السبت 10 ديسمبر/كانون الاول 2016، العدد: 10481

السبت 10 ديسمبر/كانون الاول 2016، العدد: 10481

موجة إلحاد تجتاح السعودية على تويتر.. هل تصدق

بعض الملحدين يضعون صورا تحيل على إلحادهم أمام الكعبة في مكة المكرمة، وآخرون يقدمون على تمزيق القرآن الكريم، ليثيروا حفيظة المسلمين.

العرب  [نُشر في 2014/03/29، العدد: 9512، ص(18)]

واحد من كل 20 سعودي هو 'ملحد مقتنع' مما يضع السعودية في مقدمة الدول العربية الأكثر إلحادا

“ ملحد سعودي” أصبح تعريفا مألوفا خاصة على المواقع الاجتماعية، وبعض الدراسات تقول إن أكبر “نسبة” من الإلحاد في دولة إسلامية موجودة في السعودية !

الرياض – مليون دولار لكل ملحد سعودي يظهر هويته، مليون دولار لإثبات وجود الله، موجة الإلحاد تجتاح السعودية، حملة تمزيق القرآن في السعودية.. عناوين هاشتاغات كفيلة بإشعال تويتر بتغريدات ساخطة ضد أصحابها لكن ماذا لو علمت أن 6 بالمئة من السعوديين ملحدون، وفق ما أكده تقرير مركز غالوب.

حسب تقرير مؤسسة غالوب “مؤشر التدين و الإلحاد-2013″ فإن 1 من كل 20 سعوديا، هو “ملحد مُقتنع″ مما يضع السعودية في مُقدمة الدول العربية الأكثر إلحاداً مقابل 75 بالمئة من المتدينين و19 بالمئة من السعوديين يرون أنفسهم غير متدينين!

في السنوات العشر الماضية، ساهمت وسائل الاتصال والتواصل الجديدة بفتح الأبواب أمام الكثيرين في المملكة.

سواء كان شاباً يبحث عن الحب، أو محللاً سياسياً ناشئاً يسعى للنقاش، أو كاتبا متمرسا يبحث عن جمهور يقرأ له، أو ملحداً يبحث عن أمثاله، الإنترنت لديه الإمكانيات اللازمة لخدمة الجميع.

التغريدة التي استنفرت مملكة
قضية حمزة كاشغري مثلت أشهر قضايا المجتمع السعودي بمختلف تياراته الفكرية.

في السادس من فبراير 2012، كتب المدون حمزة كاشغري (25 سنة) في تويتر، بمناسبة المولد النبوي الشريف، التغريدات التالية:

– في يوم مولدك سأقول إنّني أحببت الثائر فيك، لطالما كان ملهما لي، وإنّني لم أحب هالات القداسة، لن أصلي عليك.

– في يوم مولدك أجدك في وجهي أينما اتجهت، سأقول إنّني أحببت أشياء فيك، وكرهت أشياء… ولم أفهم الكثير من الأشياء.

– في يوم مولدك، لن أنحني لك، لن أقبل يديك، سأصافحك مصافحة الند للند، وأبتسم لك كما تبتسم لي، وأتحدث معك كصديق فحسب… ليس أكثر.

وبعدها بساعات، كتب كاشغري:

– حذفت التغريدات المسيئة لأنّي بعدما راجعت أخوة فضلاء، تبيّنت أنّها تحمل معاني مسيئة ــ وحاشاه ــ لمقام النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أرضى أن يفهم منها ذلك.

– لو أني فهمت مما كتبت ذات الذي فهمه الآخرون لكنت وقفت في صفهم ضدي! وهل يسكت أحد عن الإساءة لنبيه عليه الصلاة والسلام؟!

– إلهي، ألجأ من نفسي ومنهم إليك! آمنت بمطلق عفوك ومطلق رحمتك ومطلق لطفك.

– يشهد الله خلو قلبي من كل قصد للإساءة… أنا لم أسب نبيي عليه الصلاة والسلام، وإنما أسأت في المخاطبة إساءة أعتذر عنها وأسأل الله العفو.

– يا سادة… أنا مسلم لم أشهد يوما بغير لا إله إلا الله محمد رسول الله. وحاشا أن أتعرض لمقام النبي. أخطأت في التعبير وأستغفر الله عن خطئي.

– أما إذا كشف لأحدكم عما في صدري فلكم رقبتي وقتئذ… أنا ما أضمرت إلا حبا وإيمانا وأستغفر الله من لساني وأتوب إليه.

لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل عاد كاشغري وأصدر بيانا أقرّ واعترف فيه أنّ كل ما وقع فيه من انحراف في الأفكار وفي الأقوال، أو فساد في التعبيرات هو من قبيل الشبهات والشكوك.

لم ألتق يوما حمزة كاشغري، ولم أتواصل معه، لكن ما جرى في السعودية حينها، دل على أنّ فئة كبيرة مثله ترى نفسها في مقام الآلهة والملائكة والأنبياء.

إنّ حملة الغضب على التغريدات الأولى لكاشغري، يمكن أن تحترم، لو اقتصرت على المطالبة بالتحقيق والتأديب. لكن الذي جرى لا علاقة له بالغضب والغيرة على الدين. فقط سيف الانتقام وصوت الدم!

بعدما أمر الملك بالقبض على كاشغري ومحاكمته، انبرت الأقلام مطالبة بملاحقة مدوّن آخر هو أيمن الجعفري، بالإضافة إلى المفكر والروائي تركي الحمد.

وقال أحد الدعاة ــ وغيره كثر ــ إنّ توبة كاشغري غير مقبولة ــ في اقتحام مفضوح للنوايا ــ بذريعة أنّه أعلنها خوفا من الناس!

وفي اليوم الذي أمر فيه الملك بالقبض على كاشغري ومحاكمته، أصدر عفوا بحق السجين هادي آل مطيف، وهو مواطن سجن قبل نحو 20 سنة ــ وهو قاصر ــ بسبب قضية مشابهة، وذلك قبل عصر الفضائيات والإنترنت (تحقير الذات النبوية). صدر بحقه حكم الإعدام في 1996، ولم ينفذ الحكم، وانتظر طوال هذه السنين حتى يصدر بحقه عفو.

كان يفترض أن ينتظر كاشغري 20 سنة كي تقبل توبته ويرحب باعتذاره؟

يتساءل بعضهم (في سرهم) من أساء لأشرف الخلق؟ تغريدات حمزة أم من أظهر الإسلام في مظهر المعادي لحقوق المرأة؟ تغريدات حمزة أم من أظهر الإسلام في ثوب الدين المشرع للاستبداد والمناصر له؟ تغريدات حمزة أم تلك الفتاوى التي تتصدى لمشاريع التنمية والإصلاح؟ تغريدات حمزة أم الفتاوى المناهضة للديمقراطية وحقوق الإنسان؟ تغريدات حمزة أم ذلك الخطاب الديني الرديء الذي يبارك العنصرية والطائفية؟

أفرج عن حمزة كاشغري يوم 29 أكتوبر الماضي لكن الشباب السعودي ينتظرون الإفراج عن عقولهم.

يقول مغرد “لقد سهلت مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر مهمة الوصول إلى أشخاص من المهتمين بالقيم العلمانية يمكن التحاور معهم نحن “الكفار”.
غير أن الحقيقة التي تدهش ليست هي أن هناك كثيرين لكن هناك أشخاصا متقدمين في العمر ظلوا يخفون إلحادهم لعدة عقود.

كما عرضت مجموعة تطلق على نفسها اسم “جمعية الملحد السعودي”، مكافأة قدرها مليون دولار لكل من يثبت وجود الله.

ووصل الأمر ببعض الملحدين إلى وضع صور تقول إنهم ملحدون أمام الكعبة في مكة المكرمة، وآخرون أقدموا على تمزيق القرآن الكريم، ليثيروا بذلك حفيظة المسلمين في المملكة.

ويقول مغرد “المذهب الذي يغزو بلاد الحرمين هو الإلحاد، أكثر من مليوني ملحد سعودي ببركة التنفير”.وفي هاشتاغ حملة لتمزيق القرآن يؤكد مغرد “هناك ثلاثة ملايين ملحد سعودي ولا أعتقد أن تمزيق القرآن من أخلاقهم”.

ويحمّل بعضهم مسؤولية ذلك لتناقض الفتاوى، حتى أن هناك من ذهب إلى أن ” في كل بيت سعودي يوجد ملحد“.

ويقول مغرد متحديا “سجل عندك أنا ملحد سعودي جديد، منذ الصغر أهلي يخوفونني بالموت وعلامات الساعة حتى أصبت بأمراض نفسية والوسواس القهري بسببهم”.ويضيف “الآن وقد اكتشفت الحقيقة يمكنك السيطرة على أفكارك ووساوسك وإقناع نفسك أنها كلها خرافات ولا تؤثر فيك”.

ولم تسلم الهاشتاغات رغم كمية السب والقذف الموجودة فيها من السخرية كأن يغرد أحدهم “عادي أنك ملحد وتناصر القضية الفلسطينية.. ما هو شرط تكون ملحد ومع إسرائيل”.

وكتب آخر “من عجائب تويتر أني صادفت ملحدا سعوديا ومشتركا بخدمة تويتات القرآن والأدعية.. كل شيء في هذا البلد نوعيته مضروبة!”.

ويروي آخر قصة حقيقية “ملحد سعودي قال له صديقه لا أظن أنك ملحد فأجابه (والله) إني ملحد“..

وفي هاشتاغ الإلحاد سؤال وجواب غرد أحدهم ‘أنت ملحد سعودي؟؟ ليجيب أحدهم نعم. فيسأله سني ولا شيعي؟؟ -فيقول الآخر سني يطمئن السائل الحمد لله على بالي ملحد ابن متعة رافضي”.

ورغم النقاش والجدال على المواقع الاجتماعية فـ”الملحدون” يخافون من التعبير عن وجهات نظرهم علانية.

ويعتبر الترويج لأية عقائد أخرى غير الإسلام في السعودية جريمة تستوجب العقاب، وربما التعذيب، وأيضاً إمكانية الإعدام نظرياً.

ويقول مغردون “لا شك في أن الملحد في نظر الكثيرين من السعوديين أكثر خطراً من الذي يعتنق ديانة أخرى غير الإسلام”.

والإلحاد كما يقول الكثير من رجال الدين في المملكة العربية السعودية، يقود إلى حياة الفسق وإلى متابعة شهوات الجسد والسلوكيات غير الأخلاقية.

ويفسر بعضهم أسباب ترك الدين الإسلامي والاتجاه إلى الإلحاد بأن “بعض التعاليم والقوانين الدينية لا معنى لها. ولذلك بدؤوا بطرح الأسئلة حول الأشياء الصغيرة مثل لماذا الموسيقى حرام أو لماذا يجب على النساء أن يغطين وجوههن”.

ثم بدؤوا بالقراءة عن الطريقة التي جمعت بها النصوص والأحاديث الإسلامية… ليؤكدوا أن الدين كله لا يعدو أن يكون مجرد “ابتكار”.

ولا يزال ملحدون يستمرون في الحفاظ على التظاهر بأنهم يعتنقون الإسلام عندما يكونون في محيطهم العائلي. وغرد أحدهم “في بعض المناسبات يصبح هذا أمرا مثيراً للإحباط”.

مغرد آخر، يقول إنه محظوظ لأن عائلته تقيم في مدينة أخرى في السعودية، وهو بالتالي لن يحتاج إلى الكذب.

ويصف ملحدون بلدهم بالتشدد “الذي يرعبهم”.

ورغم “اقتناع بعضهم” بإلحادهم فإنهم لن يجرؤوا أبدا على التكلم في ذلك فبصرف النظر عما إذا كانت الحكومة ستتخذ أية خطوة حيال ذلك أم لا، فستتبرأ منه عائلته، وسيطرد من وظيفته، بل من المرجح أن يقوم الناس بتصفيته بدنيا.

وعلى المواقع الاجتماعية آراء أخرى كأن يقول أحدهم إنه كان يدّعي الإلحاد قديما سواء على يوتيوب أو تويتر أو غيره لكنه أكد “أنا وأمثالي نعيش في ازدواجية فنحن لسنا مقتنعين بالإلحاد لكننا نواجه صدمة حضارية ومعرفية جعلتنا نشك في كل شيء وزاد من هذا الشك قراءتنا في الفلسفة ومتابعة روّاد الإلحاد الجديد أمثال ريتشارد دوكنز وسام هاريس وغيرهما، جعلت لدينا اهتزازا في العقيدة وتشكيكا في كل ما فيها بسبب الخطاب الإسلامي الجامد الذي لا يحرّك العقل ولا يعترف به”.

ويقول آخر “أنا الآن أقرأ القرآن كثيرا وأحاول اكتشاف الدين من جديد واعتناقه عن قناعه وليس عن تلقين وكل يوم تزيد قناعتي بأن الإنسان بلا دين ولا هدف أخروي هو أشبه بالحيوان”.

ويقول ناشط “لم أر هذه النسبة المضخمة إلا في شبكات التواصل الاجتماعي لكن بعد عدة حوارات مع اشخاص يدعون بأنهم سعوديون على شبكات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك لاحظت بأن غالبيتهم ليسوا سعوديين بسبب لهجتهم

وطريقة كتاباتهم التي تفضحهم وبعد المواجهة اعترف أحدهم أنه مصري والآخر عراقي ومنهم سوري ويستعيرون أسماء بنات وشباب سعوديين فقط لنشر الفكر الملحد”.

وتقول مشاركة “كلما زاد شباب العرب علما وثقافة وزادوا انفتاحا زاد الميل الإلحادي بسبب خطابات الشيوخ البائسة والعاطفية التي لا تشبع هذه العقول المتعطشة للمعرفة..”.

ويدعو البعض الدعاة ورجال الدين بضرورة الإنصات إلى هؤلاء الشباب، والرد على أسئلتهم واستفساراتهم وشبهاتهم، ومناقشتهم مناقشة عقلية صرفة، هذا الرأي كان موضع سخرية مغردين أكدوا أن “فاقد الشيء لا يعطيه”.

ويؤكد البعض أن الشيوخ يتناولون هذه القضية المعقدة من باب الوصاية على الآخر ويتعاملون مع الشباب على أنهم سذج، وقعوا فريسة للشبهات ولشياطين الإلحاد، فإذا لم يقتنع الشباب بنصائحهم ومواعظهم، وجب ردعهم ومعاقبتهم حتى وإن وصل الأمر إلى قتلهم بسبب كفرهم وردتهم.

ومن هنا، يتضح قصور أدوات المعرفة الدينية السائدة عند بعض الدعاة ورجال الدين، الذين عفا عليهم الزمن.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر