الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

عبداللطيف آل الشيخ.. قائد معركة إصلاح 'الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر'

رئيس الشرطة الدينية السعودية يعمل على تغيير صورة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر' ودورها في المملكة.

العرب  [نُشر في 2014/01/19، العدد: 9443، ص(8)]

آل الشيخ لم يبرئ جهازه من المؤثرات الخارجية

في العامين الماضيين، صعد اسم عبداللطيف آل الشيخ رئيس الشرطة الدينية السعودية، واستطاع أن يجعل من نفسه مادة إعلامية دائمة، ويعمل اليوم على إصلاح دور الجهاز المثير الذي يطالب طيف كبير بإلغائه، بينما يواجه عدوانا آخر يقوده حركيون داخل جهازه لتصفيته والقضاء على خططه.

كان لجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يترأسه عبداللطيف آل الشيخ، حكايات لا تخلو الصحف السعودية من سردها رغم أن غالبها موجود منذ تأسيس الهيئة كسند سياسي داخلي تتوشح السواد المجتمعي، ولم يعد أحد في السعودية راضيا عن أدائها.

الهيئة والشارع السعودي

عبداللطيف آل الشيخ، المسؤول السعودي الذي كتبت الصحف السعودية عنه في عامين وتداولت أخباره أكثر من نظرائه الذين يمكثون عقودا في مناصبهم، ليس لجهده فحسب؛ بل لأنه جاء وأمامه إرث من الغضب المجتمعي على أداء جهاز هيئة الأمر بالمعروف، محمّلا بلغة إعلامية مختلفة وخطط يريد بها تطهير الجهاز المغتصِب لخصوصيات السعوديين وحياتهم.

جاء آل الشيخ إلى الهيئة الدينية بعد سنوات إدارية استشارية قضاها في مكتب أمير الرياض الأسبق الأمير سلمان بن عبدالعزيز (ولي العهد الحالي) في مرحلة لاحقة بعد أن كان مجاورا لعلماء الدين السعوديين الرسميين، في منصب الأمين العام الثاني بهيئة كبار العلماء ذات الخصوصية العالية.

وفي صراعات الثورات العربية التي انطلقت عام 2011 ومرت بعدد من جمهوريات العالم العربي، جاءت الثورة السعودية من الأعلى على ما اصطلح على تسميته وفق الرؤية الغربية وبعض من الكتابات المحلية “الشرطة الدينية” بتعيين عبداللطيف آل الشيخ في منصب هرم النار علاوة على نيران تتلظّى من الخارج.

أول قرارٍ اتخذه آل الشيخ بعد ترؤسه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان إلغاء عمل المطاوعة الميدانيين الذين اشتكى منهم المجتمع السعودي طويلا

رئيس الهيئة يرى الاختلاط غير محرم

قبل مجيء آل الشيخ إلى جهاز الحسبة الدينية في المملكة بعام، أطلق مقالة وحيدة فتحت له باب الشهرة والتفكير خارج صندوق النسق الديني المحافظ بشدة، حيث يرى وفق مقالته التي كتبها العام 2010 أن “الاختلاط” كان واقعا معيشيا في عصر صدر الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية لم تحكم بمنعه على الإطلاق، بل “أجازته في حدود تكفل الحرية المنضبطة بالضوابط الشرعية للمرأة مع المحافظة على الأعراض، وتمنع الوقوع في المحظورات المحرمة”، معتبرا أن ما حكم بحرمته هو “الخلوة” لا “الاختلاط” مفنداً في المقالة التي مهدت لقدومه وكانت مفتاح الدخول إلى صراع كبير حتى اليوم، أن “الاختلاط ” له ضوابط ما تفرضه الحاجة دون إسراف أو توسع أو تعطيل عن واجبها الأساس في رعاية البيت وتربية الأبناء، ومستشهدا بتاريخ عاشته العاصمة الرياض قبل قدوم موجات الصحوة وحركة جهيمان العتيبي، من حرية تجارية وأسواق تزخر بالكثير من الباعة رجالاً ونساء، يعملون في اكتساب الرزق.

في ساعات مجيئه الأولى استبشر بقدومه طيف التنويريين السعوديين، واستعادوا رأيه حول الاختلاط ليكون نبراسا له لتحقيق ما عجز عنه محاولو إصلاح جهاز الحسبة الذي تأسس بشكله الرسمي الحالي وبمسماه “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” منذ أكثر من ثمانية عقود بما يوازي أمد تأسيس الدولة السعودية الثالثة، في فترة تاريخية كان جهاز الحسبة قائما على المتطوعين وفي خارج سياق ما يقوم به هذا الجهاز داخل السعودية.

إلغاء توظيف المطاوعة الميدانيين

في أولى قرارات عبداللطيف آل الشيخ حاز على التأييد الشعبي الكبير بعد إلغائه وظائف “المتعاونين الميدانيين” الذين يراهم آل الشيخ المعنيين بالإساءة إلى صورة جهازه وأنهم من يتحمل تشويه تلك الصورة بعد فترات رئاسية قضاها من سبقه مترددين في اتخاذ أي إجراء ضدهم أو محاولة لتخفيف تجاوزاتهم، فاقترب آل الشيخ بتلك الخطوة من جبهات الإعلام ولأول مرة يحوز ذلك الجهاز على الثناء بعد قربان ابن الشيخ.

نيران الإعلام على أداء جهاز الهيئة تحولت إلى داخل هيئة الأمر بالمعروف بعد قرار آل الشيخ الأول، فانتفض نظاميو الجهاز ضده وحاولوا بتعميم العصيان الصامت مبدئيا، قبل أن ينقلوه إلى العصيان المعلن وصفوف التظاهر “الاحتسابية” على قراراته الهادفة إلى إعادة ترتيب بيت الحسبة وتطبيق شعارها الكبير “إرشاد الناس ونصحهم لاتباع الواجبات الدينية”.

كانت الهيئة الدينية في عقودها الماضية تواجه ما يصدر عنها عبر الصحف من خلال مجلة “الحسبة” التي أوقفها لاحقا لاعب الإعلام الإصلاحي عبداللطيف آل الشيخ، إذ يرى أن المجلة لم يعد هناك حاجة إليها بعد أن “أصبحت جميع الصحف مجلة للهيئة”.

محاولة اغتيال آل الشيخ

في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2012، كشفت صحيفة الوطن السعودية في أجرأ خبر كتبته الصحافة السعودية في الأعوام الأخيرة عن تعرض الرئيس عبداللطيف آل الشيخ إلى “محاولة اغتيال” عبر مركبة خططت لدهسه بعد خروجه من صلاة الفجر، وأشعل الخبر الذي جاء بعد أسبوع من اشتعال الصحف المحلية بالمملكة بخبر تسبب أفراد من جهاز للهيئة بمقتل شقيقين أثناء احتفالات اليوم الوطني، وجاء الخبر ككرة ثلج تدحرجت قوة ضد تلك العناوين التي عاودت سخطها على أداء جهاز الهيئة.

ذلك الخبر فسره عديدون أنه يصب في استراتيجية آل الشيخ الإعلامية، واتضح لاحقا أن آل الشيخ يسعى إلى تطهير جهاز يقبع فيه ويستغله حركيون وأصحاب أجندات بالهيئة يتلبّسون بلباس الشرع وفق ما يراه رئيسها الحالي، مشيرا إلى أن “المفسدين” كانوا يريدون الأخذ بالجهاز إلى توجه آخر وإبقاء الجهاز متسلطاً، وذلك لتحقيق غايات إيديولوجية وشخصية.

كشف آل الشيخ أنه تم رصد 25 شخصا داخل الهيئة وصفهم بـ”المشاغبين” لا يريدون أن تمضي “قافلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منهج نبوي” معتبرا أنهم يعملون على الإخلال بأمن البلاد واستقرارها، وأنهم يعملون وفق أجندة لتضليل الناس للوصول إلى أهداف دنيوية.

وفي خضم صراعات الثورات العربية والأصوات المتعاطفة والمنتسبة لـ”الإخوان” لم يبرئ آل الشيخ جهازه من المؤثرات الخارجية حيث يحاول البعض من أفراد الهيئة ممارستها من منطلقات دينية بزعم النصح، وقد حذّر الشيخ الجديد منهم وأنهم يريدون تحقيق أهداف بعيدة المدى لـ”زعزة استقرار الوطن”.

قدم عبداللطيف آل الشيخ إلى رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنية نسف الفساد والهيمنة التي تلبس لباس الشرع

تأنيث محلات البيع النسائية

يحسب للرئيس الجديد عبداللطيف آل الشيخ الموصوف بـ”الإصلاحي” استجابته إلى الرؤية الحكومية الداخلية بفتح منافذ عمل المرأة خاصة في المحلات النسائية بعد تزايد أرقام بطالتها في المملكة الرجالية، وسعيه عبر آلية أداء مع وزير العمل إلى تحقيق كل الآمال والخطط التي كانت مختفية تحت مشالح رؤساء الهيئة السابقين.

يرى عبداللطيف آل الشيخ المدعوم بقوة من داخل أروقة البلاط الملكي عن وجود ثلاث آفات تواجه عمله وإصلاحاته اليوم، تتمثل الآفة الأولى في مصانع الخمور التي رصد جهازه وجود أكثر من 700 مصنع، وهي آفة معنية بها الأجهزة الأمنية لكن آل الشيخ يحاول صياغة دور الهيئة خارج ما رسخ في أذهان الناس.

ويرى أن الآفة الثانية هي “الابتزاز″ وازدياد حالات التحرش داخل المجتمع السعودي في ظل عدم وجود أي نظام رسمي يتصدى لتلك الظاهرة، بينما الآفة الثالثة التي يراها آل الشيخ من مهام جهاز الحسبة هي “الجرائم الإلكترونية” كاشفا عن حملات يقوم بها موظفو الجهاز الديني للإطاحة بأصحاب وباعة التجارة الجنسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو إجراء كذلك تتقاطع فيه معها بشكل كبير الأجهزة الأمنية.

يرى آل الشيخ أن الهيئة تمر بـ”مرحلة تاريخية” وهي كلمة كررها سابقا في العام 1990 رجل الهيئة الإصلاحي الأسبق الدكتور عبدالعزيز السعيد وهو الأول من خارج أسرة آل الشيخ، وانتقد في أول ظهوره آنذاك تجاوزات الهيئة وتدخلها في شؤون الغير، وهي أمور لا تمتّ للدين بصلة.

لكن السعيد الذي ظل عشرة أعوام لم ينجح في إحداث تغيير في سياق عمل الهيئة، بل زادت حدة الشكاوى من الجهاز خاصة في تعاملها مع غير السعوديين، واقتحام المنازل والتشكيك المستمر بأطياف المجتمع.

تطوير عمل الهيئة

يقول آل الشيخ إن الهيئة تخضع اليوم لعمليات تطوير كبيرة، من خلال الاستعانة بالخبرات المتميزة لتدريب منسوبيها، وأن دوراتها تستهدف 13 ألف منتسب، وقد تم تدريب 3500 منهم، مشيراً إلى أن الدورات تقدمها جهات مختلفة منها وزارتا الخارجية والعمل إضافة إلى الهيئة العامة للسياحة والآثار والجامعات السعودية.

يقول آل الشيخ إن جميع أنظمة الهيئة اليوم إلكترونية، ويؤكد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أداة لإلزام الناس وأسرهم إلى الحق، إلا أن ذلك قد يفهم فهماً مغلوطاً يؤذي الناس، وقال “علينا أن نغلب جانب الستر ولا نسمح لأي أحد من منسوبي الهيئة بالتعسف أو التقصد لإيذاء الآخرين”.

وانتقد الغلظة التي أبداها في الماضي رجال الهيئة، مما تسبب في تنفير الناس وتخويفهم، وكشف أن كل بلد له أنظمة وقوانين وأن الهيئة لا تعارض الحراك الاجتماعي المتوافق مع الدين والعادات، ولكن هناك أصحاب الأفكار الخبيثة وهم نتاج بذرة خبيثة زرعت في المملكة في زمن من الأزمان ولا مكان لها اليوم.

وكان من قراراته الهامة، إيقاف تلقي التبرعات للهيئة من قبل رجال الأعمال والجهات الخاصة، وقال :” يوجد أناس مرضى لا يريدون النجاح لأحد، وهناك أشخاص عادوني لأني قطعت مصالحهم”. ويختم آل الشيخ أحاديثه بالإصرار على المضي في مشروعه:” حاول الكثيرون الافتراء والتشويش عليّ، لكنني سائر على ما أنا عليه، وسأفرض الوسطية في الجهاز بالأنظمة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر