الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

داعش يتمسك بـ'المدينة القديمة' لتجنّب الهزيمة في الموصل

'المدينة القديمة' في الموصل تحمل رمزية كبيرة لداعش، حيث أعلن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي ما أسماها 'دولة الخلافة' من على منبر جامع النوري الكبير في المدينة.

العرب  [نُشر في 2017/05/19]

المدينة القديمة الملاذ الأخير لـ'داعش' في الموصل

بغداد ـ بعد تطويق القوات العراقية للشطر الغربي لمدينة الموصل (نحو 400 كم شمال العاصمة بغداد)، في التاسع من مارس الماضي، اعتبر قادة الجيش آنذاك أن المعركة "باتت محسومة"، لكن تنظيم "داعش" عندما أيقن أنه لا أمل لعناصره بالفرار، لجأ إلى "المدينة القديمة"، في قلب الجانب الغربي، كـ"ملاذ أخير"، محاولا استثمار عاملي الجغرافية والسكان.

منذ بدأت القوات العراقية الهجوم، في 19 شباط، تقدمت بسرعة من جهة الجنوب، وسيطرت على المناطق الواقعة على مشارف الموصل، مركز محافظة نينوى، وأهمها مطار الموصل ومعسكر على مقربة منه، فضلا عن عدد من القرى.

كانت الخطة المعدة مسبقا تقضي بالتوقف قليلا، لإعادة تأهيل مطار الموصل، ليصبح منطلقا للطائرات الحربية، إلا أن سرعة تقدم القوات العراقية يبدو أنها أطمعت قادة الجيش، فغيروا الخطة ليواصلوا التقدم في أحياء المدينة حتى وصولهم إلى "المدينة القديمة"، في قلب الشطر الغربي على الضفة الغربية لنهر دجلة، الذي يعبر من وسط المدينة من الشمال إلى الجنوب، ويشطرها إلى نصفين أيمن وأيسر.

ضحايا مدنيون

ورصدت منظمات معنية بحقوق الانسان تزايدا كبيرا في عدد المدنيين القتلى، عند وصول القوات العراقية وسط المدينة؛ بسبب الغارات الجوية الخاطئة وسيارات داعش الملغومة، وسط الأحياء المكتظة بالسكان.

وغالبا ما كان المدنيون يموتون تحت أنقاض منازلهم، حينما تستهدف طائرات التحالف الدولي قناصة لداعش كانوا يعتلون المنازل، ويمنعون السكان من مغادرتها.

عندها، أيقن قادة الجيش صعوبة الحسم في "ملاذ داعش الأخير" بمنطقة "المدينة القديمة"، ذات الأزقة الضيقة المتشعبة كالمتاهات والمكتظة بالمدنيين، حيث يتعذر على العربات العسكرية دخولها؛ ما يجعل الجنود العراقيين هدفا سهلا لقناصة "داعش" وكمائن مسلحيه.

مر نحو شهران دون أن تحقق القوات العراقية تقدما يذكر في "المدينة القديمة"، فعمد قادة الجيش إلى فتح جبهة جديدة في الشمال، حيث تقدمت القوات سريعا، وباتت قريبة من تضييق الخناق على داعش في "ملاذه الأخير"، الذي يمثل أكبر تحد أمام هزيمة التنظيم نهائيا، في الموصل، ثاني أكبر مدن العراق سكانا بقرابة 1.5 مليون نسمة.

وتسير العمليات العسكرية في الجانب الأيمن (الشطر الغربي) لمدينة الموصل ببطىء شديد، بعد أن تحصن مسلحو داعش في المنطقة القديمة ومحيطها"، كما أقر العميد في الشرطة الاتحادية التابعة لوزارة الداخلية، سلمان الوائلي.

الوائلي، أوضح في تصريحات صحفية أن "المدينة القديمة هي أهم معاقل التنظيم حاليا، مستغلا الكثافة السكانية العالية، والمساحات الضيقة، التي تقيد حركة العجلات (الآليات) العسكرية، كما أنها منطقة هشة، إن تعرضت للقصف ستتضرر منازل كثيرة، فهي متراصة وصغيرة ومتهالكة لقدمها".

ومضى قائلا: "نقاتل عدوا شرسا في منطقة مساحتها صغيرة جدا ومحشوة بالسكان، ورغم أنها صغيرة، لكنها الأصعب.. من الوارد حدوث انهيار في صفوف داعش، لكنه بحاجة إلى مزيد من الوقت، لذا لزاما على قواتنا مواصلة القتال لحين انتزاع آخر شارع من المدينة".

واعترف العميد الوائلي بأن "هذا النوع من القتال يكلفنا الكثير من القتلى في صفوف القوات الأمنية وكذلك المدنيين".

داعش يشتري الوقت بدماء المدنيين

بلا غطاء جوي

"لم يعد سلاح الطيران حاسما في الحرب الآن، كونه مقيد إلى درجة كبيرة"، هذا ما قاله قائد طيران الجيش العراقي، الفريق أول الركن حامد المالكي، وأوضح أن "الطبيعة الجغرافية للمناطق التي تخوض فيها القوات المعركة أجبرتنا على التوقف، فهي أزقة ضيقة، إلى جانب أمر مهم، وهو تواجد المدنيين بأعداد كبيرة".

وشدد المالكي على أن "داعش يشتري الوقت بدماء المدنيين، فهو حتى الساعة يدافع بقوة عن مناطق الموصل القديمة، ويعزز وجوده فيها، في محاولة منه للاستفادة من التقدم البطيء للقوات العراقية".

وتحمل "المدينة القديمة" في الموصل رمزية كبيرة لداعش، حيث أعلن زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، من على منبر جامع النوري الكبير في المدينة، قيام ما أسماها "دولة الخلافة"، صيف 2014، على أراض في الجارتين العراق وسوريا.

وقبل شهرين وصلت قوات الشرطة الاتحادية إلى مقربة من الجامع، لكن مسلحو "داعش" دافعوا باستماتة، ما حال دون تقدم القوات.

الشرطة الاتحادية

وكان جهاز مكافحة الإرهاب، الذي يضم قوات نخبة في الجيش تلقت تدريبات على أيدي الجيش الأمريكي، بمثابة رأس الحربة خلال المعارك في الشطر الشرقي للمدينة، حتى اكتملت السيطرة عليه، في يناير.

لكن المهمة الصعبة أوكلت إلى قوات الشرطة الاتحادية في الشطر الغربي للمدينة، وهي المنطقة القديمة، بينما تولت قوات جهاز مكافحة الإرهاب الأحياء الواقعة إلى الغرب، وهو ما اعتبره مراقبون خطأ في توزيع المهام ساهم بدرجة كبيرة في تأخر حسم المعركة.

"رغم ذلك تقدم قوات جهاز مكافحة الإرهاب الدعم إلى قوات الشرطة الاتحادية"، وفق المتحدث باسم الجهاز، صباح النعمان.

وتابع النعمان أن "قوات الجهاز تنفذ عمليات تتزامن مع العمليات الخاصة بالشرطة الاتحادية في الشطر الغربي للمدينة".

ومنذ أكتوبر الماضي، تشن القوات العراقية عملية عسكرية واسعة لطرد داعش من الموصل، التي يسيطر عليها منذ يونيو 2014، وتمثل آخر معاقله الكبيرة في العراق.

ويقول قادة الجيش العراقي إن نحو 10% فقط من مساحة الشطر الغربي لا تزال في قبضة "داعش"، لكن المعطيات تشير إلى أن فاتورة استعادة هذه المساحة الصغيرة، ولاسيما "الملاذ الأخير" للتنظيم في "المدينة القديمة"، ربما تكون مكلفة للغاية على كافة المستويات.

:: اختيارات المحرر