الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

'دنيا الدين الإسلامي الأول ' قراءة مستنيرة للزمن النبوي

الدعوة المحمدية هي لحظة ولادة الأمة العربية والإسلامية، وكانت مشروعاً سياسياً لا يتناقض مع القبيلة أبداً.

العرب عمّار ديّوب [نُشر في 2014/03/08، العدد: 9493، ص(17)]

شعبو: المواطنة هي التي تستطيع أن تجمع تحتها كل الفرق والمذاهب والأديان

كتاب “دنيا الدين الإسلامي الأول” للكاتب السوري راتب شعبو، الصادر عن دار “شرق غرب” عام 2013، يتضمن رؤًى وأفكارًا مدافعةً عن أطروحة فكرية قيّمة، يستخدمها الباحث كمدخل لفهم الإسلام في زمنه، والإسلام في زمننا؛ وتتحدّد بأن الإسلام دين سياسي بامتياز، وأن اعتباره حلاً للحظتنا الراهنة هو بمثابة حرب أهلية مباشرة.

يؤكد الكاتب مَوقع الدين الإسلامي في الحاضر، فهو شديد الحضور بكافة المعاني في حياتنا، وبالتالي لا بد من قراءة معاصرة له، تعيد إنتاجه وتوضيحه كمسألة معرفة خاصة بزمن محدد، وكمسألة سياسية تُستخدم في الصراعات الاجتماعية الجارية.

الدين والسياسة

الحقيقة أن الكتاب هو محاولة علمية واعية للزمن القديم وللشرط الجديد، ولم يقع الكاتب فريسة وهم كاسح يسيطر على أذهان كثير من الكتاب الحداثيين، حيث يتوهمون أن نفس الماضي لا يزال موجودًا في الحاضر، ولا بد من عملية تنويرية ترفع الوعي من الديني نحو المواطنة والفكر الحديث؛ الكتاب يتجاوز ذلك تماماً، فالدين دين الماضي، والحاضر يستعيده كمسألة معرفية، ويفيد في الصراع الاجتماعي الذي يوظّفه، وهو ما يقتضي قراءة حداثية للدين الإسلامي ونزع هذه الإشكالية من بين أيادي الإسلاميين أنفسهم؛ وهنا نوجه نقداً أولياً، حيث ذهب الباحث إلى أنّ انشغاله بالبحث جاء رداً على فهم ماركسي كان يتبعه وكان يقلّل من دور الدين رغم “أنه مسألة مرجعية أساسية”، فالحقيقة ليست في الفهم الماركسي القديم والذي قد يكون قاصراً في التعاطي مع الدين وأهميته، بل تكمن في تراجع موقع الماركسيين واليسار عموماً، وتَقدُّمِ إشكاليات ثقافية وسياسية أخرى من بينها الإسلام السياسي، وبالتالي وبدلاً من الانشغال بقضايا الماركسية والواقع، ذهب باحثنا، كما فعل الكثيرون، نحو “إشكاليّة إسلامية” على حدّ تسميته لها.

يتطرق الكتاب لشخصية النبي محمد، ويوضح أهميته وتميزه عن حركة الأحناف، التي سعت إلى فكرة التوحيد، وتحديدا عبر الوعظ الّذي يُعدّ من أحد أسباب فشل هذه الحركة، بينما كان النبي واعياً بالوضع التاريخي للعرب برمتهم آنذاك، أي بوضع القبائل العربية وتوزع ولاءاتها بين الحبشة والفرس وبيزنطة، بالإضافة إلى وعيه بمحدودية ثروة مكة، وبالتالي كان لا بد من حلٍّ لتلك المشكلات، وهنا جاء الوحي مسانداً للسّياسة.

النبيّ برع في السياسة وفي الحرب لاحقاً، ولم يتنازل أبداً عن تلازم الدين والسياسة؛ فدون الدين لا يمكن نجاح السياسة الجديدة، ودون السياسة سيتم إفناء الدين الجديد كما جرى الحال مع حركة الأحناف أو سواها.

النبي لم يتنازل أبدا عن تلازم الدين والسياسة

الإسلام والمواطنة

الكتاب يقول إن الدعوة المحمدية هي لحظة ولادة الأمة العربية والإسلامية، وكانت مشروعاً سياسياً لا يتناقض مع القبيلة أبداً، بل ويعتمد آليات قبلية في تطوير ذاته؛ الموقف من قريش ومن أبي سفيان أكثرُ من واضح في هذا الموضوع. النبي كان يدرك ذلك منذ أن كان في مرحلة السرية، وحتى لاحقاً في مرحلة العلنية، وهذا التّدّرج يوضح الشّخصية السياسية التي تطبعه، فهو يدرك أهمية قريش وضرورة الحفاظ على مقاتليها وزعمائها، وبهذا يفسر سبب الهجرة إلى الحبشة، حيث أنّ تزايد عدد المسلمين في مكة، سيحدث حرباً أهلية مع القرشيين لا محالة.

الدعوة لم تكن ضد القبائل، بل كانت تعلي من شأن قريش دون لبس، ولم تكن ثورية وتريد تغيير الواقع نحو واقع طبقي جديد كما يتوهم بعض الاشتراكيين، بل كانت كما سبق وأشرنا إليه، تريد حل أزمات القبائل العربية والارتقاء بهم نحو أمة عربية أو إسلامية موحّدة.

الكاتب يتعدى ذلك، ويوضح لمن يتوهم أن في القرآن حلاً لمشكلات الحاضر، دون أن يقول إنه كان غير ذلك حينما كان النبي حاضرا، فكان دوره ثورياً في التوفيق بين القبائل وإعطاء السيطرة إلى قريش. ثمّ يشرح: “وفي حال تجاوزنا قضية جمع القرآن وتوحيد القراءات ومرحلة التنقيط، فسوف تواجهنا مسألة التفسير، أي كيف نتجاوز مشكلة التباين في التفاسير، وتعدد الإسلاميات، وبالتالي لا يمكن ذلك عقلياً، وهو ممكن فقط عبر القوة، وهذا سيقود آليا إلى دكتاتورية إسلامية أو اقتتال إسلامي”.

وفي هذا يشير إلى حزب الله، ونشير حالياً إلى داعش والنصرة وسواهما، وكارثية محاولات إحداث حرب طائفية، سنية شيعية. وبالتالي أصبح اعتماد الإسلام كمدخل سياسي لحل المشكلات مدخل تفريق لا مدخل توحيد وحلّ للمشكلات المعاصرة.

دور قريش

يشير الكاتب إلى العلاقة مع قريش؛ فأهمية قريش في أنها القبيلة الأقوى، ولا بد من حفظ رجالاتها وثروتها وتأجيل الحرب معها إلى أن يقوى الإسلام، فحينها سيدرك قادة قريش أهميته، وستوالي القبيلة النبي؛ وهو ما فعله بالتحديد حينما اشترى إسلام “زعماء قريش”، القادة الّذين عُرفوا بـ”المؤتلفة قلوبهم”، ولذلك تدرج في علاقته بالقبيلة، فهي ليست في موقع العدو أبداً عكس اليهود مثلاً، فحدّثها بالموعظة ودعاها إلى تحريض العقل لديها ثم عبر الضغط الاقتصادي، والحرب في مرحلة لاحقة، أي حينما تكون قد تعبت وصار سقوطها سهلاً، أو صارت إمكانية أن تعي أهمية الإسلام أمراً مصلحيًّا؛ وهو ما حدث، وبقيت القبيلة الأقوى، رفقة قبيلة ثقيف، وهي التي لم ترتدّ أبداً حين حدثت حرب الرّدة. فهي القبيلة التي ستنقل الإسلام من مكة إلى العالم، من أجل القبائل العربية.

يرفض الباحث القول إن الإسلام جاء بسبب تفكك الروابط القبلية؛ ففي عام الوفود كان النبي يتحدث مع الوفود بلهجتها، ولم يقترب من تحطيم القبيلة أبداً، بل اعتمد آليات قبيلة– قريش-لإنجاح دعوته ودولته الإسلامية. القبيلة ظلت مرجعية انتماء وولاء طوال التاريخ الإسلامي، ووسمت ذهنية العربي إلى اليوم. أي أن الإسلام جاء إلى العرب، وحارب العقائد الدينية فقط، وتم هذا بشكل تدريجي، وهو ما دفع القبائل آنذاك، وهي التي كانت تخضع إما للفرس أو الحبشة، إلى تقديم الطاعة للنّبي، حيث وعت بأهمية المركز السياسي الجديد القادر على إنقاذهم من الدول المحيطة بالعرب آنذاك.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر