مدينتها الإسكندرية، حتى انخرطت مع الجموع الغفيرة في الخامس والعشرين، تناستْ فرحة الأمس واكتوت بلوعة الفقد حيث فقدت ابنها محمد، ومن هنا جاءت "جامعة المشير: مئة عام من الفوضى" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013.

وكأنها أرادت أن تجمع بين شقيّ قلبها؛ قلب محمد وقلب الوطن بحثت عن كليهما، وتجاوب مع صراخات التياعها الكثيرون، حتى جنود الأمن الذين خرجت تندّد بهم لانَتْ قلوبهم لصيحاتها فردّدوا خلفها نداءاتها على محمد، عاد محمّد إليها ما ضلّ طريقه لأنه وجد أمّه تبصّره طريق الخلاص، فاحتضنته وغمرت بدموعها وجهه، أما الوطن فلم تلتقه، بحثت عنه في وجوه سميرة موسى ويحيى المشد، وجمال حمدان ومصطفى مشرفة والسيد بدير، لكن كانت تبدّلت سحنته فمثلما "قتلت آلةُ الشر سميرة موسى وكل علماء مصر، قتلت آلةُ الشر أحلام شباب ثورة 25 يناير، وشوّهت صورة من تبقى منهم خارج القبر أو الزنزانة" على حد قولها.

تقودك في مسيرتها الإبداعيّة إلى الرِّحلة التي ذكرتها في قصتها "انتقال" من مجموعتها الثانية "نوبة رجوع" الصّادرة عن دار الكفاح للنشر والتوزيع، الدمام، 2011 "فالرحلة حتمية ولا بد من القيام بها سواء رضينا أو أبينا" ومع هذا تحلّق كثيرًا في فضاءات متعدّدة، وهي تنظر من الطابق الثاني عشر، ولا يخايلها إلا ذات "اليمامة" التي "تعشش على النوافذ، على الشّرفات، لا تخصُّ أحدًا، لا تنتمي إلا للمروج الخضراء، دومًا برية حرة، لا تعترف بالقيود التي تحيط بها من كلّ جانبٍ، تنسج لها عشًا صغيرًا حياتها ما بين حدوده، وبين فضاء الكون الذي تبسط فيه جناحيها فيصيح كله لها"، لا فَرْق بينهما، هما صنوان.

ومع هذا التحليق لذاتها إلا أن كتاباتها لا تنفصل عن الواقع المعيش رغم أنها لا تقدّم حكايات عن الهَجْر والفقد أو حتى تدور قصصها في إطار المألوف الذي تجترّه الأديبات عن فشلهنّ وإحباطاتهنّ وتريد أنْ تصدّره إلينا. أعجب ما في كتاباتها أن الموتَ يكاد يكون هاجسًا، بل يأتي عبر تنويعات مختلفة فهناك الموت مِن قبل العدو والموت بسبب الأمراض المُسرطنة، وموت الأحبة، إلا أنها لا تستخدم كلمة الموت بل تفضّل عليها كلمة الرحيل، كنوع من الاحتيال عليه، وكأننا مجبرون على الرحيل داخل رحلة الحياة التي ستنتهي حتمًا بهذا المصير.

مارست على مدونتها الخاصة التي حملت مقالاتها في مجلة أكتوبر رؤى مختلفة عكست اشتغالاتها، كانت عينها كالعدسة على كل ما تراه. لفتها مثلا الاحتفال الذي قدمته مكتبة الإسكندرية عن الشّاعر الجنوبي أمل دنقل، وراعها أن أمل لم يمت بشعره وبالاحتفاليّة التي جاءت كنوعٍ من الاحتفاء برحيل الكاتب. دومًا تأتي كتاباتها تغريدًا ضد التيار السّائد. مات ماركيز قبل أيام قليلة. لم تقل شيئًا وهي التي كتبتْ عنه من قبل "ماركيز دروس من الحياة"، غير أن الفيس سيتحوّل إلى سرادق عزاء وقد كان ثمّ أتمّتْ جملتها "هي سبوبة خليهم يسترزقوا"، صدقتْ فيما قالتْ مثلما صدقتْ في نبوءتها عن مآل الثورة ومئة عام من الفوضى، مازلنا غارقين في وحلها، كما صدقت عندما أشارتْ إلى أن جمود فكر الإخوان ستكون عواقبه كارثية، وقد كان.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر