الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

'نساء طرواديات' عرض مسرحي يبتعد عن الواقع ويموه هوية الجاني

عرض يتبنى 'الرواية الرسمية' لما يجري في سوريا، حيث ملثمون ينكلون بالأهالي، في بلد كانت جميلة وآمنة، إلى أن دخلها حصان طروادة.

العرب صبحي حليمة [نُشر في 2013/12/22، العدد: 9417، ص(12)]

الممثلات لاجئات سوريات في عمان

عمان- يخطئ عرض نساء طرواديات مكان عرضه، فيُقدّم على مسرح أردني، بدل مسرح الأوبرا في “دار الأسد للثقافة” بدمشق، إلا أن الخطأ المتعمد هنا يحيل إلى قراءة وحيدة لا يجانبها إلا من تبنى هدف العرض، الذي لا يبدو المسرح غايته، ولا الفن من ضمن أولوياته.

قُدم العرض تحت رعاية “مؤسسة رفيوج للإنتاج” و”المركز الوطني للثقافة والفنون”، إضافة إلى خمس وأربعين هيئة وشخصية، ذكرها برشور العرض، كرعاة، وخمسة أسماء كمنتجين، معظمهم أوربيون، لكنه لم يخضع لأجندات أوروبية كما يبدو، بل اختار أن يتبنى “الرواية الرسمية”، تجاه ما يجري في سوريا، حيث الملثمون ينكلون بالأهالي، وزوجات ضباط الأمن يضطررن للخروج من منازلهن خائفات، في بلد كانت جميلة وآمنة، إلى أن دخلها “حصان المؤامرة”.

ويجسد العرض روايته ورؤيته عبر عناصر يفترض أنها تقف على الضفة الأخرى، فيختار ممثلاته من صفوف اللاجئات كما يدّعي، قافزا عن توصيف اللاجئات المعتمد في الرواية التي ينطلق منها، (خائنات خرجن من سوريا، فقط لاستجلاب التدخل الخارجي، وبيئة حاضنة للإرهابيين، وخلايا نائمة يجب سحقها)، ومتسللا إلى المجتمع الآخر المتشكل نتيجة حرب، أثخنته بالجراح، حتى أعماه التعب عن خبث الآخرين.

طروادة المحروقة

ينطلق العرض من فرضية أولى، تضع سوريا مكان “طروادة”، وتضع “المؤامرة الكونية” مكان الحصان الخديعة، ويتوقف عند “النساء المسبيّات”، ليكون “السّبي” إشارة إضافية تؤكد روايته، وعبر “المسبيّات” يقدم روايته للأحداث، وتوثيقه للانتهاكات الإنسانية، التي يشاء العرض، أن يؤكد أنها من فعل طرف واحد، هو “المسلحون”، في قالب يدعي شكليا أنه غير منحاز، فيبتعد عن تسمية القاتل مباشرة، لكنه يصفه بما لا يدع مجالا للشك، ولينتهي أن طروادة احترقت، وبادت، وانتهت..

روايات ثلاث

نساء مختلفات جمعهن قاتل واحد

الرواية الأولى تحكي عن أشخاص “ملثمون” يختطفون رجل البيت، ويطلقون النار على فمه، وبالطبع “الملثمون” هنا توصيف لا يقبل التورية، أما الرواية الثانية، فتحكي عن امرأة (في منطقة ما)، يحدث اشتباك قرب منزلها، فتتصل بزوجها في عمله، (؟) لتطلب منه عدم العودة خوفا عليه، لكنه يأتي، ويأخذ عائلته ويخرج في ظرف صعب، وحين يصل إلى الحاجز، يخرج بطاقته الأمنية، “أكرر: بطاقته الأمنية”، ويريها لعنصر الحاجز، ويقول له إنه سبق وترك سيارته هنا، ريثما يخرج عائلته من المنطقة، فيتركهم الحاجز يخرجون.

أما الرواية الثالثة، فتتحدث عن نساء حمصيّات يتركن رجال العائلة بعد سماعهن عن مداهمة قادمة، وبعد خروجهن، تأتي المداهمة وتنتهي، ويخرج المداهمون، وتتم محاصرة المنطقة، ثم يأتي رجال مجهولون، يطلبون من رجال العائلة أن يقوموا بمساعدتهم بتحميل سكر ورز وسمنة، وبعد أن يفعلوا، يقوم المجهولون بقتل الرجال، ليكون هؤلاء (شهداء فداء للوطن) كما جاء على لسان الراوية.

النساء يروين الحكايات، وبالمصادفة ليس في حكاياتهن سوى قاتل واحد، وليس لدى الطرف الآخر خطأ ولو فردي، وليس هناك سكود، ولا دبابات، ولا قصف طيران، ليس ثمة مجازر، ولا كيميائي، ولا أطفال مذبوحون، هناك هاون فقط، وملثمون، وقتل عبثي، وسبي وسبايا.. دون أن تغيب عن النص الإشارة إلى “كهنة الدين الذين باركوا سبي الطرواديات”.. قبل كل ذلك يختار العرض تقديم ممثلاته بزي واحد، ذو دلالة دينية واضحة، جلباب أسود وغطاء رأس إسلامي، بل هناك اثنتان منهن ترتديان النقاب أيضا، في تأكيد لا يقبل الشك على انتمائهن الطائفي، وليس الديني فقط.. أما السبب، فهو في قلب القائمين على العرض العبقري..

في الشكل

يختار العرض ممثلاته من غير المحترفات، كأنما يشرك الضحايا في تجسيد مأساتهن، وربما كان يمكن للتجربة أن تكون جيدة، لولا انحيازها الذي أشرنا إليه.

ويَفترض أن اولئك الممثلات في حالة تحضير لنص مسرحي، هو “نساء طروادة”، فيختار من النص عبارات ومقتطفات، ينقلها على لسان الممثلات، على أنها اختياراتهن الشخصية، لندب وطن انتهى بعد أن تسلل إليه الغزاة عبر المؤامرة، الخديعة، وليطابق بين سبايا طروادة، ونساء سوريا، ويختتم ذلك برسائل شخصية من اللاجئات لأهلهن الذين (بقوا) داخل سوريا، رسائل حاولت أن تكون بسيطة، لكنها بدت سخيفة ساذجة، قد تثير الرغبة لدى الجمهور المحدود جدا، بالتصفيق الطلائعي.

صورة دون إضافة

يزج العرض مشاهد مصورة داخل العرض، وهو تكنيك متبع في عروض سابقة عديدة، وقد يبدو غير موظف للوهلة الأولى، بل يبدو محاولة سطحية، لا تضيف فنيا لمشهديتها، ولا تشكل أي حامل إضافي، فيقدم ممثلاته عبر كادرين، مماثلين تماما لصور المتهمين والمجرمين، في السجلات الجنائية، صورة أمامية، وأخرى جانبية. وتتلو الممثلة في الكادر الأمامي، حــالتها الشخصية، وتشابهها المفترض مع النص، أو مع شخصية منه، ثم تتلو في الكادر الجانبي الجملة المنتقاة، وهو ما لا يختلف عن قيامها بالقراءة مباشرة، أمام الجمهور، ويثير التساؤل بالتالي عن الضرورة الفنية، لإقحام الصورة هنا، وإذا استبعدنا قصدية وضع اللاجئات موضع المجرمات، سنجد أننا أمام “زخرفة” سطحية لا ضرورة لها.

الأموي الأجمل!

مقطع واحد، تجلى في المونولوج المصور، كأذكى ما جاء في العرض، وربما أعمق ما فيه، حتى ليصلح فعلا كمفتاح للقراءة، حين تقول الممثلة، أنها ترى الجامع الأموي جميلا..

وتسأل: إذن كم كان أجمل فيما سبق، أي قبل أن يصبح جامعا إسلاميا، لننتهي مع العرض العبقري إلى نتيجة أن المأساة الحقيقية هي في “الإسلام” ليس الحالي فقط، بل في الإسلام ككل، في خلطة عشوائية تدخل حابل المسلمين بنابل الإسلام، نظرية، وفكرا، وأناسا وشخصيات، ومنتمين بحكم الولادة، وبالتالي ليس ثمة حل، إلا بسحق كل من ينتمي لهذا الإسلام وإبادته، وحينها ستصبح طروادة أجمل.

شهادات وآراء في العرض

جمعتها: وداد جرجس سلوم

- عمر أبو سعدة: القدرة على التعبير

الهدف الأساسي من هذا العرض تحفيز القدرة على التعبير لدى المشاركات بحريّة كاملة، وعمِل الكادر الفني على تتبع رؤيتهن، ووظيفتي كمخرج مسرحي كانت تقنية بحتة، من أجل أن يتم تقديم الحكايا بشكل فني وتقني نظيف على الخشبة.

نحن عملنا مع مجموعة من النساء اللاجئات السوريات اللواتي لم تعتل أي منهن خشبة المسرح سابقا، وبعضهن لم تدخل إلى المسرح في حياتها، ضمن ورشة عمل لأهداف عديدة، كان أهمها ترك أثر محدد لدى المشاركات، أي تمكينهن من التعبير عن النفس بطريقة فنية، ومن الإيجابيات التي قدمها العرض أن مجموعة من النساء المحجبات وبعضهن من المنقبات كسرن الحواجز ووقفن على خشبة المسرح وقمن بالأداء أو التمثيل، ولا بدّ من الذكر أن إحدى المنقبات قبل العرض قررت خلع النقاب للظهور على الخشبة وتقديم حكايتها. وقناعتي، اليوم، أن من حق الجميع قول ما يريدون دون ضغوطات، والنساء المشاركات في العرض تحدثت كل منهن عما ترغب وكما ترغب. من أهداف العرض الأساسية كان فتح المجال للنساء لقول ما يجري في سوريا من وجهة نظرهنّ، لأن الصوت الطاغي هو صوت الرجل، وأردنا أن نسمع صوت الأنثى المغيّب على مدى ثلاث سنوات.

وحول هوية القاتل والمجرم في عرض “نساء طرواديات” هناك إشارات واضحة تدين النظام في جرائم القتل والاعتقال، وأكثر القصص تأثيرا في العرض الفتاة التي تقول بالحرف: “الجيش النظامي أخذ إخوتي وأبي وأعدمهم ورمى الجثث على الأرض ثم دفنهم في مقبرة جماعية”. إضافة إلى أن التواريخ والأماكن المذكورة ضمن العرض تشير إلى أن هؤلاء النسوة وعائلاتهن كنّ محاصرات من قبل الجيش النظامي.

* مخرج العرض المسرحي "نساء طرواديات"

- نوار بلبل: بساطة وسطحية

عموما، التجربة لطيفة، لكننا كنا نتوقع منها أكثر من ذلك، وما شاهدناه ليس عرضا مسرحيا ولا يندرج تحت هذا العنوان من قريب أو بعيد، لافتقاده إلى مقومات العرض المسرحي (صراع، حبكة، ممثلون). يمكن القول عنه إنه فرجة وثائقية، قد أتفق معها أو لا أتفق، لكنه لا يشبه الواقع السوري، وطرح المسائل ببساطة وسطحية، ووقف مع الثورة بخجل كبير، فقد حاول الكادر التعامل مع الحالة السياسية بحيادية، ولا ضير في ذلك في لحظة من اللحظات، ولكن حياديته فرضت عليّ كمشاهد أن أكون حياديا، حيث لا عمق في مقولات العرض بل كأننا كنا نقرأ بضع صفحات من الفيسبوك.

* ممثل مسرحي وتلفزيوني

- ريم يسوف: مساعدة نفسية

نساء سوريات قدمن حكاياتهن المختلفة على خشبة المسرح

لم أشاهد على الخشبة ممثلات، بل نساء سوريات مختلفات في المعتقدات والأفكار، جمعهن هذا العمل المسرحي وقدمن حكاياتهن المختلفة، وبرأيي ليس مهما المستوى الفني بقدر أهمية المستوى الإنساني والوضع الذي عاشته كل منهن في حمص وغوطة دمشق، ورحلة اللجوء التي استغرقت لدى إحداهن سنة كاملة، مروراً بمخيم الزعتري. ركز العرض على الوضع الإنساني للمرأة السورية التي كانت أبرز ضحايا الحرب الدائرة في سوريا، وبالتالي أستطيع اعتبار ما شاهدته شهادات نساء سوريات، والعمل يهدف إلى مساعدتهن نفسياً من خلال التعبير والتصريح بالمعاناة التي عاشتها كل منهن.

* فنانة تشكيلية

- رامي العاشق: تمويه هوية القاتل

إدراج هذا العمل تحت اسم عرض مسرحي كان بهدف جذب المشاهدين فقط، وما رأيته أن كلا منهن قد جلست على كرسي اعتراف وقدمت قصة، على الأغلب، ليست قصتها، وإنما تم تلقينها إياها، وأكثر ما لفت انتباهي هو التمويه غير المعقول لهوية القاتل وفي الحقيقة ساعة وعشرون دقيقة هي زمن العرض لم أر فيها شيئا عن الثورة السورية، بل حكايا عن الخطف والقتل دون إشارة إلى هوية الجاني.

نساء ترتدين نفس اللباس (أسود)، والجلسة واحدة على نفس الكرسي والكفين على الركبتين – هذا ما أوحى لي بكرسي الاعتراف- وبما أنها المرة الأولى التي تظهر النساء فيها على خشبة المسرح فنحن لا نطلب منهن آداء مسرحيا، ولكن كان من الممكن أن تقدم كل واحدة مونولوجا أفضل من الناحية الفنية بالتعاون مع الكادر الفني القائم على العرض، وهذا أضعف الإيمان لعمل تدعمه 37 جهة منها سبع منظمات دولية.

* شاعر وأحد مؤسسي مجلة “بنات البلد” الإلكترونية

- ولاء خرمنده: صورة رمادية

أعتب على الكادر الفني الذي اشتغل على العرض والذي اعتقد أنه استخدم اللاجئات السوريات لغاية ما أوضح ما فيها أنه قدم صورة رمادية عن الوضع الإنساني في سوريا، ولنسلم جدلا بأنهم (الكادر الفني والجهات الداعمة) أرادوا تسليط الضوء بعيدا عن السياسة والتركيز على الجانب الإنساني، ضمن ما تتطلبه أجندات المنظمات الداعمة، لماذا يسطح العرض معاناة اللاجئين والمرأة السورية تحديدا الى هذا الحد وتغيب عنه أهم المواضيع الدائرة في سوريا الآن كالموت تحت التعذيب في معتقلات النظام، ومعاناة اللاجئين بالمخيمات ومحاولة الاتجار بالمرأة السورية اللاجئة.

* إحدى مؤسسات مجلة بنات البلد

- نبيل الخطيب: تمويه مقصود

طوال ساعة وعشر دقائق من مدّة العرض لم أسمع كلمة (ثورة) ولا إشارة واحدة تدين إرهاب النظام ضد الشعب السوري وتعميم هويّة القاتل لإضاعة صورة القاتل الحقيقي، إضافة إلى تقديم صورة واحدة عن المجتمع السوري هي صورة (الإسلاموي) الذي يختبئ خلف السّواد في تضليل فريد من نوعه. “نساء طرواديات” في نظري هي بمثابة تمويه للثورة ومطالب شعبها وتبرئة للنظام ممّا يجري من قتل وفتك وتدمير.. إنّه عرض ينسجم ويتطابق مع رؤية مموّليه الذّين يرون ثورة سوريا (صراع بين كتل إسلاميّة متطرّفة وبين مدنيّة (مجهولة) لا يبقي العرض ممثلا لها في استنتاجاتنا سوى النظام).

عرض “نساء طرواديات” شارك به أكثر من 20 فتاة سوريّة لاجئة إلى الأردن، ومموّل (حسب البروشور) من 7 مؤسّسات أجنبيّة و36 شخصا لا يوجد بينهم اسم عربي.

* مخرج مسرحي من الأردن

____________________________

* (“نساء طرواديات” عرض على خشبة المسرح الوطني للثقافة والفنون والثقافة ـ عمان مساء 17-18/12/2013، إخراج عمر أبو سعدة، سينوغرافيا بيسان الشريف، تدريب ممثلات ناندا محمد، ترجمة ماري إلياس)

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر